من سعادة الدنيا أن تجد كتابا يبهج روحك، وتجد فيه عبرة او فائدة، وتسير معه مهما طالت صفحاته وتعددت سطوره دون أن تجد أي ملل يصيبك أو فتور يعترضك.
ولأنني من عشاق التراجم أرشدنا بعض الأصدقاء أكرمهم الله إلى كتاب (في وداع الأعلام) للدكتور يوسف القرضاوي والذي كان بمثابة إطلالة رائعة لحياة أهم وأبرز الرموز الإسلامية في القرنين الحالي والفائت، بل كان بمثابة سياحة ممتعة في سيرة نفر من عظماء ممن خدمو الإسلام ودعوا إليه ومثلوا علومه، وكانت لهم جهودهم المحمودة والشاهدة بآثارهم الكبيرة وأخلاقهم الزاهية.
الكتاب ذو قطع كبير إذ يبلغ 800 صفحة، وأنت مع قراءتك له لا تشعر بأي ملل بل على النقيض تراه يرفع من همتك ويوقد حماسك ويزيد من بهجتك وأنت تتعرف على تقريظه لهذه الأسماء التي عرفت أغلبها ولم أعلم من قبل شيئا عن بعضها، وبعضهم كنت أعرفه لكن ما جاء في كثير من سيرته كان جديدا علي ومدهشا وثق علمي بهم.
ومما يحمد في الكتاب ويحسب لصاحبه، أنه لم يقصره على من يتوافق معه فكريا وفقهيا، بل وضع فيه أعلاما كان لهم حضورهم وأثرهم لمشهود المعلوم، وذلك من محاسن الأخلاق ومن محامد الإنصاف، فمهما كان الاختلاف بين الأقران فإن هذا لا يمنع أبدا أن يشيد بعضهم بمحاسن بعض ولا يبخسه حقه وكأنه لم يكن شيئا، ولا وجود له، ليظل هو فقط ومن يمثله على الساحة وفي الصورة، ولعل في هذا درس لكثير من العلماء والدعاة المغالين في هذا العصر الذي نعيشه حينما يتعرض أحدهم لعالم ممن يخالفه الرأي فإنه ينهشه ويسلخه من كل قيمة وكل اعتبار.
والكتاب ثمين قدير يستحق أن يقتنى ويقرأ ومن خلال سياحتي فيه رصدت بعض المواقف الأخلاقية التي أحببت أن أشارك القراء بها، لما وجدت فيها من سمو ورفعة وتوضع ومروءة وشهامة وإنسانية عالية.
أما الموقف الأول فحكاه الكاتب حينما تناول سيرة الشيخ الأديب الكبير علي الطنطاوي فقال: "وذكر الشيخ علي الطنطاوي أنه أخطأ أحد طلابه مره في مسألة علمية، فوبخه أمام زملائه وقسى عليه، فلما عاد الى البيت وراجع المسألة، عرف أن الطالب كان على صواب وأنه هو المخطئ وعندما رجع الى طلابه في اليوم التالي أعلن أمامهم صراحه أن الطالب كان على حق وأنه أخطأ في حقه مرتين، الأولى أنه خطأه وهو مصيب والثانية أنه قسى عليه على غير ما يليق بالعلماء مع تلاميذهم"
ولا شك أن هذا الموقف موقف معلم وملهم، ولو كان أستاذا ومعلما مكان الشيخ الطنطاوي لتكبر أن يقف بين طلابه هذا الموقف، الذي قد يعتقد أنه موقف يسمه بالصغار والضعة، ولكن الشيخ الطنطاوي كان معلما للأخلاق قبل أن يكون معلما للعلم، فكان هذا التراجع والاعتراف فضلا وعدلا وإنصافا وكرما أظهر طبيعة مسلم متعدل النفس سوي السلوك.
أما الموقف الثاني فكان حينما تناول سيرة الدكتور الجليل عبد الودود شلبي رحمه الله الأمين العام الأسبق للجنة للعليا للدعوة الإسلامية بالأزهر حيث قال: " بدأ عبد الودود شلبي حياته العلمية في مكتب شيخ الازهر ثم ترقى إلى أن صار مديرًا لمكتب الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود ثم عمل رئيسًا لتحرير مجله الازهر ومن طرائفه مع الشيخ عبد الحليم محمود أن أرسل له الإمام الأكبر كلمه لينشرها في الافتتاحية، ولكن الدكتور شلبي حال دون نشرها، وحين سأله شيخ الأزهر عن ذلك قال: يا مولانا إن كلمتك يجب أن تكون أرقى كلمه في المجلة ولكني لاحظت أن بعض المقالات يفوقها وهذا ما لا أقبله، فقام الشيخ عبد الحليم محمود وقبل رأس الاستاذ عبد الودود شلبي وقال له: سترك الله كما سترت تخلفي في هذا المقال"
وأنت هنا لا تعرف هل يشيد الموقف بأخلاق عبد الودود في حرصه وأمانته وذكائه في الحفاظ على صورة الإمام الكبر، أم أنه يشيد بتواضع وجمال ورفعة شخصية الدكتور عبد الحليم محمد رحم الله الجميع، فلو كان شيخا مكانه لربما تغطرس وأخذته العزة بالإثم، وهدد وتوعد من اتهم مقاله بأنه دون المستوى، لكن الشيخ عبد الحليم محمود لم يكن له إلا أن يكون كذلك ويكون تصرفه بهذه الطريقة لأنه كما عرفنا عنه وليًا من أولياء الله الصالحين.
أما الموقف الثالث فكان مع الدكتور حسان حتحوت رحمه الله إذ قال فيه: "ومن إنسانيه الدكتور حسان حتحوت أنه حين ذهب في سنه 1948 متطوعًا للعمل في فلسطين في مجال الطب والعلاج ولا سيما في إسعاف الجرحى وعلاج المصابين، جيء بمجموعه من الاسرى اليهود جرحى ولكن حسانا علم أن القيادة العسكرية قررت إعدامهم رميًا بالرصاص، انتقامًا لما ارتكبوه أو ارتكبه قومهم وما زالوا يرتكبونه من قتل النساء والأطفال والشيوخ، إلا ان حسانًا وقف في وجه هذا القرار بكل قوه قائلا: لا ينفذ هذا القرار إلا على جثتي، فهؤلاء أسرى جرحى من حقهم أن يعالجوا كما يعالج كل جريح، ولا يحملون وزر قومهم وقد قال تعالى عن الأسرى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا) وقال تعالى: (فإما منًا بعد واما فداء) وغلبت إراده حسان إرادة الإدارة العسكرية ونجا هؤلاء وعولجوا حتى شفوا، وقد عرف اليهود هذا الموقف وتحدثت عنه الصحف الإسرائيلية وكان سببًا في الافراج عن طبيب مصري كان أسيرًا عند اليهود وزميلا للدكتور حتحوت"
لقد عكس الرجل إلى الدنيا بهذا الموقف إنسانية الإسلام العظيمة وما تميز به من الرفق والرحمة والشفقة بالضعفاء، وهي أخلاق أحرجت العدو وجعلته يكافئ هذا الفعل برد أسير مصري، بل تحدثت عنه الصحف الإسرائيلية ليعرف اليهود كيف تبدو عظمة الإسلام وسموه الرفيع.!
وأكتفي بهذا المواقف الثلاثة التي أعجبتني من الكتاب الذاخر بالخير العميم لكل من اطلع عليه وقرأ في صفحاته الميمونة.








































