إليك يا قارئي الحبيب حديث آخر من أحاديث الإنسانية، التي والله ما أمل ذكرها والتنويه بها، حتى نشعر بضرورتها في هذه الأيام النحسات التي تطالعنا بأبشع الصور التي يرتادها البشر حينما يُعميهم الحقد، فيهوي بهم في مدارك الدناءة والانحطاط مع غياب الضمير والذوق والأدب والترفع والنبل.
إنني أتحدث عن النقد الأدبي، ومهما كان هذا النقد كشفًا للعوار الفني، فإنه مازال محكوما بكلمة الأدبي، أي أنه أدب وخلق قبل أن يكون نقد وتقريع.
انظر أخي إلى أصحاب العلل الجسمانية أو النفسية، فهذا كما وصف القرآن، أعرج وهذا أعمى وذاك أحول وغيرهم مقعد، هل تتخيل أن تكون هذه العلل التي نشد على يد أصحابها وندعو الله لهم بالثبات والمعونة، بل وندعو الله تعالى أن يعافينا مما ابتلاهم به، هل تتخيل أن تكون هذه العلل مسار نقد لناقد أو تعيير من صاحب قلم؟!
الله أكبر
ما أفجع المصاب وما أبشع النقد، وما أقبح القلم.
منذ أيام كنت وصديقي العلم المشهور معالي المستشار (بهاء المري) نتحدث ونكاد نبكي دما حينما رأينا ناقدًا أو كاتبا قد قلبه من صخر وهو يعير شاعرًا موهوبا بعلته الجسدية، كيدا له ومغايظة.
وكان صديقنا القاضي البهاء يعلق ويقول: كيف تجرد من الإنسانية، وكيف سقط إلى هذا الحد؟ كيف سولت له نفسه أن يعير خصمه بعلته؟
وكنت أشعر بهذه الكلمات فلا يمكن أبدًا أن يكون على شيء من الإنسانية، من يرتكب مثل هذه الحماقة، و والله إن العداء قد يبلغ بي مع خصومي مبلغه، وقد يكون هذا الخصم ذو علة، فلا أسمح لنفسي أبدًا أن تتجرأ فتعيره بهذه العلة، ومهما كان جبروته علي، فإن قلمي وربي لا ينجرف أبدًا إلى هذا المشهد الساقط بكل مراتب السقوط الأخلاقي والقيمي والنفسي.
ولقد وضعتني الحياة في كثير من التجارب مع بعض هؤلاء، فوجدت ذلك النبل من نفسي والحمد لله، وهو والله ليس مدحًا لذاتي بقدر ما هو استنكار لهذا المنزلق الخطير الرخيص.
ألا سحقا لهذه الأقلام التي تتحول إلى سياط لا تعرف معنى الرحمة بالناس.
ولعنة الله على هذا الأدب حينما يتحول صاحبه إلى هذا الكفور الخبيث، الذي يقهر أحاسيس الناس بعجزهم الذي قدره الله عليهم.
يمكن لك أن تسبه وتشتمه، أو تتهمه أي اتهام، أو تصفه بأي وصف، لكن أن تُعيره بعلته وتتعالى عليه بعجزه، فذاك وربي طغيان ما بعده طغيان.
أذكر وأن طفل صغير كان يلاعبني صديق أقل مني سنًا وبه علة في قدمه، فاستقويت عليه لكبر سني، ولا أخفيكم أنني يومها كنت طفلا طاغية، ولما شكا أهله أمري إلى أبي، إذا بالدنيا تقوم ولا تقعد، وتكاد تقوم المشانق وتنصب الممقاصل، وإذا بأعمامي وأبناء أعمامي ينقلبون علي وهم يصيحون بي، كيف تفعل ذلك بمسكين يعاني هذا الحال.؟
لم يكن عقاب أبي لي وهذا النكران العائلي، إلا تنبيها لي على فداحة ما صنعت، وجرم ما فعلت، ليطبعوا مع الزمان ذلك الموقف الأخلاقي الذي لا أنساه.
وأنا أمام هذا المشهد الوعر، ما كنت أظن أبدا أن يرقى لهذا الإسفاف أديب كبير من عظماء الأدب في تاريخنا الثقافي، وصاحبنا الذي ذكرته ابتداء إن فعل ذلك فلا يلام بالقدر الذي يلام عليه هذا العظيم الذي سأذكر لكم فعله واسمه الآن.
هل تتخيل أن يكون الأستاذ المازني، وهو من أرق الأدباء وأنبلهم، هل تتخيل أن يكون مثله يوما كهؤلاء المعيرون ؟
نعم لقد جرته المعركة مع الدكتور (طه حسين) أن يعيره بعلته، ويذكر له بالفم الصريح والتعبير القبيح، أنه أعمى، بل لم يذكرها مرة عابرة، وإنما كررها وأمعن فيها إلى حد مستغرب يثير النكران.
ففي كتابه (قبض الريح) ينقد أسلوب الدكتور طه نقدًا أدبيًا، ثم يفاجئ الجمهور بأن أظهر عيوب الدكتور طه في أسلوبه الأدبي، هو التكرار والحشو، وما هو منه بسبيل، ثم يقول: وعلة ذلك راجعة إلى أن الدكتور طه يُملي ولا يراجع، وإذا به ينساق في قبيح كلامه، حتى يتطرق إلى علة الرجل المرضية الزمنية، وأن عماه قد آثر العمى أيضا على أسلوبه، وأخذ يكرر ذلك تصريحًا وتلميحًا، بل أوغل في ذلك حينما عقد مقارنة بين عمى بشار بن برد وأبي العلاء وعمى طه حسين، وهو أمر ما كان أرفعه عن ذكره.
لقد نسي المازني معنى المروءة أمام عداء القلم، ولعله كان في سكرة أذهبت رشده، فإن أعظم ما في طه حسين، هو هذه العلة التي أورثته هذه الهمة العظيمة، ففعل وحقق مالم يستطع كثير من المبصرين تحقيقه، فتبوأ بما أنتجته فيه هذه العلة من همة جسورة، عمادة الأدب العربي في زمنه.
يقال: إن الطبعات الأخيرة لكتاب المازني قامت دار الشعب للنشر بحذف هذا التعيير الرخيص وما ذكره الكاتب عن هذه الآفة ودونه في الطبعة الأولى.. وكان عليه أن يتذكر ما عده النقاد من أشراط النقد أن الإنسانية شرط في سموه، ومن فقدها لا يترقى أبدا لأن يكون ناقدا.
إنني لا أنتقد الأستاذ المازني، وإنما أدرك تماما أنها نزوة شيطانية شذت عن مسار الإنسانية وقاده فيها كما قيل: شيطان النقد، لكنه مع الدكتور طه كانت له مواقف كثيرة مناصرة منصفة.
بقي أن تعلم أن المازني نفسه كان من أصحاب العلل، فقد كان أعرجًا، فهل ما كان يفعله سخرية واستهزاء ومصارحة كما عهدنا عليه في أسلوبه، ولكن مهما كان ومهما كان ما به، كيف يتورط قلمه في هذا المشهد الرخيص؟