على أي شيء تتدرب أيها الكاتب الناشئ؟
بالأمس كتبت بضعة سطور عن دورات وورش التدريب التي تعلم الكتابة، وتحاول أن تُلهم الكتاب المبتدئين كيف يكتبون؟ لكنها لا تعلمك الإحساس الذي هو أساس الكاتب.
وأنا هنا لا أنتقد بعض هذه الدورات والورش، أو أتهمهم بشيء، أو أعيب على بعض من أعلم حسن نواياهم من أصحابها، لأنني صاحب تجربة ومن حقي الحديث والكلام.
أقمت دورتين على الإنترنت، وانضم إليها عشرات الكتاب الناشئين ومحبي الكتابة، وربما وصل العدد إلى أكثر من 300 مشارك.
والآن بعد أن انتهت هذه الدورات، من حقي أن أسأل هذا السؤال: هل استفاد أحدهم شيئا؟
وهل من استفاد أو عرف شيئا من أسرار الكتابة، هل نفذ وسار واكتشف وطبق وجرب؟
أجزم الآن بقولي: لم يحدث شيء من هذا.
ونعود للحديث حامي الوطيس.
بعض الكتاب أو من ألف منهم كتابًا أو كتابين، أو رواية أو روايتين، يعلن أنه يعقد دورات لفنون الكتابة، وبمقابل مادي، لأنه رأى عقولا طامحة وصغارا تراودهم الأحلام ويتمنون أن يكونوا كتابا بارعين، فإذا به يستغل هذه العاطفة وهذا الطموح ليجني المال من وراهم.
ويسارع المساكين، ظنا منهم أنهم سيكتسبون من المهارات ما يجعلهم كطه حسين أو العقاد أو أنيس منصور ويوسف إدريس.
وهؤلاء الجشعون الخداعون الذين لا يهدفون إلا جمع المال، إنما يجنون مالا حراما، لأن ما يفعلونه نوع من الخديعة المزيفة، التي يعلمون أنها لن تُكسب المشاركين بأي مهارة.
هناك فعلا مهارات في الكتابة، وبعض الأسرار والفنون، ولكن صدقوني مهما قيلت لك أو عرفتها، فلن تستطيع تطبيقها إلا عن طريق واحد سأخبرك عنه في نهاية المقال.
بعض هؤلاء الكتاب محترمون جدا ولهم هدف نبيل وربما يقررون مبلغا زهيدًا حتى يعوضوا فقد أوقاتهم التي تذهب مع المتدربين، لكن أهل الجشع من كتاب لا رحمة لهم، يفرضون مبالغ ضخمة، يضحكون بها على بعض العقول التي تقيس قيمة الشيء بعلو ثمنه.
لكنه في النهاية سيدفع ويكتوي، ولن يستفيد إلا بشيء واحد وهو، فرحته بشهادة لا قيمة لها، تقول في سطورها إنه قد حضر دورة الكاتب الفلاني، أما لو نظر إلى نفسه وسألها: هل تطور في شيء، هل أنتج شيئا؟
فلن يجيب.
ولعلنا نطرح سؤالا مهما وهو هل حضر طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس، دورات تدريبية لتعلم الكتابة؟
أبدا ورب الكعبة لم يحضروا من هذا شيئا، ولم تأتنا من آثارهم شيء من هذه الأنباء.
فما العمل إذن وما الحل، وما الطريق الذي يسلكه من أراد أن يكون كتبا؟
وهو السر الذي أخبرتك في أول المقال أني سأخبرك عنه.
يا أخي الكاتب، ويا أختي الكاتبة، الكتاب وحده هو المدرب والمعلم، القراءة وحدها هي التي ستعلمك وتلهمك وتطور من قدراتك، كل كاتب لا يقرأ ويريد أن يكون كاتبًا، فهو كمن يريد أن يعبر بحرًا كبيرا متلاطم الأمواج، بلا قارب أو سفينة.!
وهل يعقل هذا؟
أبد والله لا يعقل.
إن سفينتك وقاربك وصاروخك الذي تندفع به للأمام هو القراءة، وبدونها لن تصل إلى شيء حتى ولو قام العقاد نفسه من قبره ليدربك، ويصمم لك ورشة في الكتابة فلن تكون كاتبًا.
أعرف أن هذا الكلام سيحزن بعض أصدقائي الذين أحبهم لكني لا أقصد إلى هذا أبدا، ربما يكون هناك فعلا من الكتاب المبتدئين من يحب التعرف إلى بعض الخبرات التي تنقصه، فيستفيد منهم، وربما ترشده هذه الدورات لبعض الكتب وتؤكد عليه ضرورة القراءة والاستفادة منها.
لكن كثيرا من الحالمين لا يقرأ ويظن أن الدورة سحر سينقله إلى درجة الكاتب القدير في غمضة عين، دون أن يتسلح بثقافة ولا معرفة.
وقد كنت دوما أقول للمتدربين: إن الدورة لن تقدم لكم شيئا، العمدة الأولى على عاتكقم أنتم، وبكم وحدكم يتحقق حلم الكاتب.
القراءة ستعلمك المعاني والمفردات والأسلوب، والطريقة والحوار والكلمات، القراءة ستلهمك الأدب والحس والعبرة، وتشكل عقلك ووجدانك، ثم ترى بعدها قلمك وحده ينطلق في دنيا الكتابة.
هذه نصيحتي لمن أراد أن يكون كاتبا بلا دورة ولا ورشة.. فهل من مصدق وهل من واع وبصير؟
هذا المال الذي ستدفعه في دورة من الدورات، اذهب إلى أي مكتبة واشتري به جمعًا من الكتب، واقرأ فيها ، وهي وحدها ستكون كفيلة أن تعلمك كل شيء.
حتى من يؤلف في أسرار الكتابة ودهاليز الكتابة فلن يفيدك بشيء طالما لم تكن من القارئين.
ولهذا حينما ألفت (كتابي دهاليز) الكتابة، لم يكن كتابا تدريبيا في المقام الأول، وإنما استطعت أن أخدع به كل مهووس بكلمة الدورة والورشة والتدريب، وجعلت منه كتابا أدبيا ثقافيا في المقام الأول، فمن يقرأه سيتعرف إلى بعض الأسرار، لكن هذا لا يهمني، فما يهمني في المقام الأول أنه سيخرج بحصيلة ثقافية وأدبية قوية.
بعض صغار السن مهما تُقدم لهم نصحًا أو رشدًا فلن يستمعوا إليك، وذلك لأن أحلامهم وطموحاتهم تعمي عقولهم وآذانهم وبصائرهم.
وأعرف أن هذا المقال لن يبلغ من تأملهم شيئا، ولكن عليهم أن يخوضوا التجربة حتى يتبينوا.
إنها مشكلة الأحلام والأماني التي تداعب خيالهم الغض الطري، وهي ذات المشكلة التي استغلتها بعض دور النشر التي لا هم لها إلا جني المال على حساب أحلام الصغار، فكل ناشئ حلم عمره أن يرى لنفسه كتابا مطبوعا يحمل اسمه، حتى ولو كان على درجة هابطة، ولم يصل بعد للمستوى المطلوب ككاتب قدير.
فرملوا أحلامكم أيها الناشئون، وأقبلوا على القراءة والثقافة، فهي المعلم الحقيقي والمدرب الحقيقي والمؤهل الصادق الذي سيحمل أحلامهم على طريق الواقع.
ثم بقت كلمة مهمة.
من أنت يا أخي حتى تدرب الناس على الكتابة، وتبصرهم بفنونها.. ربما لديك بعض المهارات التي حاولت تجسيدها إلى مفاهيم ومعلومات وإرشادات، لكنك صدقني، لا ترتقي أبدا أن تحمل نفسك هذا الاسم الضخم في ميدان عظيم لا يقوى عليه إلا أشاوس الثقافة والأدب والمعرفة.
أرجوك لا تحزن من مني وتقبل قولي ونقدي، فأنا لا أريد إغضابك وإنما أريد فقط أن يتثقف الجيل ويعرف الطريق الحقيقي لنضوجه.