في حوار لي مع صديقي المهيب معالي المستشار بهاء المري، عاب علي أنني أحيانًا أستشهد ببعض الشخصيات التي لا تروقه أو يختلف معها فكريًا، أو طبعت بعض مواقفهم في خياله صورة سلبية، بددت معها كل قناعة برقيهم.
أجبته وقتها بأنني ممن يقرؤون للجميع حتى لمن يعارضون أفكاري ومعتقداتي، حتى لو كتب الشيطان كتابًا فيمكن لي أن أقرأه!
بل يمكن لي كذلك أن استشهد ببعض ما لديه من طرح يفيد الحياة والأحياء إن وجد ذلك.
قال لي: أدرك ذلك، لكنني أعيب عليك أنك تصل به إلى حد السماء، وقد فعل كذا وكذا مما هو مثبوت معلوم.
ومعاليه على قدر كبير من الوعي والإدراك، الذي يؤهله لتدارك الأقلام وطبيعتها وهي تهيم في كل الأودية، وقد يكون لديه الحق في موقفه وكلامه وانطباعه، لكن البلاء العارم يقف على الجانب الآخر، حينما نرى ونبصر بعض القراء الذين يلاحقوننا معاتبين منكرين، لمجرد أن يراك أحدهم تستشهد بكلام كاتب يخالفه، فيسارع إلى فضحك وتجريسك والتشنيع عليك والثورة على قلمك ومكتوبك، وأنك تؤيد آراء فلان، وتذكر كلام فلان، وتؤمن بعقيدة فلان.
وإذا ما ذكر اسمك أمامه في محفل أو جمع من الجموع، إلا وشنع عليك بأنك من المتعاطفين مع الكاتب المغضوب عليه.
وقد قابلت هذا وحدث لي واقعيا، وكنت أتعجب من عقول أصحابه على القدر الذي كانوا يتعجبون مني فيه.
وأنا هنا بين يدي تجربة وحالة أجد في نفسي شوقًا كبيرًا إلى طرحها على القراء.
فقد يكتب كاتب ما يستحق اللعنة عليه، وقد يَمسَكَ في أعز ما تملك، لكنك في نفس الوقت لا تحجم عن إنصافه والإشادة به إن تطلب الأمر حكمك عليه وقولك فيه.
وهنا نقول: هل معنى أنك لو مدحته في أسلوبه، أو أشدت بذوقه وحسن هندامه، أو نوهت بأنه مثلا يحب النظافة ودائم الابتسامة، فهل معنى هذا أنني مؤمن بمعتقداته اللعينة، متقول بآرائه السفيهة؟!
أبدًا ابدًا.. فهذا شيء وذاك شيء آخر يجب الفصل بين الأمرين.
حينما كان الدكتور هيكل باشا في باريس أيام بعثته التعليمية، قرأ رواية النبي الأبيض (لهول كين) وهي رواية تتحدث عن مصر أيام الخديوي عباس الأول، وقد تألم هيكل من اتهام الكاتب للمصريين بالسذاجة العقلية والتعصب الديني الفظيع، إذ تصورهم وكأنهم جميعاً مجاذيب ما إن يلمس الواحد منهم: ( الله ! الله ! ) أو ما إن ينعق بينهم صاحبه حتى يصيح قائلاً ناعق باسم الدين حتى يتبعوه إلى الصحراء المحرقة المهلكة غير مبالين بشيء كذلك وصم المؤلف كثيرا من علماء الدين بالضعف والنفاق ، وعزا إلى الخديوي الطموح لإقامة خلافة عربية إسلامية بمعاونة العلماء مقرها القاهرة ، ثم لم يقف عند هذا الحد بل عرض بالنبي نفسه عليه الصلاة والسلام ، وذلك كله في الوقت الذي لم يذكر فيه أي إنجليزي من الذين يعيشون في مصر إلا بالخير كل الخير. يقول مفكرنا الكبير دكتور (إبراهيم عوض) في كتابه عن هيكل وهو يعلق على هذه الحادثة: "وقد استفزت هيكل هذه الرواية فعلق عليها بغضب منبها إلى الفخ الذى وقع فيه كثير ممن قرأوا هذه الرواية من المصريين، إذ ظنوا أن المؤلف يمدحهم ومن ثَمّ سُرِّوا بكتابه سرورا."
ولكن بعد هذا الغضب وبعد هذا السخط من كلام رجل مس الوطن والدين والنبي، فهل ترى أو تظن أن يكون بعد ذلك أي مدح أو ثناء في نفس أي مصري مسلم له؟!
وهنا يتجلى الفارق، ويثبت الإنصاف وجوده.. حينما دعي هيكل للحكم على أسلوب الكاتب ولغته ومن الناحية الفنية فماذا قال؟
هنا وعلى حد تعبير العلامة عوض: "لم يتأثر بهذا الغضب الذي أشعلته في نفسه الرواية بسبب تحيزها ضد قومه، فقد اعترف: بأن الكتاب متقن اللغة جدا، ويشهد لصاحبه بالمقدرة العظيمة. مقدرة هائلة ليس من السهل مسابقته فيها، وقلم بليغ عزيز الوجود يسحب الروح معه ويأخذ بمجامع النفس ويغرى المطلع على الاستمرار ولا يمل أبدا، كتاب بديع من أن يحلّى به الإنسان مكتبته.
الرجل إذن لديه القدرة على الفصل والتفريق بين الشكل والمضمون في العمل الفني ولا يدع فرصة للعنصر الأخير كي يؤثر في حكمه على الأول، وأعرف بعض النقاد أو القراء حينما يقرأ لمن يخالفه الرأي فإن أول شيء ينتقده فيه أسلوبه وبيانه، فيرميه بكل نقيصة حتى لا يبرز فيه أي شيء ينسبه إلى الحسن، لأن الحكم الفكري يمحو أمامه أي فضيلة، وأولها فضيلة الإنصاف.
إن غضبة هيكل من بعض المصريين المحتفين بالرجل وروايته كانت مسار عجب وفعلا حينما قرأت عن هول كين، رأيت حتى من كبراء المصريين من يسارعون في تقدير الرجل للحد الذي يصل إلى البلاهة، فانظر مثلا إلى أمير الشعراء شوقي وكيف كتب قصيدتين في مدح الرجل فيقول:
“أيُّها الكاتبُ المصوِّرُ صوِّرْ
مصرَ بالمنظرِ الأنيقِ الخليقِ
إن مصراً روايةُ الدهرِ فاقرأ
عِبرةَ الدهرِ في الكتابِ العتيقِ”
ويختم القصيدة الثانية وهي بعنوان “الربيع ووادي النيل”، بدعوة هول كين لكتابة تاريخ مصر:
“هول كين مصرُ روايةٌ لا تنتهي
منها يدُ الكُتابِ والشُّراحِ
تلك الخلائقُ والدُّهورُ خِزانةٌ
فابعثْ خيالَكَ يأتِ بالمِفتاحِ”
فلعنة الله على خياله الحاقد المريض.