لا شك أن محنة الإسلام الكبرى تأتي في أحيان كثيرة من داخله لا من خارجه، وأن بعض العقول التي تظن أنها تنصره، خلفت في كثير من المواقف حماقات عادت عليه بالخسارة الفادحة، في الوقت الذي يظنون فيه أنهم نصروه وأعزوه.
لقد تعلمنا في مدارس الدعوة أن الفهم والفقه والوعي والذكاء، صفات لازمة للداعية المصلح، وأن التركيز على المصالح الصغيرة وغض الطرف عن المصالح الكبيرة، سوء تصرف وغياب وعي إذا تعارضت المصلحتان.
وفي هذه المرحلة الحرجة التي يضرب فيها الإسلام من حدب وصوب، وتتعالى عليه صيحات الجاحدين والمنكرين، لابد من اعتماد الخطاب الإنساني في الإسلام، حتى نقطع الطريق على المرجفين الذين يغتنمون غلظة البعض وتشنجاتهم فيما يخدم غايتهم في تصوير الدين والمتدينين بالظلامية ومجافاة الفطرة الإنسانية، والعداء للرقي الحياتي.
إذا جاءتك امرأة متبرجة سافرة تعادي الإسلام وقيمه وتعاليمه، وطُلب منك التعامل معها، فمن الحماقة الكبرى أن يكون أول حوار لك معها أن تدعوها وتلزمها بالحجاب والتستر، نعم.. يفعل هذا بعضهم في مثل هذه المواقف، وهو يظن أنه يقيم حكم الله ويدعو لتعاليم الإسلام، وما هو إلا زائغ عن فقه التعامل وسبل الوصول.
امرأة كهذه لا يمكن أبدا أن تأمرها بالحجاب أو أن تأمرها بأي شيء يريده الله منها، فهي في جفوة ونكران، وأي إلزام لها سيشعرها بالقيد الذي تندفع إلى التحرر منه.
ومن ثم لا هدف ولا نتيجة مرضية تقنع نفسك أنك توصلت إليها.
يشعر بعضهم بالراحة حينما يخيل إليه أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ولكنه للأسف قد زاد المنكر وأوقد هجر المعروف.
إن امرأة كهذه لابد أن تخاطبها ابتداء بعظمة الخالق ونعمه على الإنسان، ورفقه بالبشر، ورغبة الدين في تحقيق سعادة للحياة والأحياء، وأن تبصرها بالنماذج القيمية التي جاء بها هذا الدين، والنماذج الفريدة التي أثبتتها حضارته ورموزه في عالم الفضيلة.
أيقظ في قلبها ابتداء حب الله، أحيي في روعها عظمة الإسلام في أخلاقه وفضائله وسمو تعامله مع النفس.
لا تشعرها أنها عدوة لله، أشعرها أن الله يحبها ويدعوها إليه، ويدخر لها من الجزاء العظيم حينما ترتبط به، وتصير في معيته.
عبر هذا الطريق وحده يكون التمهيد لمن جعل الحجاب غايته الكبرى، والذي يتصور في عقله أنه تمام التدين والاستواء على عرش التقوى.
هل تزعم أنك كداعية حينما تأمر وتنهى بأنك قد أديت رسالتك؟ أبدا أبدا.
إن رسالة الإسلام والدعوة إلى التدين، تحتاج إلى رعاية ومتابعة، وتسجيل موقف مؤثر في نفس المدعو، لكن أجلافا كثيرة بدلا من أن تسجل موقفا مؤثرا في النفوس، سجلت جرحا غائرا وطعنة عميقة لا ينساها المدعو على طول الزمن.
رحم الله الشيخ محمد الغزالي حينما قال: "إن للإسلام خصوما متربصين فلا يجوز إعطاؤهم حجة على سوء فهمنا وسلوكنا"
لاحظ هنا كلمة سلوكنا، وهي التي تشير إلى التصرفات، وردود الفعل التي تراعي الجانب الإنساني بين الناس.
منذ أيام نقل صديقي الشاعر المثقف يحيى سلامة موقفا ذكرته الإعلامية الكبيرة كريمان حمزة في كتابها (رحلتي من السفور إلي الحجاب) وهي تروي عن اللقاء الأول لها مع الشيخ عبد الحليم محمود وزير الأوقاف حينئذ وشيخ الأزهر فيما بعد فتقول:
ذهبت لمقابلة الوزير وكان الوقت صيفا ولم أكن محجبة فاضطررت لوضع بالطو والدتي علي فستاتي وإيشارب علي رأسي وبينما أنا منتظرة قدوم الوزير خلعت الإيشارب والبالطو وأشعلت سيجارة ادخنها مع فنجان قهوة قد طلبته من الساعي واذا بي وأنا علي هذه الهيئة أتفاجأ بدخول الدكتور عبد الحليم محمود وجلوسه علي مكتبه دون أن يكترث بوجودي ولم يعيرني أي نظرة أو اهتمام او حتي صرخ في وجهي موجها لوما او عتابا وقتها تملكني الغيظ والحنق فالرجل تعامل معي علي أني شيء لاوجود له.
الي هنا انتهي كلام السيدة كريمان حمزة وهي تصف اللقاء الأول مع الدكتور عبد الحليم محمود لتروي في باقي فصول الكتاب عن تعدد الزيارات وتوطد العلاقة بينهما وكيف أنها أصبحت أول مذيعة محجبة متخصصة في البرامج الدينية بالتليفزيون (وقد ارتدت الحجاب طواعية)
وما يهمنا في هذا السياق هو تصرف الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود (وهو ماهو) أمام امرأة متبرجة تدخن السجاير في مكتبه وهو وزير أوقاف فلو أنه أمعن النظر الهيا لأدركت بحسها الأنثوي أنها أمام رجل ينظر لامرأة وأن هذا الشيخ المعمم يتساوي مع أي رجل أخر سواء كان معمما أو غير معمم."
انتهى كلام صديقنا الأستاذ يحيى، ولكني أحب أن أقول : ماذا لو صرخ الشيخ عبد الحليم في وجه الإعلامية المتبرجة، وقال لها: حرام عليك هذا السفور والتبرج وشربك للسجائر.؟!
ربما لتمادت وأصرت على طريقها غير عابئة بتقريع الشيخ، لكن ما حدث ساق المرأة فيما بعد للحجاب، حينما التقت بالشيخ الذي كان تصرفه من أسباب هدايتها وتحجبها، ثم بعد ذلك كان هو من كتب مقدمة كتابها الفريد (رحلتي من السفور إلى الحجاب).
وأمام هذا المكسب الكبير الذي تحقق للإسلام، نجد كذلك من ينكرون على الشيخ عبد الحليم لقاءه بمتبرجة، وهذا لعمري خلل في الفهم والتقدير.
إن هناك جماعات في حقل الدعوة ربت أتباعها على الجفوة والغلظة، ونجحت أن تجعل منهم منفرين من الإسلام لا دعاة يجمعون القلوب عليه، ويجذبونها لإنسانيته.