بعد الصعود الهائل للتيار السلفي سياسيا ودعويا في الفترة السابقة، والتي قبلها منذ عهد الرئيس مبارك، إلا أن بساط التمكين انسحب عنه فجاة إلى التيار الصوفي، الذي أصبح اليوم ملء السمع والبصر، وترى فيه الدولة أنه النهج الديني الأنسب لتمثيلها فكريا في المرحلة الحالية.
لا شك أن اختيار العهد السابق للنموذج السلفي واعتماده عليه ليمتص وجهة الشعبية الدينية، ويكون في مواجهة التيارات الاسلامية السياسية، كان اعتمادا خاطئا، لأن النموذج السلفي أو بعض الصور منه لا كله، أعتبرها نموذجا يجافي طبيعة المصريين والتدين المألوف لديهم، ويعطي استنساخا للتدين الذي ترتضيه صحراء الجزيرة العربية ودولها، في هيئته ولباسه وطقوسه وطريقة حياته.
والسؤال الذي يكمن هنا: هل أدركت الدولة أن التيار السلفي أو بعض المدارس منه، كالمدخلية والرسلانية، أصبحت خطرًا على المجتمع المصري، بسبب اعتمادها على مذاهب وأفكار الغلو والتشدد وربما تكفير طوائف عديدة من المسلمين.
وعندي أن الوجود الصوفي أرحم بكثير من هذا التيار المغالي، الذي كان قد بدأ ينتشر، وصارت له في كل قرية ونجع بذور وجذور يمثلون نبتا شاذا غريبا عن المجتمع، ويتزيون بتدين غير مألوف لدى قطاعات كبيرة من محبي الدين والتدين من المصريين.
الصوفية على مدار حياتها لا ترى لها عدوا وخصما غير التيار السلفي وأتباعه الذين يرمونها ويرمون طرقها بالجهالة والابتداع، وقد صعدت الصوفية اليوم وتربعت على عرش السلطة الدينية، وهي تحمل هذا العداء، ومن ثم لن تكون الأبواب أمام التيار السلفي كما كانت سلفا، فسوف يُضيق عليهم في المساجد والقنوات والإفتاء والظهور الإعلامي، وكل ما كان سببا في إنمائهم من قبل، لن يكون كما كان قديما.. حتى وإن حاولت السلفية تقديم المزيد من فروض الولاء، فلن يجدي بشيء.
يوحي بهذا التصريح الأشهر لوزير الأوقاف أسامة الأزهري عن الشيخ السلفي ابن عثيمين في إحدى مناقشاته للرسائل العلمية، والذي أهاج التيار السلفي وكثير من أتباعه، الذين لم يتنبهوا إلى أن هذا (مؤشر خطير) له ما بعده
بل أخشى ما أخشاه أن تتحول النظرة الصوفية إلى السلفية، نظرة قمعية تعلن العداء الصريح وربما تستعدي السلطة فيما بعد ضد السلفية بكل مدارسها لتمحوها من الوجود، كما حدث قديما منهم ضد الامام ابن تيمية والتحريض عليه حتى سجنه السلطان.
لقد فقدت السلفية عصرها الذهبي وانتهى زمان كانت لها فيه السيادة والسلطة والإمكانية للانتشار والتغول والتمكين.
وكذلك فئات السلفية المتشددة، يمكن لها أن تتحالف مع أي خصم إلا الصوفية، لأنهم العدو الأبدي والذي بسببه ومن أجله قامت مبادئ السلفية.
ربما يقول قائل: إن للسلفية حزب سياسي، وأنهم أصلوا وجودهم جماهيريا، وفي رؤيتي أن هذا التضخيم وهم وزيف كانت له ظروفه الوقتية، وما عاد أتباعه إلا شكلا منبوذا من المجتمع كله، حتى أن فرق السلفية المعتدلة ذاتها، صارت تتبرأ منه ومن أتباعه، ويرونهم أبعد ما يكونون عن تمثيل السلفية الحقة.
والتيار السلفي تيار ليس كغيره من التيارات الدينية التي تنتشر اعتمادا على ذاتيتها ومنهجها واستنادا إلى تقبلها الشعبي، وإنما لابد له لكي ينمو وينتشر ويظهر ويغلب من ظهير سيادي سلطوي يعتمد فيه على السلطة والحكومة، التي تفتح أمامه سبل الانتشار والتوهج، وبغير هذه السلطة لن يكون له حضوره المشهود اليوم.
انظر لحالة هذا التيار في عهد السادات وأكثر من نصف عهد مبارك، لم يكن له هذا الحضور الذي هو عليه اليوم، لأن سياسة النظام لم تنظر إليه أو ترى فيه أي خير يمكن أن يقدمه لها، والحق لا أعرف من الذي فكر ابتداء في العهد السابق أن يعتمد على التيار السلفي ويظهره ليكون حائط الصد أمام الإسلام السياسي.. لاشك أنه اختيار غبي جدا، أثبت خطأه اليوم، بالتحول المشهود للنمط الصوفي.








































