يقول باحث قدير متخصص في علم التصوف: "لا أدري كيف يكتب في "علم التصوف" مَن لا فَهم له في اصطلاح القوم، ولا سلوك له في طريقهم؟!
لابد لمن يكتب في هذا العلم الشريف -خاصةً- من ذَوْقٍ عرفاني، وحال ومنازلة، ووجد في المعاملة، وإلا فليس بعُشِّك فادرجي!
وانظروا -كمثال- العلامة التاج السبكي وهو يعترف بالقصور عن فَهم كلام الصوفية، فيقول بعد نقل كلام لهم في التجلي: هذا حاصل كلام القوم، وأنا معترف بالقصور عن فهمه، وضيق المحل عن بسط العبارة فيه. انتهى.
وتمنِّي العلامة المحقق السعد التفتازني أحوالهم السنية، يقول بعد أن تكلم عن حال أئمتهم: ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونعترف أن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان. انتهى.
فإذا كان كبار الفقهاء والمتكلمين يعترفون بالقصور عن فَهم عبارات القوم.. فمن أين يأتي هؤلاء بهذه الجرأة في الأحكام بغير علم؟!"
انتهى كلام الباحث وانتهت نقولاته، وأنا هنا لا أعلم أي كلام يقال على ألسنة الصوفية؟ كلام لا نفهمه، ولماذا لا نفهمه؟ وكيف لا نفهمه؟ وبأي سبيل يمكن أن نفهمه؟ وإذا كان أشاوس القوم وأئمتهم تقاصرت همم عقولهم عن فهمه، فمن يفهمه إذن؟
ولكن بعيدا عن هذا التكلف والانغلاق، نريد أن نسأل ونتدبر: هل يكون طريق التصوف أو سبيل المعرفة، بهذه الصعوبة والوعورة، وهذا العسر وهذا الانغلاق وهذا التقوقع؟
وما هي المعرفة المطلوبة في أمر الحق والحقيقة حتى تكون بهذه الوعورة التي لا تدركها العقول؟
هل وقف هؤلاء على هدي لم يقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، فصاروا ينطقون بمالا يفهم ولا يدرك، والنبي صلوات الله وسلامه عليه هو القائل: (الحلال بين والحرام بين) والحلال والحرام هما الدين، أي ان الدين بين وظاهر وواضح لا غبش ولا ضباب عليه حتى يكون مجهولا، وهل تبين لهؤلاء الصوفية لهم ما لم يتبين لأئمة الدين الذي بني علمهم كله على الوضوح والجلاء والتيسير؟
لقد قرأت أن السيوطي حينما سئل عن ابن عربي ذكر أن الحكم عليه لا يكون من كلامه لأنه كلام لا يفهمه أي أحد.
وأنا هنا أمام هذا التصور استدعي حياة الاسلام الأولى بحالها ورجالها ورموزها وفهمها ووعيها وسيرتها ومواقفها، لتكون شاهدة على هذا النمط الغريب الذي ما عرفه أهل الله ولا تقولوا به في يوم من الأيام، وما أرى هذه الدعاوى إلا تبريرا لكثير من الخلل في عبارات القوم، وإغفاءة تنأى بهم عن الحساب والاتهام.
إن ديننا واضح المعالم ظاهر السبل وضئ المسالك، والوصول إلى الله، لم يكن ابدا طريقا وعرا تقال فيه كلمات غامضة وأحوال مغبشة وأقوال غير مفهومة.. ولو انك نظرت إلى أقطاب الصوفية العظام القدامى لما وجدت هذه الهلوسات التي أنتجتها الفلسفات الدخيلة على التصوف فمزجته بعقدها حتى كانت النتيجة أحوال وأقوال وتصرفات عجيبة غريبة محيرة تستعصي على الفهم والعلم.. ولا نجد أمام عجزنا معها إلا أن نبرئ أهلها بحجة أن أصحاب أحوال عالية لا يعيها أي أحد ولا يخوض لجتها أي عقل.!
ثم إن الباحث أعزه الله، يتعجب ممكن يكتبون في التصوف دون ان يمتلكوا مقومات سلوكه ومعالم أشواقه العرفانية من الذَوْقٍ، والحال والوجد والمنازلة، مع أننا قرأنا في كثير من كتب التصوف والمتصوفة من أهل الاستقامة والاتباع فوعيناها وفهمناها واهتدينا بسلوكها واغترفنا من معينها، فلم نجد بها ما أعجز أفهامنا من طرق أهل الغموض والغرابة، الذين ينتمون إلى تصوف لا نريده ولا يتماشى مع ديننا ولا يلتقي مع شريعتنا حينما أفسدته الفلسفات وغرق أهله في بحور التوهمات.. إن من يعلن لنا قصور عقله عن فهم كلام الصوفية، كأنه يقول لنا: لا تحاولوا تفسير كلامهم لانكم لن تفهموه، وإذا لم تكن لديكم قدرة على فهم كلامهم، فليست لديكم أهلية على محاسبتهم واتهامهم في أي طرح يطرحونه أو كلام ينطقون به.
والصوفية أنفسهم ممن غمض كلامهم وغرقوا في بحر الطلسمات، لماذا أنتجوا كلاما لا يفهم؟ هل الطريق وعر إلى هذه الدرجة، ام أنهم انفسهم عجزوا عن شرح ما تئن به صدورهم، ولم يستطيعوا بيانه، ام ان بحور المعرفة التي وقفوا عليها كانت سرا لا يجب البوح به، فلم يجدوا إلا أن ينفسوا عن صدورهم بكلام وعر المعاني جافي البيان؟ بل ما الذي وجدوه حتى لا يستطيعوا التعبير عنه؟ ألا إن الطريق إلى أيسر بكثير من هذه الصعوبة وهذه الغرابة وهذا الانغلاق المحكم الذي حتى لا يعيه أئمة لهم في حل الالغاز وشرح الدهاليز قدم راسخة.








































