بعض القراء يظنون أن ما أكتبه لهم وحدهم، وأنه لا يوجد في الدنيا غيرهم وحدهم، ولا يجب الاعتراف فيما يقرؤونه لأي كاتب إلا أن يكتب لهم وحدهم.
وهذه إشكالية كبرى لا يعاني أرقها إلا الكاتب وحده، الكل يتنازعه يريده أن ينزل على هواه ورغبته، هو بينهم كفريسة بين جمع من الأسود، كل منهم يمزق فيها من طرفه ووجهته يريدها له.
المتدينون لا يقبلون إلا أن أكتب عنهم وعما يمثلهم، وغير المتدينين، يستاؤون لو كتبت باسم التدين، ويريدونني أن أعبر عنهم وعن أفكارهم، والجميع يجب أن يعلم ابتداء أن صفحتي بها كل الأطياف والانتماءات والأفكار، وأنا أخوض بقلمي بين هؤلاء جميعا على شاطئ الحق وفيما يخدم الحقيقة.
بالأمس كتبت مقالا عن المطربة الشهيرة أم كلثوم ، ورصدت من حياة وتصريحات المرأة ارتباطها بالقرآن الكريم منذ صغرها، وكيف أشادت به وبالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فإذا بطائفة من القراء تعترض وتتذمر وتتخيل أنني أشيد بالمرأة التي يناصبونها العداء لأنها مطربة، وحجتهم أن الطرب وآلاته مذموم في الإسلام، ويعدونها من دعاة المجون والعشق الذي يصرف المرء عن الحب الإلهي، بل أخذ بعض القراء يرميني بالأدلة على حرمة الطرب والغناء وكأنني بها جهول أو لم تخبرها معارفي من قبل، رغم تخصصي الديني وتدريسي وخطبي في المساجد سنوات طوال.
ورغم أنني في المقال لم أمدح المرأة في شيء، وكان كل اهتمامي عنها هو تصريحها بأثر القرآن واحترام الرسول وزوجه، وإذا بأحدهم يقول لي: رسولنا أعظم من أن ينتظر إشادة من مثلها،. ثم يقول لي آخر: اهتم بالصالحين فهم أولى الناس بالحديث والرواية والكتابة.
وأنا لا أعلم إلا أنني أقضي حياتي كلها في الحديث عن الصالحين، فكان منه توجيها عجبا.
ولنفرض أن أم كلثوم داعية مجون، أليس من الجميل والمهم والخادم للإسلام أن نعرض تصريحها باحترام الرسول والقرآن؟
إن الملايين تعشق أم كلثوم، أليس في تصريحها هذا توجيه لكل محبيها باحترام الرسول والقرآن وقراءة السيرة النبوية والتفاسير، حتى المطربات منهن، ألا يمكن أن يقلدنها في هذا فيكون سبيل هداية لهم ولهن!؟
إن الذين رفضوا المقال بحجة أن رسولنا أرفع من أن ينتظر شهادة منها، لا شك مخطئون، فكل شيء يجب أن يسخر في خدمة الإسلام، وكل ما يمكن أن يكون مفيدا للإسلام والإسلام وحده، مقدم على كل شيء.
ورسولنا الكريم بشر، وهو داعية للإسلام مًرغب في تعظيمه واتباعه، فإذا أشادت امرأة شهيرة بالنبي والقرآن فهو يفيد الإسلام والتدين في المقام الأول، وهنا لا يقبل أن نقول جملة مثل هذه.
المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يتغنون بكتاب ( الخالدون ١٠٠ أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم) للكاتب اليهودي الأمريكي مايكل هارت، والمفكر المسلم الكبير دكتور عماد خليل ألف كتابا قيما تحت عنوان ( قالوا عن الإسلام) جمع فيه شهادات الغربيين عن ملتنا وديننا.
فهل يستساغ أن يأتي اليوم قاصر الفكر ليرد كل هذه الشهادات والإشادات التي تخدم الإسلام ودعوته، بحجة أن النبي أرفع من شهاداتهم ولا ينتظر مثلها؟!
ما هذا الخبل المأفون؟!
هو تماما ما يتشابه مع هذه القضية الخطيرة التي رصدها شخنا البيومي رحمه الله حينما ذكر فمن المعروف أن بعض الكتاب الغربيين قد أنصفوا الإسلام، وتعرضوا في سبيل ذلك إلى هجوم عنيف، لأنهم أيدوا الحق ولم يخالفوا ضمائرهم.. لكنهم مع إشادتهم بالإسلام لا يعرف أنهم أيدوه في كل شيء، بل لعل لهم معه خلافات وآراء مغايرة، فلا يقبلوه كله حسب أفكارهم ومعتقداتهم التي نشأوا عليها، ومنهم (جوستاف لوبون)، فإذا بنفر من الكتاب المسلمين، يتركون كل ما كتب الكاتب من إنصاف لحضارتهم وتاريخهم وأمتهم وجميلها على البشرية، ويعدون على ما أورده في كتبه مما يخالف الإسلام، ليشنوا عليه حربا شعواء، ويتربصوا به، ويظهرونه بصورة من يدلس أو يضع السم في الدسم، وأن ما أظهره من إيجابيات لا قيمة له لأنه أنكر أو اختلف مع الإسلام في شيء، استنكر البيومي هذا الموقف وهذه العماية التي تفتقد الحكمة والدراية والبصر بأحوال هؤلاء الناس والطريقة اللائقة للاستفادة مما قدموه من خدمات، وتجنب وإعذار ما خالفوا في الإسلام، كما أن هذا الموقف يضر كثيرا بما قدموه من خدمات جليلة وشهادات منصفة أفزعت الغرب وضايقته.
ثم أراد أن يوقف هؤلاء المتحمسين على خطورة الأمر ووعورة الموضوع، فذكرهم بما كتبه الحاقدون على الإسلام، وما ألصقوا به من التهم والمعايب، وكيف شوهوا حقيقته، وأرادوا خداع الناس بإفكهم، فعل البيومي ذلك حتى يحمدوا تصرف من أنصف الحضارة الإسلامية، وله بعض المخالفات التي هي في حقيقتها طبيعية بحكم عدم انتمائه للإسلام.
وهي نظرة وسطية معتدلة عاقلة حكيمة، فلا تفسد على الإسلام مكاسبه التي قد ينالها، ويحصل عليها ممن لا ينتمون إليه، فلا يجب إفسادها بشن الحرب عليه قاطبة.
هل نرد هذا المكسب الكبير للإسلام من أجل مخالفات الرجل لبعض مفاهيم التعاليم الإسلامية؟ أم تسوقنا الحكمة للاستفادة مما ذكر وأشاد؟
ونفس القضية عرضها شيخنا الغزالي رحمه الله في كتابه (مع الله) مع الكاتب الغربي تومس أرنولد، فقد أنصف الإسلام رغم مخالفته له في كثير من الأمور.
وعلى هذا النهج كان البيومي والغزالي يقفان أمام كثير من المسلمين الذين يحاولون طمس الحقائق التي قدمها كثير من الفلاسفة الغربيين، ويحاسبونه وكأنه كاتب مسلم ولا يقدرون ظروفه وأوضاعه، إذ يكفينا منه إنصافه، ومخالفته في بعض الأمور المتوقعة.