فضيلة الأستاذ (محمد بخيت المطيعي) عالم فحل ضخم فخم جسور، ذو تاريخ مشرف في ميدان الأخلاق قبل ميدان العلم.
لم يكن رحمه الله مفتيا لمصر وحدها وإنما كان مفتيا للعالم الإسلامي بأسره، ولقد كان من مواقفه البارزة التي تدل على مبلغ دينه وأخلاقه، أن رفض مبلغا كبيرا من المال يقدر بعشرة آلاف جنيه مصري، في وقت كان مثل هذا المبلغ ثروة ضخمة تغني صاحبها أيما غنى، رفضه حينما أصدر فتوى شرعية استحق بها أحد الأثرياء مقدارا كبيرا من الميراث، فلما علم الوارث، سارع يكافئ الشيخ الكبير، بهذا المبلغ الضخم، جزاء فتواه، فإذا بالشيخ ينهره ويقول له: (العلم في الإسلام لا يباع).
ومن هذه الجملة التي نطق بها الشيخ رحمه الله والتي حاصرتها بقوسين لمبلغ أهميتها عندي، فإنني أحكي موقفا حدث لي مؤخرا، حينما قمت بوعد القراء بنشر كتاب نادر لعالم كبير إلكترونيا، فإذا بدار نشر تخاطبني على الخاص، وتخطرني بأن كل كتب هذا العالم الجليل محصور نشرها لديهم بناء على عقد أبرموه مع الورثة، ولا يجوز لي الإقدام على نشر أي شيء للراحل بهذه الصورة.
هذه الدار التي أشكر لها حسن موقفها وتلطفها معي، لم يكن لي بها أي صلة من قبل، ولم أكن أعلم عنها شيئا، ولم يكن محدثي من جملة أصدقائي حينما علم بما أنوي عليه، فحرت كثيرا كيف علم الرجل بما نشرته، وكيف واجهني بالموقف القانوني، كأنني متهم في محكمة، وأخذت ظنوني تتجه شرقا وغربا، من أخطر الدار بالأمر؟ فلجأت لبعض الورثة لأريهم هذه المحادثة وأتأكد من صحة الكلام، فقالوا لي: نعم هذا صحيح فهذه الدار متكفلة بطبع كتب والدنا الراحل، وفي أثناء المحادثة خطر ببالي أن يكون محدثي هو من أخطر الدار بالأمر، فقلت له: هل حضرتك من أبلغ الدار بالأمر؟ فقال: نعم أنا من فعلت ذلك لمعرفة وضعنا القانوني.
الحق أنني دهشت أو يمكن أن تقول: صدمت، لأن نجل العالم الكريم، صديق عندي ويعرفني ويعرف محبتي ومعزتي لوالده المبارك، ولم أكن أتخيل أبدا أن يكون هذا التعامل مع من يحبون والدهم بهذه الصورة المجحفة.
كان الأولى به وهو من جملة الأصدقاء، وأحيانا يعلق عندي، أن يطالبني بلطف، لحذف ما نويت عليه، وإلغاء نشره، ولا شك أنني سأستجيب كرامة للوالد العالم.
ولكن ما حدث كان شيئا ينافي ينابيع المودة والتعامل الجدير بمن يكن لهم الحب والتقدير والاحترام، فقد جعلوني وكأنني في محكمة أواجه اتهاما خطيرا يمكن أن يجر علي مساءلة قانونية، وأتعرض معه لإشكال كبير.!!
لم أغلق صدري عما ألم به من ضيق، وصارحت هذا الابن بأن هذا خطأ وأن كل كتب والده منشورة على الإنترنت، فلم إذن هذا التعنت مع كتاب من عشرات الكتب له، وهل تضيق الدنيا إذا نشر هذا الكتاب مع ما كل ما نشر من تراثه؟ فإذا به يخاطبني فيقول: ونحن لان نسامح في حقنا، وأنت أفضل من يعرف الحقوق، والله سبحانه يطالب بحفظ حقوق الناس، وليس معنى أن أحدهم نشر كتابا لوالدي أن نكون مثله ونفرط في حقوق الناس، ولن أجادلك في هذا الأمر، وانتهى الحوار بصورة مؤلمة للنفس.
والحق أن هذا كلام خطأ وليس هذا الكتاب وكل ما خلفه الوالد الكبير من علم وأسفار حق لكم، فهي حق العلم، وحق الإسلام، وحق الأمة، وحق الطلاب والمريدين، ولو أنه رحمه الله على قيد الحياة لما قبل بهذا الكلام، أو ارتضى هذه الدعاية، ولما قبل أبدا أن يُحجب العلم عن طلابه بسبب أبنائه الذين يسعون خلف الربح المادي.
أما مسألة الحقوق هذه فهي صحيحة ولكنهم لا يعرفون أن هناك فرقا بين الحق الديني والحق القانوني، يمكن أن يكون هذا حقكم القانوني، لكن لا تقحموا الدين في الأمر، فهو حق قانوني لا ديني، وأنا عن نفسي لو كان والدي عالم كبير، لنشرت كل كتبه على الإنترنت، رجاء حسنة أو ثواب يذهب إليه في مرقده، أما أن أمنع العلم وأكتمه بحجة الحق، وربطه باسم الدين، فهذه أكذوبة، وقد درسنا في الأزهر في قانون الأحوال الشخصية، كثيرا من المسائل التي كان أخبرنا فيها شيوخنا بقولهم، هذا جائز شرعا لا قانونا، وهذا ممنوع قانونًا لا شرعا.
أذكر أنني، حينما رحل شيخنا العلامة الدكتور (محمود محمد عمارة) وخلف من ورائه تراثا علميا كبيرا، ماتت الكتب ولم يعد لها ذكر، وصار طلابه وتلاميذه يسمعون عنها ولا يجدون الفرصة للحصول عليها، سارعت بحكم قرابتي من أسرة الشيخ الراحل، بتصوير كل كتبه وبثها على شبكة الإنترنت، وحتى دون استئذانهم في ذلك، لأنهم أسرة حسنة التربية والفهم والوعي، ويتمنون أن يذهب أي ثواب لوالدهم في مرقده، بأي صورة وأي طريقه، ولم يحجبوا علمه عن الناس بحجة حقوقهم، أو الرغبة في المتاجرة بكتب الوالد.