إذا كان للأزهر صفحات مشرقة مشرفة عبر التاريخ من كفاحه للمستعمر وقيادته للثورات، ووقوفه وشيوخه في وجه كل سبل الانحراف ودعوات التغريب، فإن مجلة الأزهر منذ إنشائها كانت ذراع الأزهر القوية الضاربة في وجه خصوم الملة الاسلامية، وأعداء الشريعة، فحاربت الانحراف والتغريب والعلمانية والشيوعية وكانت لها كثيرًا من المعارك الفكرية التي حفظت وعززت معالم الهوية الإسلامية، وكبحت بها جماع المرجفين ممن يتآمرون على الدين ويسعون إلى إماتة جذوره في المجتمع.
وإذا كان لمجلة الأزهر هذا التاريخ العريق والمكافح في وجه أعداء الشريعة الإسلامية، وكانت لها غيرتها الملتهبة وصولاتها المدوية وصيحاتها العاتية وردها العاصف، في وجه الملحدين والمتطرفين والتغريبين واليساريين والعلمانيين، فإنك تتعجب اليوم لتبدل الحال وتغير الزمان، لتظهر المجلة اليوم وتخرج إلى الناس، وقد ماتت فيها روح الغيرة في الدفاع عن الدين التي كانت موجودة في الزمن القديم، حيث لا تجد فيها أي نفرة أو غيرة أمام العابثين بثوابتنا الدينية، والمرددين كل يوم لغرائب الزيوف والشبهات المنكرة التي يفترونها زورًا وبهتانا على الإسلام وقيمه وثوابته.
مجلة الأزهر اليوم كما أراها لا تدور إلا في فلك تقديم القيم والعلم الذي يمكن الحصول عليه من أي كتاب أو منصة، وتناست أن الدفاع عن الدين والاهتمام برد الشبهات عنه، ضرورة دينية أنيط بها الأزهر وألقيت على كاهله، وأن أهم وسيلة أو سلاح له في ذلك هي مجلته التي تُعد لسانه الناطق باسمه.! جميل أن ننشر العلم، وندعو إلى الفضيلة، ونُهدي الكتب، لكن المسؤولية الأكبر حينما نتخلى عنها، فإننا نضر بهذا العلم أكبر الإضرار.. يقوم مهترئ جاحد فيرمي ديننا بالشبهات، وتاريخنا بالبهتان، ثم تشتري مجلة الأزهر تحاول أن تجد فيها ما يسد رمق الدفاع عن هذا الدين، فلا تجدها إلا صفحات مسطرة عن الأخلاق والمُثل، فصارت أشبه بفارس رمى سيفه وتخلى عن درعه أمام أعداء ماكرين لا يكلون ولا يملون.. لا يستقيم أبدا أن لا يكون للأزهر دوره في رد المفترين الذين يجابهون الحضور الإسلامي ويحاولون تشتيت الناس وإثارة الفتن في أفهامهم ومعتقداتهم الدينية.
لماذا لا تخصص المجلة بابًا من أبوابها في عدة صفحات ترصد كل ما يثار من مفتريات وترد عليها ، لتؤدي المجلة رسالتها في حماية الدين والدفاع عنه، ويشرف عليها أساتذة متخصصون في الفكر الإسلامي..؟ وهو الدور الغائب والذي من أجله أنشئت المجلة، ففي شهر أكتوبر من عام 1930 أصدَر الأزهر صحيفة " نور الإسلام" - الأزهر فيما بعد- و رَأس تحريرها الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله، و أوضح في أول عدد منها أسباب إصدارها، و منها:
1- تعرَض الدين الإسلامي لهجمات مسعورة شنّها طائفة من الملحدين والعلمانيين في الصحف و المجلات.
2- الذود عن حمى الشريعة الإسلامية، و تقرير حقائق الدين على وجهها الصحيح، و مواجهة نشاط البعثات التبشيرية في مصر، و العمل على هداية الناس و إرشادهم إلى الحق.
لقد "اصطدمت المجلة منذ بداياتها بالكتابات المنحرفة عن الإسلام، و التيار الإلحادي القويّ آنذاك الذي كان ينادي بأن يتحكم العقل و العلم في مسيرة الحياة دون أيّ تدخّل من النصوص الشرعية، أو سيطرة للدين على شئون الحياة. فهاجم الشيخ محمد الخضر حسين دعاة العلمانية و فصل الدين عن الدولة بدعوى أن الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية سبب لتأخر المسلمين، و كذلك هاجم الدكتور محمد البهي هذا التيار المتأثّر بالغرب، و أرجع سبب محاربته للدين إلى الإعجاب غير المتعقّل بالغرب عبر وسائل الغزو الفكري في المجتمعات الإسلامية و تعرضت المجلة أيضاً إلى فضح أنشطة التنصير في العالم الإسلامي، و كشف مخطّطاته الرامية لهدم الدين الإسلامي، و إزالته بشتى الوسائل الخبيثة من قلوب المسلمين، فنقلت عن مجلة العالم الإسلامي التي يحرّرها القس " زويمر " مخطّطات التنصير في العالم الإسلامي، تحت غطاء المستشفيات و المدارس و الأعمال الخيرية، و خير مثال على ذلك هو مستشفى " هنري " في أسيوط.
وكذلك قامت المجلة بعرض الشبهات التي يقذفها المنصّرون والمستشرقون في مؤلفاتهم إلى المسلمين البسطاء بغية زعزعة الدين في قلوبهم، وتولّت المجلة الردّ على هذه الشبهات بأساليب منهجية علمية، وممن تولّى الردّ عليهم في هذا السبيل الكاتب " محمد فريد وجدي "، فقد ردّ على " اندريه هارفيه " ما كتبه في جريدة كوكب الشرق المصرية من شبهات كاذبة على الإسلام. وكذلك تولّى وجدي الردّ على المستشرق " فرنك فوستر " الذي كتب سلسلة عن تاريخ الإسلام، فنبز الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض التهم الكاذبة، وكشف زيفها وبطلانها بحجج قوية متينة." 1
وإني لفي غمرة هذا التاريخ المشرف أتململ أسى على ما آل إليه حال المجلة التي تخلت بالكامل عن مكانتها كحائط صد قوي منيع للدعوة الإسلامية أمام عواصف الحاقدين، ولعلنا هنا نتذكر حينما نشطت حركة الإلحاد في مصر في منتصف القرن السابق واتخذت عدة صور منها -الدعوة إلى إنكار وجود الله، و-الطعن في الشريعة، وكيف أن المجلة لم تسكت على هذا التجني والافتراء وقامت بدورها في التصدي والمواجهة فتساءلت في خطاب وجهته للحكومة عام 1356هـ :
"هل حماية الدستور أعظم في نفوس الأمة من حماية دينها؟، وهل الطعن في الدستور ألم لعواطفها وأدمى لقلوبها من إهانة الدين والكلام في نبي المسلمين ورب العالمين، ولسنا نقول لا تحفظوا الدستور، ولكن نقول: احفظوا الدين أيضا، كما تحفظون الدستور الذي تفتخرون بصيانته، فليس الدستور أرضى لسعادة الأمة من الدين"
كما دعت المجلة إلى إيقاف حملات الملحدين والتغريبيين ضد الدين الذي يحترمه الدستور، وتقدسه الأمة، وبينت خطورة هذه الحملات في إفساد أخلاق الأمة وإيقاع الخلل في عقولها وهدم بنائها، ونشر رذائل الأخلاق فيها، من الأثرة وعبادة الشهوات، والجرأة على ارتكاب الخيانات"2
وصورت مجلة "الأزهر" عام ١٩٥٧م موقف الصحافة من الإسلام وعلمائه وأخلاقه ومن تقاليد المجتمع الصالحة أوضح تصوير، فقالت: "والدين في هذه الأيام يتعرض لأعنف ابتلاء وأوقح هجوم دون محاسبة لهؤلاء المهاجمين، أو إنكار عليهم، تتعرض أصول الدين للسخرية والاستهزاء، فنسمع ونقرأ إنكارات لله والبعث والجزاء، ونقرأ هجومًا على الأخلاق الفاضلة، وتندراً على العفة والبكارة والشرف، وتطاولاً على الآداب الإسلامية والأحكام الفقهية، ونقرأ الدعوة إلى فتح دور الفجور، ونقرأ عن الفتاة المطلوبة التي تحب أباها وتشتهيه وتعيش بلا أدنى خجل أو ندم، كما تتعرض قواعد الدين وأركانه للتعطيل والإهمال، وتتعرض حرماته للانتهاك والاستحلال، ويتعرض رجاله لحملات فيها القليل من الحق، والكثير من الباطل، وفيها سوء النية وخبث الطوية ولؤم الاستغلال، وفيها الهضم الشديد لحقوق هؤلاء الرجال، وفيها التعويق لهم عن آراء رسالتهم، وفيها محاولة اتخاذ الهجوم على أشخاصهم سببا للقضاء على الدعوة الدينية التي يمثلونها وينتسبون إليها"3
وأنت هنا قد تسمع من يقول لك: ليس من الصواب أن ينتصب الأزهر للرد على عواء كل نابح، وليس من المصلحة أن نجابه كل مرجف فهذا يسهم في نشر أفكاره والترويج لباطله.! ولعل هذا كان ممكنا ومقبولا في الزمن القديم، لكننا اليوم مع ظهور الميديا والاعلام الجديد، الذي صار يلتقط كل الهنات ويضخم كل الشبهات أصبحنا في حاجة إلى حصن مكين يقدم لنا الحجة والبيان، ويدحر الافتراء بالبرهان.
وأنا لا أنكر حضور المجلة في كثير من القضايا الهامة والعامة التي تلم بالأمة، ولكنها على المستوى الدفاعي عن المفاهيم الإسلامية ينتظر منها جهد أكبر وبلاء أحسن.
========================
هوامش
1- من مقال لمجلة الأزهر بموقع الألوكة لمبارك القحطاني بتاريخ 15/10/2006
2-من مقال للشيخ يوسف الدجوي في المجلة " رجاء للحكومة لمصلحة الحكومة" عدد جمادى الأخرة 1356هـ
3- من مقال للشيخ أحمد الشرباصي في المجلة تحت عنوان في سبيل الإلحاد عدد أبريل 1957وعبد اللطيف السبكي " القرآن وجلاء المحنة" عدد يناير 1957








































