عجيب أمر النقد الأدبي، فهو طريق لا تحكمه قاعدة، وسبيل لا تظلله أسس، فأحيانا أراه بؤرة للأهواء والظنون والأمزجة، كل ينال منه حسب رغبته، فمن أراد أن يجامل، يجد فيه طريقا للمجاملة، ومن أراد أن يحبط ويدمر ويتحامل، يجد الفرصة سانحو لمأربه، بل من أراد أن ينافق، يجد الباع أمامه ممهدًا لذلك.
فإذا قلب الناقد الحقائق، وأعطى النص فوق ما يحتمله، فلا لوم عليه فهو ناقد وهذه رؤيته، وإذا أراد الناقد أن يصور الصغير كبيرا والكبير صغيرا، فهو ناقد ورأيه له محله ووجهته واعتباره، وإذا جعل من الحق باطلا ومن الباطل حقا، فهو فوق المحاسبة، فهذا رأيه.
وبعد هذا كله نقول: إن النقد لا ينفك كثيرا عند بعض من النقاد عن النفس والهوى، فإذا رأيت ناقدا يشتد ويقسو عليك في نقده فاعلم في غالب الأمر أن له غرض في نفسه، أو أنك لا تعجبه، أو أنه يأخذ منك ومن أفكارك موقفا عدائيا، المهم أن يكون هناك سر نفسي خفي يقف خلف نقده، وكذلك إذا رأيت في بعض الأحيان ناقدا يطريك ويمدحك، فأول ما يتبادر إلى ذهنك أنه يحبك ويتواءم معك، وأنك تنال من نفسه منالا حسنا.
وهكذا ينحرف النقد في كثير من الأحيان وليس كلها عن الحقيقة.
وأحيانا قد يأتي النقد قاسيا من أجل الحب، حتى ينقذ الناقد منقوده أو يحميه ويحافظ عليه، وهو تناقض يحتاج إلى توضيح.
فحينما كتب الأديب الراحل ثروت أباظة روايته هارب من الأيام وكان فيها تلميحات سياسية يمكن أن تضره، سارع طه حسين لنقد الرواية وانحرف بها عن مقاصدها التي لا تخفى على ناقد صغير أو قارئ متذوق للسطور، فسارع ثروت إلى لقاء طه، ولما سأله طه عن مقصده فقال له: إنني أقصد بها عهد الطغيان الذي نعيش فيه، وقد فهمت أنك هاجمت بعض أفكار الروية لتحميني ، فقال طه: برافو عليك هذا ماقصدته تماما حتى إذا سألك أحد تقول: اسأل طه حسين فهو يقول غير هذا، وأنا أستحلفك بحياتي إذا كنت تحبني ، وأستحلفك بأبيك الذ أعرف أنك تحبه وتقدره ألا تقول هذا الذي قلته لي لأي إنسان ولا حتى لزوجتك، هؤلاء قوم مجرمون والله يعلم ماذا يصنعون بك إذا فهموا هذا الفهم.
كان هذا مثال للنقد العنيف الذي لم يكن عنفه إلا لأجل الحب.
أما النقد العنيف الذي كان نتيجة البغض والكره، فكان منه ما صدر من الشاعر السيد - حسن القاياتي، وقد زار أمير الشعراء شوقي يوما في كرمته، فلم يجد منه ترحيبا أو تكريما، فخرج الرجل غاضبا هائجا، وجعل ينشر في المجلات الأدبية نقدات لغوية وفنية في شعر شوقي تحت عنوان العثرات، وكان مما شدد النكير من أثلة نقده حول البيت المشهور لشوقي: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، وقال : ان الأخلاق لا تطلق على الأخلاق الفاضلة وحدها، بل على كل خلق، وتحتاج إلى وصف يبين.
وهكذا ينطلق النقد من الكره الخالص الذي أصاب النفس من المنقود.
وفي مثال آخر تحرك النقد في جهة أخرى غير حقيقتها حتى يحمي المنقود، فحينما نفي الخديوي عباس، ومات ولده الأصغر الأمير عبد القادر، صمم أن يدفنه في مصر، وكان من المصادفات المحزنة، أن يصل الجثمان في يوم الاحتفال بعيد الجلوس الملكي لفؤاد على العرش، فنصبت الزينات وارتفعت أقواس النصر، وسار موكب الجنازة تحت الأضواء والأهازيج المحتفلة بالعيد، ومر خاشعا تحت أقواس النصر المرتفعة، وهنا عز على الشاعر خليل مطران أو يمر موكب الأمير المحزون دون مواساة ورثاء، فأنشد قصيدته التي كان منها هذا البيت المثير:
تعدو البهارج، كل زور تحتها * وتمر بالزينات مر الساخر
و غضب الملك فؤاد أشد الغضب وعزم على طرد الشاعر من مصر، فسارع رئيس تحرير الأهرام يوضح نقده المتلطف للملك، والذي يبرئ الشاعر ويدفع عنه التهمة، ليقول بأن المراد بالزينات في قول الشاعر، ليست زينة عيد الجلوس، ولكنها مظاهر الفرحة عند الأغرار ممن لا يعتبرون بعواقب الحياة الدنيا.
وهكذا يقف الناقد كثيرا خلف المبدع شاعرا كان أو أديبا، ليدفع عنه أو يرديه، كل حسب هواه وحال نفسه من الحب الكره.
فإذا هم المبدع ليكتب، فليدع الله أن يكون معه ناقد يحبه، ويبعد عنه أولاد الحرام من النقاد.








































