في ٢ نوفمبر عام ٢٠٠٨ كان رحيل الدكتور محمد أحمد المسير رحمه الله والذي كان من أجل العلماء الذين كنت أتمنى التتلمذ على أيديهم، فقد كان الرجل يتمتع بسمت وقبول يندر في لُداته، كان في وجهه نور وجلال، وفي حديثه اتزان واعتدال، وفي منطقه عقل وقوة، كان عفيفا نزيها شريفا، لم يكن رحمه الله من هؤلاء العلماء الذين يعبدون الشو الإعلامي، ويطرحون على الناس كل يوم من عجائب الأقوال والآراء ما يبلبل الساحة الدينية، ويذهل عقول الناس من تراثهم محتارين وجلين متشككين.
كان رحمه الله معتزا بنفسه مهيبا في ذاته، يمثل العالم الأزهري الرباني الصادق أصدق تمثيل، وكنت تأخذ منه الفتوى والمعلومة وأنت واثق مطمئن، يغلف قلبك سياج من اليقين العجيب بما يقوله الرجل، وكما يقولون: (وبضدها تتميز الأشياء) فإن محامد الشيخ المسير تتجلى أكثر وأكثر حينما نقيسه بمن نرى ونشاهد ممن ينتسبون للعلم ودوحة الأزهر الشريف، إذ كان يعف عن مواطن الشبهات، ويدرك أنه مثل أعلى للناس وأنه قدوة ينظر إليه بالمجهر، وأن حفاظه على عقيدته ودينه وهيأته إنما يعني في المقام الأول حفاظا على صورة الإسلام، ولم يؤثر عنه أبدا أن رأيناه في موطن لا يليق أو يخدش ذاته والتزامه وتدينه الأصيل.. وليس الجميع على هذا الصراط الذي التزمه الميسر وخطه لنفسه، فإنك لتعجب من شيخ أزهري كبير، يصاحب الفنانات ويجالسهن، وربما يداعبهن ويضاحكهن، حتى تسائل نفسك: أي عالم هذا، وأي شيخ يكون؟
قيمة الدكتور المسير أنه من هذا النوع من الشيوخ الذي لا يثير القلاقل والخلافات والمعارك والمشكلات، باسم العلم، وإنما تجده دوما محبوبا من الجميع مقبول من كل الأذواق، حتى ولو خالفها الرأي.
كان رحمه الله يعيب على بعض الشيوخ الذين يحييون الآراء الشاذة في القضايا الفقهية، ويقول: أنا أتعجب من فلان وهو عالم، كيف له أن يتشبث برأي شاذ ويقيم له هالة كبيرة وفي الأمر غنية عنه.
ولكن المسير بروحه وفطرته البريئة لا يعلم أن أمثال هذا العالم يتعمدون هذا الصنيع حتى يكونوا حديث الناس صباح مساء، وتستضيفهم الفضائيات والمنتديات والبرامج، ويكونوا ملء السمع والبصر، ويتخيلون أنهم بهذا الهرج والتضليل سينعتهم الناس بأنهم مجددون، وخلفاء الإمام محمد عبده.
يُعدّ الأستاذ الدكتور محمد المسير (رحمه الله) أحد الأعلام البارزين والمفكرين الأزهريين الذين أثروا المكتبة الإسلامية والفكر المعاصر بعطاء غزير ومتنوع، وقد تميزت حياته العلمية والدعوية بالعمق والشمول، تاركاً بصمات واضحة في ميادين العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان والقضايا الفكرية.
تخصص المسير في العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان، وحصل على أعلى الدرجات العلمية بمرتبة الشرف من جامعة الأزهر. لم يكن علمه محصوراً في تخصصه الدقيق، بل كان متشعباً في مختلف العلوم الإسلامية. فقد أثرى المكتبة بأكثر من 40 كتاباً في شتى الفنون، من أبرزها:
-«الشفاعة في الإسلام» و**«الرسالة والرسل في العقيدة الإسلامية»** في العقائد.
-«المدخل لدراسة الأديان» في مقارنة الأديان.
-«عبادة الشيطان في البيان القرآني والتاريخ الإنساني»، وهو كتاب مهم للرد على الظواهر الفكرية المنحرفة.
كما له إسهامات في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي مثل كتابه «الرسول حول الكعبة».
كانت مؤلفاته تتميز بالمنهجية العلمية الرصينة والقدرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وقد تُرجم بعضها إلى لغات عالمية كالإندونيسية والماليزية والألبانية.
كان للشيخ المسير نشاط واسع في الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، حيث بدأ مقالاته وأحاديثه الإذاعية والتلفزيونية منذ عام 1979م. حيث اغتنم هذه المنابر للدعوة إلى: مكارم الأخلاق والاهتمام بالأسرة والمجتمع، إيماناً منه بأن الأسرة هي المنطلق الحقيقي للبناء الحضاري والفكري للأمة، والرد على الشبهات والقضايا المعاصرة، مقدماً العلاج الوقائي للشباب بالتمسك بالمنهج الإسلامي الكامل المتكامل دون إفراط أو تفريط.
تميز أسلوبه بالوضوح والاعتدال، والقدرة على تبسيط القضايا العقدية والفلسفية المعقدة لعموم الناس.
اتسمت مسيرة الدكتور المسير العلمية بالتفوق المبكر الذي عكس عمق موهبته الأكاديمية:
الترتيب الأول: حصل على الشهادة الإعدادية وكان ترتيبه الأول على الجمهورية عام 1964م، مما ينبئ بمسيرة علمية فائقة.
التخصص الشامل: لم يكن تخصصه في العقيدة والفلسفة عزلة عن بقية العلوم، بل كان فقيهًا شاملًا يشارك في فقه المعاملات والقضايا الاجتماعية، مما أهّله ليكون مستشارًا لوزير الأوقاف المصري، وشاهداً على اتساع مداركه.
لقد كان الدكتور المسير يمثل نموذجًا لـ"الوسطية المنهجية"؛ حيث كان يرفض التشدد دون تفريط في الثوابت، ويتضح ذلك في آرائه الفقهية والعقدية:
-النقاب والاعتدال: كان موقفه من النقاب يجسد هذا الاعتدال؛ إذ كان يرى أنه ليس فريضة واجبة، ولكنه في الوقت نفسه لا يمنعه، ويحث على احترام من تلتزم به طالما التزمت بالزي الشرعي، رافضًا اتهام النساء غير المنتقبات في دينهن وأخلاقهن.
-قضايا التوسل: في القضايا العقدية كـ"التوسل"، كان يفضل الأدب النبوي في الدعاء بالتوجه المباشر إلى الله، ولكنه كان يرفض تكفير من يقول بـ"جاه النبي"، متبعًا منهج علماء الأزهر في عدم التكفير بالتأويل.
كان الدكتور المسير يتمتع بنظرة فريدة للقرآن الكريم، لخصها في مقولته الشهيرة: "القرآن مثل ماء النيل، تشرب منه النملة ويشرب منه الفيل". هذه العبارة تحمل في طياتها رؤية عميقة لمنهجه الفكري:
-الشمولية والإعجاز: كان يرى أن القرآن الكريم منبع عطاء لا ينضب، يستوعب العباقرة بتعمقهم ويثري العوام بما يصلح حياتهم.
-العقل والعاطفة: كان يوازن بين من يخاطب العقل (بالأدلة والبراهين) ومن يخاطب العاطفة، مؤكدًا على أن القرآن الكريم اهتم بالعلم (كما في أول آية: اقرأ، واهتم بالعقل وربط التكليف به، وهذا هو جوهر فلسفته في التفسير البياني.
لم يكن المسير عالمًا في محراب الجامعة فحسب، بل كان حارسًا للفكر يواجه التحديات التي تهدد الشباب والمجتمع:
-التصدي لعبادة الشيطان: كان من أوائل من تصدوا لـ"عبادة الشيطان" في تسعينيات القرن الماضي بكتابه القيم، مقدمًا ليس فقط النقد، بل العلاج الفكري والوقائي الذي يرتكز على المنهج الإسلامي المتكامل، ليحمي الشباب من التيه والانحراف.
-قضية التكفير: تناول قضية "التكفير في الفكر الإسلامي" بمنهجية حكيمة، محذرًا من خطرها على الأمة، وداعياً إلى الحوار بين الجماعات الإسلامية، وقد خصص كتابًا في "الحوار بين الجماعات الإسلامية".
وعن مواقف الراحل وشجاعته في صلابته الدينية يقول الراحل الدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ بجامعة الأزهر والرئيس العام للجمعية الشرعية رحمه الله وهو يصف المسير بأنه رجل المواقف وقد كان معه عضو في الجمعية الشرعية ويذكر من مواقفه الجريئة اعتراضه على بعض مواد قانون الطفل لأنها تمثل انتهاكاً واضحاً للحدود الشرعية وتساعد علي النفخ الأسري بل الخروج علي أحكام الإسلام.
وقال كلمته في وقت آثر فيه الجميع السلام وابتعدوا عن الرد لحسابات تخص كل واحد إلا أنه لم يشتر أحداً بسخط الله.
وقال: إن الدكتور المسير انتقد اتفاقية السيداو التي تبنتها لجنة المرأة بالأمم المتحدة وتحرص علي فرض بنودها على كل الدول الإسلامية وغير الإسلامية وتدعي أن هدفها القضاء علي العنصرية ضد المرأة وهي في الحقيقة تتنافي مع أحكام الشريعة الإسلامية الصحيحة التي تؤكد على الطابع الإنساني حتى تتكامل الحياة ولا تتعارض وكذلك نقده لنصوص اتفاقيات حقوق الطفل وغير ذلك من المواقف التي تثبت أننا قد خسرنا مناضلاً شريفاً ترك من بعده من يهرفون بما لا يعرفون.
وقال الدكتور عبد الرحمن عميرة الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: إنه شاهد بنفسه موقفاً للدكتور المسير يقف بين تلامذته يستمع إليهم ولا ينصرف حتي ينصرفوا جميعاً بل كان الطلاب يطلبون منه كتابه فيأمر صاحب المكتبة أن يمنح أي طالب كتابه إذا ذكر أنه ليس معه ثمنه.
وذكر: إن الراحل ممن نبهوا إلي أن الأزهر يعيش مرحلة الجهاد في الوقت الذي تتكاتف التيارات لضرب الإسلام في مقتل وكان يعتني بالطلاب الوافدين حتى لو استلزم الأمر الإنفاق عليهم من ماله الخاص، باعتبار أن هؤلاء من وجهة نظره حائط الصد ضد الاختراق الغربي للأزهر ومؤسساته.
ـ ويقول الدكتور محمد زناتي عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية إن الراحل أستطيع أن أصفه بأنه صاحب الحضور الطاغي سواء في مواقفه أو في ساحات العلم والرأي والإعلام دون غلو أو تعصب.
تغمده الله بواسع رحمته وفك أسر ابنه من سجون آل سعود.
وذكر أحد أبناء قريته أن صديقا له في العمل أنبأه بقوله: "تصور يا فلان المنطقة -المطرية-عندنا تحكي عن عالم أزهري كان ساكنا ورزقه الله قطعة أرض بناها سكنا له ولأولاده وما كان منه إلا أن جدد الشقة التي كان يسكن بها حتى السيراميك، وسلم مفتاحها لصاحبتها دون خلو ورحل لمسكنه الجديد وهو الدكتور المسير"
ومن حسن الخاتمة أن بعض المقربين ذكر أنه حتى في لحظاته الأخيرة، ظل عضوه الوحيد المتحرك هو السبابة اليمنى، يتحرك كأنه في التشهد، وهي خاتمة تليق بعالم قضى حياته في نصرة العقيدة والتوحيد.
كان الدكتور المسير رحمه الله صوتاً للعقلانية والاعتدال في الفكر الإسلامي، ترك الدكتور المسير فراغاً يصعب ملؤه، لكن إرثه من الكتب والأحاديث والمقالات سيظل نبراسًا هادياً للأجيال في فهم العقيدة والفلسفة والاعتدال المنهجي.








































