أعترف أنني كنت من المتسرعين أحيانًا في بعض ما أكتب، لمجرد جملة سمعتها أو خبرًا قرأته أو معلومة قيلت لي، فإذا بعاطفتي تنفعل وأُقدم على قلمي لأجعل منه مقصلة تهوي على من تحمست عليهم، أو مِدفعًا يقذف بالحمم ليلهب من جعلتهم في مرمى الخصوم.
وبعد أن تقع الفأس في الرأس ويتبين خطئي أشعر بحرج شديد، وحينما أبحث عن الطريق لرأب الصدق وجبر الكسر والخروج من المأزق، فلا أجد طريقا يريحني إلى ذلك.
وكم أوصي نفسي دائمًا بالتريث أو التلكؤ حتى تنكشف لي الأمور وتتضح البراهين وتظهر السبل، لكن حماسي في بعض الأحيان لا يستجيب لنصح أو وصية.
ماذا يكلفك إذن لو سمعت سوءا أو شبهة عن أحدهم لتتبين بنفسك حقيقة ما قيل عنه بسؤاله شخصيا أو معاينة أثره وكتبه لتتكشف لك حقيقة ما قيل صدق هو أم كذب وخطأ.. أذكر أن شابا من الشباب جاءني يوما محملا بدعاوى شنيعة قالها القرضاوي في الشريعة الإسلامية، لقد كانت جملا لا يتقولها ملحد من الملحدين، ولما سألته من أين أتيت بها؟ قال من الشيخ ربيع المدخلي، وبسرعة أحضرت كتاب القرضاوي الذي ذكر صاحب الشبهة أنه نقل عنه، ومررت بالمواضع التي ذكرها الداعي، فإذا هي جمل مقتصة من سياقها، ومجتزأة من موضوعها، على غرار ولا تقربوا الصلاة.
ولكم كان أستاذنا الراحل الدكتور محمد عمارة رحمه الله من أكثر وأشد الداعين إلى هذا التريث والتمحيص، وعدم الانجرار وراء الظنون قبل التبيين، ولقد شدد النكير دوما على هذا التسرع الذي سرعان ما ينقلب إلى نوع من التجني الموحش الذي يقلب الحقائق ويضلل المفاهيم، ويسيء إلى الأبرياء.
لقد دافع الدكتور عمارة رحمه الله عن رأس من رؤوس المعتزلة وهو عمرو بن عبيد، وذكر حال الرجل الذي بلغ القمة في الزهد والورع والخشية من الله، ، وهو صاحب الدعاء الأثير: ( اللهم اغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك، وأعني على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالعصمة) حتى أنه حينما مات لم يصل عليه إلا الخليفة أبو جعفر المنصور والتي كانت سابقة فريدة لم تتكرر مع غيره، وأمام هذا السمو نجد طعونًا تمس الرجل، من أهل الحديث والتيار السلفي الذي يأخذ أقوال علمائه كأنها أقوال مقدسة لا طعن ولا ضعف فيها، لقد صنفوا عمرو بن عبيد بأنه من أهل الأهواء، وقال فيه يحيى بن معين: "إنه كان من الدهريين الذين يقولون: إنما الناس مثل الزرع"!!
وأمام هذا الشطط كانت دعوة الدكتور محمد عمارة إلى البحث عن الحقيقة بعيدا عن أي مؤثرات وتضليلات وأهواء، فإذا به يقول في كتابه عن أبي حيان التوحيدي أمام هذه المفارقة: " وهذا درس بليغ يدعونا إلى التماس أفكار المفكرين في مقولاتهم ومقالاتهم التي كتبوها هم، وليس فيما كتبه عنهم الاخرون، مهما كان احترامنا لهؤلاء الآخرين" ثم يقول عمارة : " كثيرًا ما يتخلف الوعي والالتزام بمقتضياته في الكتابة، عن مقولات ومقالات كثير من الأعلام والمفكرين، فيتوارث الخلف عن السلف الكثير من الأباطيل والأوهام، التي ألصقها الخصوم بخصومهم الفكريين"
ونفس الحال المؤلم تجده من هذه الفئة وهي تحدثك عن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، إذ يشنون عدوانا سافرا على العلمين الكبيرين، لمجرد أنهم سمعوا فقط من يتهم ذمتهم ودينهم، ولو أنهم رجعوا إلى آثار الرجلين وما كتباه، لاكتشفوا أنهم وقعوا في خطيئة كبرى لا في حق رجل ورجل، وإنما في حق أمة عظيمة كان الأفغاني وعبده سببًا في نهضتها ورقيها الفكرية والتوعوي.
منذ أيام دعاني أحد المغرمين بالدكتور فرج فودة وأفكاره، إلى التحدي إن أنا أتيته بشيء من طعن الدكتور فرج في الثوابت الدنية، وذكر أنه قد قرأ كل كتبه ولم يجد شيئا من هذا الطعن، فقلت في نفسي: على الرحب والسعة، وقد وجدت في هواي غرامًا بهذا التحدي، وأتيت الرجل بأقوال لفرج لا تطعن في الثوابت فقط؛ بل تذم الشريعة الغراء بجملتها وتردها ولا تقبل بها.
قرأت مؤخرًا في بحث كتبه الأستاذ الدكتور عطية العادلي أستاذ الدعوة بجامعة الأزهر عن (منهج الدكتور محمد عمارة في مناقشة الفكر العلماني) فكان مما وصف به الدكتور عمارة أنه لم يكن من الطراز الذي تهيجه العاطفة الإسلامية للدفاع عن دينه لمجرد جملة سمعها تلوكها الألسن أو لمجرد خبر تنشره إحدى الصحف والمجلات، أو انسياقًا خلف فقاعة إعلامية يراد بها تهييج الرأي العام نحو شخصية من الشخصيات أو فكرة من الأفكار.. لقد كان مثالا للعالم المتثبت مما يشاع أو يقال محققا قول الله تعالى: " يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" ومن ثم تمثل منهجه في الاحاطة بالمنجز المعرفي للخصم قبل مناقشته، وهو ما ظهر جليا في عدة مواطن من سجالاته مع العلمانيين تؤكد هذا المنهج.
كان منها ردوده على المستشار محمد سعيد العشماوي، في كتابه سقوط الغلو العلماني حيث أكد فيه عمارة بقوله: "سنعرض في هذا الكتاب للمشروع الفكري للمستشار العشماوي من خلال قراءة موضوعية ومتأنية لأعماله الكاملة-كتبا ومقالات- مركزين على قضاياه المثيرة للجدل مجتهدين قدر الطاقة أن يكون الحكم فيها وعليها للعقل والمنطق"
وحينما هاجت الدنيا على الدكتور نصر حامد أبو زيد وحكم عليه بالرده وقضت المحكمة بالتفريق بينه وبين زوجته، لم يدخل عمارة في اتون العاصفة ليكون طرفا وهاجا من أطرافها ويزيد من الصخب تماشيا مع هذه الموجة الهادرة، ولكنه انتظر وتريث ووقف بعيدا ولم يدل بدلوه في العراك الدائر، وما ذلك لقلة غيرة أو إيثارا لخمول، ولكن لأن للرجل منهجه الذي اعتمده على الدوام في قيامه على التثبت والتأكد والتيقن حتى ينتج الرد العلمي المفحم الرصين.. وأنت حينما تنظر إلى كل من شارك في الهبة على الدكتور نصر أبو زيد في تلك الأيام لا تذكر منها شيئا إلا أنها كانت هبة عاتية، ولكنك لا تذكر منها إلى هذه الساعة إلا ردود محمد عمارة عليه، وليس ذلك لعلو كعبه ولكن لأن منهجه في الرد لم يكن يقوم إلا على دراية وإحاطة كاملة بفكر المستهدف.
يقول الدكتور عمارة في كتابه التفسير الماركسي للإسلام: " لكن القصف الإعلامي الذي تفجر في ساحتنا الثقافية والفكرية حول أفكار الدكتور نصر، قد سبق قراءتي لأعماله الفكرية اللهم إلا بعض دراساته ومقالاته في بعض الدوريات، ولذلك آثرت أن أقف بعيدا عن المشاركة في هذا العراك"
ثم يقول: " بدأت أجمع مؤلفات الدكتور نصر على أمل أن يتيح لي برنامج عملي فرصة لقراءتها، كما يقرأ المشروع الفكري قراءة متكاملة، علها تجيب على ما تفجر لدي من علامات استفهام"
لم يكن عمارة يقبل بأي اتهام قائما على الشائعة أو الرواية المنقولة على ألسنة الغير، وإنما كان منطلق عمله وردوده ينبني فقط على نصوص صاحبها كاملة وافية دون بتر أو قص، وهو ذات المنهج المستخدم في كل ردوده وملاحمه مع العلمانيين خاصة، وهذا أيضا ما نجده في ردوده على أفكار سلامة موسى التغريبية التي قامت لتقطع صلة الأمة بهويتها الإسلامية فقال عمارة في كتابه الإسلام بين التنوير والتزوير: "التنوير الغربي العلماني كما تجسد في المشروع الفكري لسلامة موسى، نبدأ باستعراض ملامح هذا المشروع ومن خلال نصوص الرجل، حتى لا تكون هناك أدنى شبهة في أي لون من ألوان المبالغات"
وحينما قامت ضجة كبرى في المغرب العربي حول أفكار الدكتور محمد عابد الجابري بسبب كتابيه (مدخل إلى القرآن الكريم: في تعريف القرآن) وكتاب ( فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول) لم يعتمد عمارة على الرسائل العلمية التي ناقشت أفكار الرجل وإنما حرص كل الحرص ألا يرد عليه حتى يجد نصوصه المنسوبة إليه مباشرة فيقول: " أخذت أبحث عن هذا العمل الفكري لأتبين على نحو مباشر حقيقة موقف الجابري من القرآن الكريم" ولما ظفر بالكتابين في معرض القاهرة عام 2010 عكف على دراسة أفكاره، وعبر هذا التدقيق والتمحيص استطاع عمارة أن يكشف كثيرا من التناقضات المذهلة في كلام الرجل والخالية من التدقيق الرصين.
يقول الدكتور عطية العادلي في خاتمة هذا الفصل: "وهذا درس يجب أن يستوعبه الدعاة في رحلة التحدي والتصدي للأفكار الهدامة في جنبات المجتمع المسلم، فلابد أن يتسلح الداعية بسلاح الإحاطة والاستيعاب لفكر من يتصدى له مع الإدراك الجيد من أين يبدأ والأم ينتهي؟ أما منهجية اجتزاء النصوص وبترها من سياقها، أو مطالعة جزء من النتاج العلمي للخصم، وإهمال الأجزاء الأخرى فهذا مسلك إن قبل من الآخرين فلا يمكن قبوله من الداعية لأنه في أقل الاحتمالات سيكون النقاش عديم الجدوى والفائدة"








































