مال علي جاري بعد صلاة العصر في المسجد بعد أن كتبت مقالا أنكرت فيه هيئة الرجل الذي انتشرت مرئياته مؤخرا باسم حارس البدوي، وقال لي: إياك أن تستهين بهؤلاء الناس؟
قلت له: أي ناس؟
قال الطيبون والمجاذيب الذين تجدهم عند أضرحة الأولياء.. قلت: يا سيدي أنا لم استهذئ بأحد، وأحترم كل الناس، وأشفق على أهل البلاء، وهكذا علمنا ديننا، ولكني أنكرت على من يتخذ مثل هذا الرجل وليا وقطبا عظيم القرب.
رد علي بقوله: لقد سمعت الشيخ الشعراوي يقول: لا تستهين بهؤلاء الناس فهم أصحاب قرب من الله، قلت له: حتى ولو قال الشيخ الشعراوي ذلك فهو خطأ ويرد عليه إن قصد المعنى الذي تذهب إليه.
وبالصدفة عثرت على مقطع الشيخ الذي حدثني عنه صاحبنا، فوجدت الشعراوي رحمه الله يتحدث فيه عن المجاذيب الذاهلين الذين يتواجدون في مساجد الأولياء الصالحين، أو يحيطون بأضرحة أهل البيت.
اغتر كثيرون ممن لا يعون مفهوم المقطع وانتقوا ما استطاعوا فهمه من كلام الشيخ دون تمحيص لبقية الجمل والمفاهيم التي أراد الشعراوي إقرارها بفلسفته الإيمانية، حيث قال للمستمعين وهو يخاطبهم بصيغة المفرد: "إياك أن تهزأ بالمجاذيب الذين يتواجدون عند الأضرحة لأنهم موازين التكامل في الكون، حينما يأتي رجل ملهوف على الدنيا مشغول بها، فيرسل الله له رجلا من هؤلاء، ممددا قدميه لا يسأل عن الدنيا ولا يهتم بها، ومن العجيب أن تجد رجلا من أهل الدنيا حينما تصير له أزمة من الأزمات، يأتي لرجل من هؤلاء ويقول له: والنبي تدعيلي.. فالله أوجد هؤلاء ليرد بهم جماح المتكالبين على الدنيا، وبالعكس قد ترى أصحاب الدنيا في خدمتهم."
هذا ما قاله الشعراوي، فهناك فعلا أناس طيبون مخلصون فارغة قلوبهم من حب الدنيا، ولا يمنع أن نطلب منهم الدعاء لفراغ قلوبهم من حب الدنيا، أما أن نرى الناس تتمسح بهم، وتطلب منهم الدعاء من الدون الله أو تجعلهم وسائط بين الحق والخلق، ليصير ديننا دين الخرافة والبلاهة والهزأة، فهذا أبدا لم يحدث في الإسلام.
لم يدرك كثير من المستمعين إلا جملة الشيخ الشعراوي وهو يقول: "لا تهزأ بهؤلاء فالله جعلهم هكذا لحكمة."
فهم كثير من المتلقين أن هؤلاء الناس خاصة المجاذيب منهم في وصل مع الله ولهم أحوالهم مع رب العالمين لا يفقهها كثيرون، ولا يرونها بأعينهم المادية المجردة، والحق أن هؤلاء الناس بعضهم ذاهل مسلوب الإرادة ضعيف الفهم والتفكير، والله تعالى لا يتوصل إليه إلا بالعلم والعقل والترقي في مدارج الفهم والعمل واليقين.
بعضهم أناس يسود الخرف على ألسنتهم ويخرجون من نطاق التكليف، او ترى منهم مسكينا فاقد الوعي قد يبول على نفسه، ومع هذا يُصر البعض أن يجعل منهم عين الأولياء، وخلاصة الأصفياء، والقوم في عالم غير العالم ودنيا غير الدنيا، والعقل الذي جعله الله سبيلا إلى معرفته حرم أكثرهم منه، فعلى أي شيء يُصر بعضنا أن نحمَّل هذه الطبقة فوق ما تحتمل.
يمكن أن يكونوا قومًا مباركين لم يتدنسوا بقبائح الذنوب، ولا يتعمدون إغضاب الله، ففيهم طهارة نفس وبركة حس، أما أن نزيد عن هذا فلا خلاق لهم بما نوقعهم فيه، لا يمكن أن نقبل جموعا عريضة تتمسح بهم، وتلجأ إليهم من دون الله في طلباتهم و أزماتهم، هم قوم طيبون وكفى، نتقرب إلى الله برعايتهم والإحسان إليهم وكفى.. أما مرتبة الولاية فلا يقول بها إلا جاهل.
من أحسن منا إليهم كان محببا إلى الله، لأنه برحمتهم تجسدت فيه أسمى معاني الرحمة والرفق بأضعف خلق الله.. ليس أقل من هذا ولا أكثر.
هل تصدق أن كثيرا من أصحاب الأضرحة في مصر، ممن جعلهم الناس أولياء وشيدوا لهم مقامات ومساجد ومن بعد هذا موالد، أكثرهم من طبقة المشعوذين والمجاذيب وربما يكون بعضهم ممن ابتلاه الله بالبلاهة والجنون!! نعم ففي بعض الفترات من قرون مضت، وحينما افتقر الناس وافتقدوا للعلم، وساد فيهم الجهل، وكانت مفاهيمهم الدينية مشوشة، وكيف لا وهذه الطبقة مازالت موجودة حتى اليوم، قطاع عريض يحمل الموروثات القديمة بما شابها من جهل وانحراف ومفاهيم دينية طقوسية مغلوطة منحرفة سقيمة، وهو ما دعاني أن أكتب عن حارس البدوي وأزعم وبكل ثقة أن هذا الرجل لو مات، لربما وجد من يدعو إلى دفنه في ضريح خاص به ليسمى ضريح حارس البدوي، ويكون له من بعد ذلك مولد خاص، يحج إليه الزوار من كل فج، وهكذا تكثر الشعوذة وتزداد الجهالة وينتشر الهرج والمرج باسم الدين، والدين من كل هذا براء، بل التصوف ذاته الذي حملوه عبء هذه الجرائم برئ منها ومن أصحابها كل البراءة.
يظن بعض القراء أنني استهين بالرجل وهيأته ومشهده، وأنا لا أستهين بعباد الله مهما كان حالهم، ولكن نكراني الأكبر أن يكون من أهل الولاية والقرب الأعظم إلى الله، فمقام الولاية لا يكون إلا بالعلم والفهم الموصل إلى اليقين، والمحتجين بكلام الشيخ الشعراوي نقول لهم: إن الشعراوي لا يقصد ما فهمتموه، فالرجل يريد القول بأن وجود هؤلاء الناس للعبرة والموعظة، تماما كمن يرى صاحب بلاء فيقول فيه الدعاء الوارد: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا.








































