سبحان الله من طبائع الناس وغرائب أحوالهم، فربما يرون التقي النقي الذي عاش حياة كاملة في طاعة الله، ولمجرد هنة يسيرة نعتوه بها وصارت معلمًا له وكفروا بكل تاريخه ورصيده في دنيا الصالحين.
وعلى العكس تراهم أمام بعض الفسقة الفجرة الطغاة، لمجرد أنه فعل فعلا طيبًا ولو كان مضطرًا إليه، نسوا فجوره وفسقه وضلاله وطغيانه، وصار معلمًا للصلاح والدين والرشد.!
ما أعجب البشر وأغرب أحوالهم.
انظر هنا في محنة الإمام أحمد الشهيرة بمحنة خلق القرآن، حينما لقي التعذيب والتشريد هو وغيره من علماء المسلمين، في عهود الخلفاء العباسيين الثلاثة، المأمون، المعتصم، الواثق، حتى جاء المتوكل ونصر أهل الحديث وأبعد المعتزلة، وانكشفت المحنة وانقلب الحال بين عشية وضحاها.!
ماذا فعلت الجماهير التي هللت للمتوكل؟ لقد رفعوه إلى السماء وارتقى رتب الإمامة ونياشين الصدارة، وصار فارس الاسلام الأول، وله ذكر في تاريخ الإسلام كأحد أبطاله وأبرز عظمائه، وقد عرف في التاريخ بما أطلقه عليه الناس وقتها، بناصر السنة ومميت البدعة.
فعلى أي شيء كان الرجل وهل فعلا أبعد المعتزلة وقرب أهل السنة محبة في السنة وأهل الحديث؟ وهل استحق فعلا هذه الألقاب والنياشين عن رضى وطيب خاطر أم أن في الأمور خفايا لا نعرفها؟
ثم من هو هذا المتوكل وتاريخه وسيرته حتى نرى ونعرف هل هو فعلا مؤهل لهذه التسميات التي خلعت عليه، أم أنها من باب المبالغة الزائفة؟
لقد نال المتوكل صيتا كبيرا في التاريخ حتى أن حتى أن بعض الفقهاء قال: الخلفاء ثلاثة أبو بكر قاتل أهل الردة حنى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بين أمية، والمتوكل محا البدعة وأظهر السنة.
أرأيت بمن قرن المتوكل؟ لقد قرن بأتقى الناس وأعظم الناس، لمجرد إجراء اتخذه لم يكن في سبيل الله ورسوله وإنما حسبما روى المؤرخون أنه خشي انقلاب الناس عليه وثورة أهل الحديث وتمرد الرعية، هذه هي الحقيقة التي يجب أن نقف حيالها ونعرفها، إن هؤلاء تماما كمن يمدحون أعتى أهل الأرض وطاغية المسلمين الأكبر الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقولون لك: لقد فتح الصين وصنع وصنع، وأنا أتعجب هل تضاف إليه هذه الحسنات وهو لم يفعلها ابتغاء وجه الله، وإنما لتعزيز مكانته السياسية وابتغاء رضا الحكام عليه؟ وكيف لرجل يضرب بيت الله بالمنجنيق أن يكون في قلبه محبة الدين وتعظيم شعائره.
إن هذا مزج عجيب تطفح به العقول المهترئة الغاشية.
أما المتوكل العباسي الذي نصفه بأنه محيي السنة، فلم يكن إلا صورة قميئة من الحجاج بن يوسف في الطغيان والجبروت من هذا الادعاء زاد عليه في الفسق والفجور.
كان طاغية متلافا مبذرا ينفق أموال المسلمين في ملذاته وشهواته كما يشاء، ويضطهد الأحرار من المفكرين أشنع اضطهاد، ويعامل أهل الذمة معاملة الخدم والعبيد، حتى عرف لدى المؤرخين بنيرون العرب.
ويقول ياقوت في معجمه: ولم يبن أحد من الخلفاء بسر من رأى من الأبنية الجلية مثل ما بناه المتوكل، فمن ذلك القصر المعروف بالعروس، أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم، والقصر المختار أنفق عليه خمسة ألاف ألف درهم، والقصر الوحيد أنفق عليه ألفي ألف درهم، والقصر الفريد أنفق عليه عشرة ألف درهم، والقصر المليح أنفق عليه خمسة آلاف ألف درهم، والقصر المعروف المتوكلية وهو الذي يقال له الماحوزة، أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم، وقصر البهو أنفق عليه خمسة وعشرين ألف درهم، وقصر اللؤلؤ أنفق عليه خمسة ألاف ألف درهم، فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربع وتسعون ألف درهم.
ويذكر بعض المؤرخين بأنه كان: قاسي القلب ظالما، حتى أطلق عليه المؤرخون نيرون المسلمين، وفي عهده بدأ ضعف الدولة العباسية، فقد ترك أمور الدولة لقواده وانغمس في الملذات والشراب، وانتشرت الرشوة بين الولاة والموظفين، وساءت الأحوال، واضطهد الطوائف الأخرى وألزمهم أن يلبسوا لباسا خاصا بهم وعبيدهم، وحرم عليهم ركوب الخيل، وأمر أن توضع على منازلهم صورة إبليس ، وألا ترتفع قبورهم عن سطح الأرض، كما هدم قبر الحسين بكربلاء وما حوله من الدور ومنع الناس من زيارته حتى أصبح صحراء مقفرة.
بل انظر ما يظهر غلوة وقسوته وجبروته وظلمه وجحوده وخفة عقله.. يذكر السيوطي في تاريخ الخلفا: "وفي سنة أربع وأربعين : قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية، فإنه ندبه إلى تعليم أولاده ، فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت: (من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال : قنبر - يعني: مولى علي - خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات ).
وقيل: أمر بسل لسانه فمات، وأرسل إلى ابنه بديته ، وكان المتوكل ناصبيا."
ياللفاجعة وياللجرم، قمة الطغيان والفجور..
وقال الحصري في زهر الآداب كما نقلنا من كتاب ابن حنبل للبيومي: " كان المتوكل أول من أظهر من خلفاء بني العباس الانهماك في شهوته، وكان أصحابه يستخفون بحضرته ، وكان يهاتر الجلساء ويفاخر الرؤساء، وهو مع ذلك محبب من قلوب الناس.
ومن أجل هذه الحسنة الفريدة التي غيرت مسار الدولة والتي فعلها حفظا على سلطانه واستقرار دولته ولم يفعلها نصرة لله ورسوله، من أجلها فقط عظمه الناس وساووه بأبي بكر وعمر .!!
فهل كان الرجل يا ترى يستحق هذا؟!
وكان مما يوثر عن أحمد بن حنبل قوله: لقد تمنيت الموت في محنة المعتصم بالنقمة، وهأنذا أتمناه في زمن المتوكل بالنعمة، فكلتاهما داهية نكراء.
ملاحظة أنا أذكر هذا المقال من باب تصحيح المعلومات، وتصويب الأخطاء، وأكتبها لعشاق التاريخ ومحبي الثقافة والمعرفة، ولا أكتبها ذما في تاريخ المسلمين، كما يظن البعض، وكما سيخرج كذلك من يقول لي متفيهقا: ما قيمة هذا المقال وما ضرورته الآن لماذا تجرح في تاريخنا؟ ولاشك أن مثل هذا الاعتراض شطط بعيد وسطحية مفرطة.
ولو أنك أيها المعترض خرجت من هذا التفكير الضيق وحاولت أن تقرن الماضي بالحاضر لنستلهم منه العبرة والعظة لعلمت أن هذه المعلومة مهمة في طريق الوعي، وضرورة في فهم المتغيرات.








































