الفتن الدينية من أشد الفتن عصفًا بالمجتمعات، لما تحمل من تعصب مقيت يضمر في طياته رياح الكراهية والبغضاء، وهي أشد أنواع الفتن كارثية على الأوطان، أخطر بكثير من الفتن السياسية، لأن الرجل يمكن له ساعة الجد والخطر أن يتنازل عن تعصبه السياسي إن عدا طوره وتجاوز مقداره، لكنه أبدًا لا يمكن أن يتنازل عن عصبيته الدينية حتى ولو كان الأجواء تنذر برعد المخاطر.
وعلى الفتن الدينية يلعب المستعمر، وهي أولى النقاط التي ينظر إليها ويركز جهده نحوها، لأنه يعلم أنها الفتنة التي تحقق له مأربه من قهر بلداننا ومجتمعاتنا، ومن ثم يسهل له السيطرة عليها، فعل هذا في كثير من البلدان، التي نزل بها، والتي ضعفت لُحمتها، لا من طبيعة شابت فيها، ولكن من فرقة دبت بين طوائفها، وما كان له من شغل إلا إذكاء نيران هذه الفرقة حينما وجد الأرض مهيأة لها، ولما جاء إلى مصر حاول التفرقة بين المسلمين والمسيحيين، لكن الوحدة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد، كانت قوية عصية على الاختراق والتمزيق، وشهد التاريخ أن كل من حاول اللعب بورقة الأقباط في مصر كانت عاقبته خُسرًا ولم يفلح في شيء.
وأمام هذا التماسك البنيوي للمجتمع، وقع في الفخ وبجدارة ما نسميها بالتيارات الدينية، فالخصومة بينها منكرة تصل إلى حد التكفير والتفسيق، ولو أتيح لبعضهم أن يقتل بعض لفعلوا لولا الخوف من القانون وسلطة الدولة، بل إنك تتأمل حال هذه التيارات، فلا ترى أحدًا يكره أحدًا بمثل ما يكره السلفي الصوفي والصوفي السلفي، إذ يعد كل فريق صاحبه نَجَس يمشي على الأرض، فلا سبيل إلى وحدة أو ترابط، حتى مع وجود أصول واحدة يمكن لها أن تجمع ولا تفرق، ولكن لواء الحماقة يرفرف فوق عقول الجميع، وهم أجهل الناس بمحن الحياة وأزمات الزمان، وفقه الأولويات الذي يجب أن يُتبع فيوحد الجميع تحت مظلة الإسلام الذي يحتاج إلى كل لبنة ليستطيع مقاومة من يريدون اقتلاع جذوره من الأرض.
ولكن أصحابنا في غيهم سادرون، وفي بلائهم مشغولون، وكلما جد أحدهم في النكير على صاحبه، كلما كان ذلك علامة على صحة انتمائه لجماعته أو تياره أو حزبه، وما دروا أن كل معركة تدور، إنما تمثل معولا لا يهوي به على صاحبه، بقدر ما يهوي به على الإسلام ذاته.
لقد وقفت المجتمعات الغربية موقفًا حازمًا أمام كل دعوة تسوق الناس إلى الفتنة باسم العصبية للفكر أو الدين أو الحزب، ليكون سلطان الدولة فوق الجميع والمظلة التي لا تسمح لأحد أن يخترقها ويتجاوز حدها.
قل ما شئت وأعلن ما شئت وصرح للدنيا بأي معتقد أردت، لكن حينما تركب مركب العصبية فتتجاوز حدودك التي تثير الفتن في المجتمع وتحدث العداوة والشروخ بين النظراء، فهذا غير مقبول، لتتحرك الدولة والقانون بكل قوة لوأد هذا الغلو والتطرف المنبوذ.
وإني لأعلم اليوم ومن خلال قربي ومعرفتي من بعض أبناء التيارين وما استحدث فيهما من غلو ظاهر وقمعية شرسة، أنهما لو أتيحت لهما فرصة النزال والعراك لحملوا السيوف والمدافع رغبة لكل منهما أن يقضي على الآخر، وهكذا يهددنا العدو من كل جانب ولا هم للهمج إلا القضاء على أخوة الدين والوطن.
عجبًا عجبًا هذا أشعري وذاك سلفي، هذا يؤل وذلك لا يؤول هذا مجسم مشبه وذلك معطل، صراعات ما أوجدها إلا الوهم والغفلة، وسيادة الجهل وقلة العلم.
ولعل هذه النفرة بين السلفية والصوفية أو بين الفكر السلفي والفهم الصوفي قديمة قبل أن يكون للتيار السلفي وجود في مصر بمعناه الذي نراه اليوم عبر مدارسه المتعددة.
ولقد مرت بمصر بعد الحوادث التي سجلت وجود الفتنة الدينية بين أبناء التيارات الدينية، فأحدثت شغبًا هائلا وكادت أن تذهق فيا الأرواح لولا لطف الله وكرمه بالناس، لقد دوى صوت هذه الفتنة في كل مصر وكانت عواقبها تنذر بمخاطر كبيرة، ما كان الباعث عليها سوى فكر صوفي وآخر سلفي، وجد كل منهما النصير والمؤيد، فاحتدمت الأمور ودبت المواجهة، واستشرى الخلاف.. ففي التاريخ عام 1907م نقرأ عن ما يعرف بـ(فتنة دمياط) التي قامت بسبب "خلاف بين علماء الدين ، واشتعلت نارها بتدخل العوام فيها ورفع أمرها إلى مشيخة الأزهر والخديوي، وكان يستفحل خطبها بتحريض بعض العلماء ذوي الأفكار من كلا الفريقين، حيث قام أحد علماء دمياط وهو الشيخ (حسن علي) فقصد ليله المولد النبوي مسجدا نفيس وقرأ قصه المولد الشريف خالية من الشوائب القصصية الممزوجة بكثر من القصص، وحض الحاضرين على اتباع القرآن الكريم وما صح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وحذرهم من السجود للأولياء والاستنجاد بهم من دون الله، ومن النذور للأضرحة، وتعهد صناديقها بالبذل والعطاء، في حين أن الاعمال الخيرية أمامهم واسعة الأبواب وهي في حاجه إلى الدرهم والدينار من المحسنين، ثم علم شيخ المسجد الشيخ (النحاس) بما حدث وكَبُر عليه الأمر وثار ثائره، فذهب إلى اثنين من قدماء العلماء الذين لهم سلطان عظيم على قلوب العامة، وروى لهم الحديث ممسوخًا محرفًا، فروياه كذلك للعوام فقالوا في الشيخ ما قالوا ورموه بالمروق من الدين والعدول عن الايمان بالله ورسوله، وزادوا من عند أنفسهم ما شاؤوا، هنالك قام رعاع القوم وسفهاؤهم منذرين مهددين، وشرعوا في رمي منزل الشيخ بالحجارة وانهالوا عليه شتمًا ولعنًا حتى اضطر الى الاستنصار بالحكومة"
وصدر الحكم بمنع هذا العالم من التدريس وقطع مرتبه وجرايته سنة كاملة حتى يقدم شيخ علماء دمياط شهادة بحسن سلوكه، وهو نفسه شيخ العلماء عبد الرحمن الخضري الذي أتى بشهود في عريضته التي قدمها في التحقيق يرمون الشيخ حسن بالكفر والخروج عن الدين، وهم لا يعرفون ما كتب في هذه العريضة"
وأمام هذه الهوجة وجد الشيخ حسن من يؤيد رأيه ويرى فهمه ويدافع عنه ويواجه تهجم الصوفية عليه، ويرميهم بالجل والرجعية والجمود، وكان ممن رصد أحدث هذه الفتنة وندد بها في الصحف الشيخ علي الغاياتي في مطلع شبابه في جريدة الجوائب المصرية في مقالات متعددة وكان مما قاله: "إن الدين بعيد عن هذه المشاغابات والتحزبات، وإنما هي أمور لا يعبأ الله بها، وليست من دينه في شيء، وسيعلم الذين يخلقونها أي منقلب ينقلبون، فإنهم إنما يحاربون بها الدين من حيث لا يشعرون، ونأمل من حضرة شيخ العلماء أن يتقي الله في دينه ونفسه وينصر الحق حيثما كان"
ويبدو أن الغاياتي كان في صف الشيخ حسن الذي أعلى الفهم السلفي وطالب به الناس ودعا كل المصريين أن يتبرعوا للشيخ حسن الذي وقف راتبه.








































