لم أكن أتخيل أبدا أن يأتي بعد هذا العمر الطويل، وأجد من يجدد الحديث عن الوقح (سلمان رشدي) وأجد من يدافع عنه، ويبرر إفكه، ويردد اسمه وذكره، بل يشيع في الأوساط الأدبية: أنه أديب مرموق، وأننا يجب أن نفرق بين كونه أديبا وبين كونه ملحدًا سبابا طعانا.
بهذا والله صدمت من منشورات بعض المثقفين، وبعض الأصدقاء الذين قد أعتز بصداقتهم، وبعض المهرطقين الذين يستهويهم الانحراف الفكري ويعدونه بطولة.
سلمان رشدي الأديب الوقح، أو المفكر السفيه، الذي لم يحترم ديننا، ولم يوقر مقام النبوة ، سلمان رشدي الذي تحرك العالم الإسلامي كله منتفضا ضد روايته الإلحادية، يأتي اليوم من يريد أن يقول لنا: أنتم حمقى وجهلاء والرجل أديب يفوز بالجوائز العالمية، وله دورات في فن الكتاب، تدرس في الجامعات الأوروبية، والحقيقة أنا لا أعلم من هو الأحمق الحقيقي؟!
وهل ما حدث يزيد من قيمته، أو يدل على أنه قدم شيئا معجزا؟. أعرف كثيرا من الكتاب كانت لهم هذه المكانة.
ثم تكون الحجة التي تقصم الظهر في خيالهم الأبله، وهي: أنت لم تقرأ الرواية، فكيف تحكم على كاتب وكتاب، يعني كل المشكلة في وجدانهم، أنك لم تقرأ فكيف تسمح لنفسك أن تسب وتهين وتسفه؟!
وهذا لعمري منطق أعور وساقط ومخلول، يتخيل فيه صاحبه أن يتكلم عن شخص سمعه يسب شخصًا آخر فقام بكل بلاهة وتبعة عمياء ليسبه على غرار المتحدث الأول.!
عجب عجب
ولم يدر الحكماء الكبار، أن هناك فرق بين رجل تسبه مؤسسات وعلماء ومفكرون كبار، أجمعوا على النكير عليه وإلحاده وكفره واستهزائه بالإسلام ونبيه الكريم، وبين رجل عادي تجنيت عليه وسببته لمجرد أنك سمعت شخصًا آخر يسبه.
ما هذا الهطل.
بل انظر هنا.. دولة بأكملها تتحرك وتتوعد هذا المجرم الجاني، ويقوم مرشد هذه الدولة وهو الخوميني، بإهدار دمه ورصد مكافأة لمن يقتله، ثم بعد ذلك يقولون لنا : إنكم لم تقرؤوا الكتاب!!.
لست مع أسلوب الخوميني ولنا الحق في نقده، لكن الشاهد الذي يهمني شهادة دولة في الرواية وصاحبها، هل تعرف ما معنى أن تتخذ دولة موقفا ما؟!
وعجبا يا أخي أي كتاب نقرأ، والدنيا كلها تدوي بكونه كتاب مسيء سفيه ظالم حقير ملحد ساقط؟ وحتى رأي النقاد فيه بأنها رواية ضعيفة تالفة كتبت بأسلوب سيء لا يرقى للسمو المطلوب.. نضرب بآرائهم عرض الحائط لأننها لم نقرأ الرواية؟
ويا أخي المتفيهق انظر حتى إلى الدين والشريعة، التي يباح فيها أن نبني شهادتنا على شهادة الغير، وليس المقام الآن لشرح هذا الأمر الفقهي، ولكن يمكنك أن ترجع لأي كتاب فقه، لترى وتعرف هل تجوز الشهادة على شهادة الشاهد الثقة؟
بل أبيح الأمر كذلك في علم الحديث والجرح والتعديل، الذي هو أعقد علوم العالم في تحري الثقة والعدالة والانضباط، حينما أباحوا تصديق الحديث المرسل وهو الذي يروى مباشرة من التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون وجود صحابي، وقال أهل المصطلح فيه: تجوز هذه الرواية بشرط واحد وهو، أن يكون هذا الراوي أو التابعي من العدول المعروفين، فكأن تقرأ عن الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخائب سلمان رشدي، ظهر اليوم من يدافع عنه ويقول لنا نحن المتهمين له: أيها الحمقى، الرجل أديب كبير وفاز بالبوكر، وتم تحميل روايته وكتبه بالآلاف، ونسي هذا المتحدث، أن كثيرا من الجوائز العالمية والإقليمية وعلى رأسها نوبل، تخضع لأيديولوجيات وتعصبات حزبية معروفة، وتدعمها وترشح لها بعض الدول والكيانات المغتصبة، وليست أبدا حكما على رقي أدب بعينه ومقام كاتب بذاته.
هب أن رجلا كاتبا أو أديبا هاجم المملكة العربية السعودية، وكان هذا الكاتب من أعظم الكتاب، فهل تتصور أن تمنحه المملكة جائزة الملك فيصل العالمية؟! لن يكون ذلك أبدا.
كما هناك وفي صفحة حياة سلمان رشدي الفاشل نعرف جميعا أن فتوى الخوميني بإهدار دمه واعتراض العالم الإسلامي وضجيجه، هو الذي شهر الرجل ودفع الغرب أن يحميه ويأويه، ويركز عليه ويشهره، ويضعه من الأماكن الحساسة، ويدعمه بكثير الجوائز ويرشحه لها، ليوجه رسالة للعالم النائم أن سلمان أديب وفيلسوف ومفكر وكاتب كبير.
لأنه في نظرهم يحقق أهدافهم التي يسعون إليها لإهانة الإسلام، والتقزيم من وجوده، فمرحبا بذلك إذا كانت الضربة قادمة ممن انتسب إليه في يوم من الأيام.
ثم يعرجون ضحكًا وسخرية على من حرم على نفسه قراءة كتاب آيات شيطانية لسلمان رشدي، بأنه يخاف على عقيدته.
وما العيب في ذلك، لقد عرفت بعض القراء أوغل في قراءة كتب الملحدين حتى صار ملحدًا، وقرأ كل شيء ولم يقرأ عن الإسلام نفسه.. وأعرف كذلك امرأة أتاحت لابنتها عالم القراءة وتركت لها الحرية دون رقابة أو متابعة، حتى وقعت الفتاة في كتب الإلحاد ومواقعة، وكانت الصدمة بعد ذلك في إلحادها.
وكنا نود من هؤلاء الساخرين المسطولين أن يوجهوا اللوم ابتداء للجاهل سلمان رشدي ويقولون له: هل قرأت عن سيدنا النبي، وهل قرأت عن أمهات المؤمنين، وهل قرأت عن الصحابة الأماجد وتاريخهم المشرف؟
لهذا وأمثاله نوجه نفس السؤال، وليس لمن أخذته الغيرة وحملته الحمية لينتصر لدينه، ولو كانت شهادته حتى هذه الحمية مبنية على شهادة العدول.
ما حدث ويحدث من محاولات جديدة لإنصاف سلمان رشدي، ولو حتى من الناحية الأدبية، هو محاولة لإهانة الإسلام وتراثه وتاريخه في نفس الوقت، وليس عندي لها أي تفسيرآخر.
ثم ماذا بك أن أيها اللائم لو أمسكت بكتاب سلمان رشدي، هل تسمح لي أن أوجه إليك نفس النقد، هل قرأت الكتاب حتى تدافع عنه، ولو من الناحية الأدبية، هل طالعته؟ هل وجدت فعلا وهو بين يديك أنه كتاب يستحق التقدير والتبجيل حتى ولو من الناحية الأدبية؟
إذا كنتم تلومون الغاضبين بأنهم لم يقرؤوا، فأولى بكم أن تصمتوا ولا تدافعوا وتلوموا أنفسكم لأنكم أيضا لم تقرؤوا.
تريد أن تقول لي: إن سلمان رشدي أديب بارع وكاتب ماجد لا يوجد على وصفه، وأن العالم يعرف قدر سلمان رشدي الذي نهينه نحن اليوم؟!
نعم يا سيدي أنا أوافقك الرأي، ولكن اسمح لي وعلى شهادة الأمة التي قرأت الرواية، ووقفت على مواطن الإهانة، أنا لن أقرأ له ولن أعترف به، حمية لديني وانتصارا لعقيدتي ورموزي، وأرجو منك أن لا تمنعني حتى من سبه وإهالة القذى عليه لهذا السبب، فأنا كما قلت لك: لا أجد حرجًا في بناء شهادتي على الشهود العدول، وليذهب هو وأدبه إلى الجحيم، فالحمد لله تمتلئ الدنيا والعالم كله بالأدباء والروايات التي يمكن أن تُمتع القارئ وتلهمه معاني الرشد والإنسانية.
ما حدث مهزلة بكل المقاييس، ودعوة للترويج لقلم ملحد سفيه.