إليك يا منارة العلم وفارس القلم، وفخر الأزهر، وعبقري مصر، وعميد الأدب العربي الحديث، نزف هذه السطور إلى القراء لتجدد عهدها بك، وسيرتها بنضالك، علها تفيك بعض حقك، أو تمنحك ضئيلا من قدرك، وتخبر عن بعض مقامك وعظيم شأنك.
إنهم يا سيدي يمنحون ألقاب العملاق والعميد والإمام لكثير من الموهوبين والعظماء، وكل شخص منهم يتفرد بنصيب واحد من هذه الأسماء، وما أراك وما يراك معي كل من عرفك واقترب منك وقرأ لك، إلا أنك تحوز كل هذه المفاخر والذرى جميعا باقتدار.. فقد كنت العالم الموسوعي الذي ضرب في كل فن وفي كل علم، وكانت كتاباتك التي أنارت العقول، وبددت الجهالة، وأظهرت الحق، ودللت على النبوغ.
بل كانت فروسيتك التي نتحدث عنها اليوم، وهي تعرض صفحة نضالك في سبيل دينك، والذود عن حياض شريعتك، ضد خصوم الإسلام من العلمانيين والشيوعيين والملاحدة والمستشرقين، وكل من ناصب الإسلام العداء، فكنت سيفا سله الله على الباطل، ودرعا سد عن دينه الضربات، وحصنا منيعا تخشاه الحقدة والمردة، ومدفعية ثقيلة تفتك بكل من حام حول الحمى أو اقترب منه.
لقد عشت أياما طويلة وأنا أعد عنك هذا السفر اليسير، فزاد إعجابي بك، وانبهاري بشخصك، وإكباري لذاتك، ولقد رأيت فيما رأيت أن الناس لا تذكر منك إلا أنك المؤرخ أو الأديب أو الناقد أو الكاتب الإسلامي، وقد غفلوا عنك في ميدان الدفاع عن الإسلام، الذي كنت فيه القدح المعلى، والمقام الأعلى، فكنت لسان الأزهر وفارسه المغوار الذي يرد عن حمى الدين وعرين الملة.
لم ينكفئ البيومي على مجاله وتخصصه كأستاذ للغة والأدب، وإنما كان صوت العالم الأزهري المدوي في ساحة الفكر، بما يملي عليه واجبه كعالم مرموق من علماء الأزهر، كانت له قدمه الراسخة في كل الفنون العلمية دينا ولغة وفكرا، ومن ثم تعددت وتنوعت النظرة إلى عقلية الدكتور البيومي وقدراته وعطائه، فإذا أردته أديبًا، فهو على أوفى ما يكون الأدب والشعر والنقد والإبداع، وإذا أردته مفكرًا فهو الذروة في الفكر والرأي المصلح القويم، وإذا أردته عالما دينيا فهو القمة في تناول الآراء الدينية ونظر الشريعة.
وكان البيومي وعبر قلمه المهول الكبير، يرى أن من أوجب واجباته أن يتصدى للانحراف الفكري، الذي يحارب الهوية والدين والمعتقد، تحت مسميات خادعة براقة، تنزل أصحابها في غير مواقعهم الصحيحة، وفي الوقت الذي كانوا يتلاعبون فيه بالألفاظ فينسبون أنفسهم للتنوير والحداثة والتقديمة، فقد وقف البيومي بقلمه ليفضح هذا الإفك ويكشف الحقيقة، ويؤكد بثقة العالم المؤمن أن التنوير الحقيقي يصدر من مشكاة القرآن، وأن هذا هو اعتقاد المصري المسلم الذي يدفع الضرائب من عرق جبينه لتكون مما يأخذه دعاة التدهور والسقوط حين يجلسون في مقاعد الوظائف، لا ليخدموا الأمة، بل ليفتحوا عليها نوافذ النيران.
وإذا كان هناك من نكتب عنه ونحكي سيرته ونذكر أمره، فليس أجدر من هذا الفارس المغوار بل الدرع الصلبة في الدفاع عن الإسلام والتصدي لخصومه، وكم سهرت كثيرًا مع ما تركه من كتابات مضيئة شكلت وحدها ثروة هائلة للمكتبة الإسلامية والأدبية والعلمية، وكنت على التحديد أتحسس غيرته في مواقف الجد، وأفتش عن هباته الثائرة في وجه الخصوم، لأجلي صورة العالم الجسور الذي لم يهادن أو يسالم أو يتخاذل عن نصرة دينه ولم يتخل عن واجبه الذي أنيط به كعالم من علماء الأزهر الكبار، في الرد على خصوم الإسلام والكيد لأكاذيبهم وافتراءاتهم التي ألصقوها به في كل جانب، وحينما كانت هذه التهم تتقاذف الإسلام من كل الجهات، لم يعدم العلامة البيومي الذي يرقى كما قيل عنه ودون مبالغة إلى مرتبة العملاق، لم يعدم أن يرد عليها ويكشف زيفها، ويجلي عوارها، وينبئ عن غرض أصحابها، فكان حاضرا بقوة في كل ميدان علمي يرد الحجة بالحجة، ويدفع البرهان بالبرهان، منتصرا للإسلام داحرا للخصوم، ففي اللغة والأدب والدين والتاريخ والفلسفة والفقه وكافة العلوم التي حاول الجاحدون المتربصون بالإسلام أن يركبوا شططها، كان يقف في وجههم كابحا لجماحهم منتصرا لعقيدته ودينه وأزهره.
وكل الشكر لمن ساعدوني وعاونوني من تلامذته ومحبيه فلم يبخلوا علي بجهد أو معلومة أو مساعدة وأخص بالتحديد السادة الأجلاء والعلماء الأوفياء والدكاترة النجباء.
د. علي عبد العظيم
عزة البكري
هشام محمد البيه
د. علي الحسيني
د.أسامة العدوي
د. مصطفى السواحلي
ثم شكر خاص لسيدي ووالدي عمدة المحققين والعلامة الجليل معالي الدكتور النبوى شعلان
على ما أفاض به علي من ذكرياته في شيخنا البيومي.. فلهم مني كل الود والمحبة والتقدير
وختاما وبعد إعداد هذا الكتاب.. أسأل الله تعالى أن ييسر طباعته ونشره إن قدر له، ويمنحه القبول و الذيوع، ليعرف بعلم من أعلام الإسلام، ويحكي جهوده في خدمة دينه، وقد تعلمت منه حينما قال: " ولعل من الواجب علينا أن نؤرخ لدعاة الفضيلة ليكونوا مجال قدوة حسنة للناشئين في وقت ظهرت فيه مئات الكتب عن أدعياء التقدم من المتسلطين"
وهكذا فعلت أو أزعم أنني فعلت.
رحم الله العالم الموسوعي الكبير.
ملاحظ هذا ليس غلافا للكتاب وإنما هو لقطة تجريبية من تصميمي.








































