دائما ما تأسرني القراءة في هذا السفر العظيم، فقه السيرة الذي كتب في روضة من رياض الجنة، لقد خط الشيخ محمد الغزالي رحمه الله سطوره في الروضة الشريفة وهو بالمدينة المنورة.
وقد كتب لهذا السفر قبولا عظيما في الأرض، ونال استحسان جماهير الأمة في الشرق والغرب.
وحينما كنت اهيم مع الشيخ وهو يتناول بالتحليل تفاصيل غزوة مؤتة، وذكر انسحاب خالد بالجيش، ومقابلة الصبية الصغار في المدينةله وفرسانه وهم يعيرونه بقولهم: يافرار، وقف الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول لهم: بل هم الكرار ان شاء الله.
ودعنا من مؤته والانسحاب وتبشير النبي بالعودة والرجوع، ولنركز مع الشيخ الغزالي، الذي صوب أشعة بصيرته على الصبية الصغار، ليستلهم معنى خطيرا، لا يسعك أمامه إلا أن تتعجب لقوة هذه العقلية، وكيف استطاعت أن تستلهم هذا الفهم وذلك المفاد.؟!
يقول الشيخ مستلهما:
(إن أولئك الصغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومن معه فراراُ يُقابل بِحَثْوِ التراب. أي جيل قوي نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق!؟ أي نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟ من آباؤهم؟ من أمهاتهم؟ كيف كان الآباء يربون؟ وكيف كانت الأمهات يدللن؟.إن مسلمة اليوم بحاجة ماسة إلى أن تعرفَ هذه الدروس..)
ولعلي ممن يحبون الحديث عن الأم ودورها التربوي في صناعة الاجيال، والذي لم أتردد حيال ما قرأت أن أقول مندهشا على هذا الاستنباط المذهل: كيف فهم الشيخ هذا الفهم؟ كيف وقف على هذا المعنى؟ لاشك أنها فتوح الله على الراحل الكريم.
كنت أتحدث مؤخرًا عن مرض الصدفية وتأثيره على الإنسان، فذكرت إحدى الأخوات اللاتي أكن لها كل تقديرا واحتراما أنها تعرفه، ولما سألتها كيف تعرفينه، قالت لي: حينما كنا صغارا كانت هناك فتاة تلعب معنا، وكانت على صغرها تلعب وهي ترتدي حجابا يغطي كل رأسها، وكان الأطفال يطلقون شعورهن، ويسخرن منها ويضايقنها، فلما علمت أمي أمرتني وإخوتي أن نقترب منها ونلاعبها، ولا نسمح لأحد أن يضايقها، وأعلمتنا أنها مريضة بمرض جلدي يسمى الصدفية، أصاب رأسها وجردها من شعرها، ويجب أن نساندها ونترفق بها ولا نكون كالأخرين، ممن يضايقونها.
كان الأخت الكريمة تتحدث عم الموقف والمرض، وانا أفكر وأتأمل، وكانت تظن الأخت أنني أفكر في المرض أو خطورة أن تصاب به طفلة صغيرة، بينما أنا في اتجاه آخر، وفي منطقة أخرى مع هذه الأم، التي بدأت تبدو طلائع عظمتها على رواية ابنتها من حيث لا تشعر.
توقفت وقلت لها: ما أعظم أمك، فقالت مؤكدة: نعم لقد علمتنا الرحمة في هذا الموقف.. فقلت لها: إن أمكم لم تعلمكم الرحمة فقط، وإنما علمتكم المروءة والشهامة والنخوة وخبر الخواطر، فما أعظمها من أم.!
ولما جاء ذكر المروءة والشهامة، وظننت أنا أن الحديث قد انتهى، وأن الموقف كان عابرا نادرا مؤثرا، أوقفتني الأخت الكريمة لتزيدني بما ذكرتها به من نخوة الأم.
فقالت لي حينما كنا في الخليج، كان بيتنا يطل على بعض أسر الزنوج السود، وكان أغلب الناس لا ينسجمون معهم، ولا يرحبون بهم، ويبتعدون عنهم بحجة أن رائحتهم كريهة، لكن أمي كانت تستضيف أمهم، وتقترب منها، وتربت على كتفها، وتعاملها بحنان عظيم، وكان الفتية يسمون أبناءهم عبيدًا، وأذكر أن أخي تعرض لعقاب شديد حينما نعت ولدهم بالعبد، وعلمته أمي أنه إنسان حر كريم.
ثم تقول: منذ تفتحت عيناي على الحياة وصورة القدس معلقة على أحد جدران بيتنا، مهما تغير المكان وتغيرت الجدارن تعود تلك الصورة لتحتل أحد الجدارن من جديد، أذكر أن أول قصة كاملة لي كانت عن طفل فلسطيني ينتقم لمقتل أسرته كلها على يد اليهود، كنت في نهاية المرحلة الابتدائية وفازت القصة بالمرتبة الأولى على مستوى المدرسة، وكانت بعنوان الطفل الشهيد وكانت أمي قد ساعدتني فكتبتها بشكل جميل وصنعت لها غلافا ملونا ومازالت موجودة حتى اليوم أحتفظ بها مع ذكرياتي القديمة ودفاتري.
وإني لأتساءل الآن وأقول: إن أمًا بهذا الخلق، وهذه الفضائل كيف وماذا لها أن تربي وتخرج إلى الدنيا؟
لا شك أن أبناءها سيكون أرقى الناس، وأروع البشر، وأسمى النفوس.








































