هل تخيل أن يكون هناك قوم يعتقدون في مثل هذا الرجل، أنه قطب الأقطاب وولي الأولياء، وقبلة الساحة الأحمدية؟
نعم هناك قطاعات كبيرة جدًا من المنتسبين إلى الصوفية، يعتقدون في هذا الرجل الذي ظهر هذا العام فجأة وذاع صيته على السوشيال ميديا وانتشرت صورته كمادة للاستنكار بين قطاعات المشاهدين والمتابعين.
ولعل هذا المشهد أعاد إلى ذهني ذلك التساؤل المحير الذي طرحته قديمة على نفسي وعلى كثيرين غيري: لماذا لا يُظهر التصوف نفسه ويعلن البراءة من هذه المشاهد المحزنة المخزية، التي تفسد ذوق الطريق وتشوش على قناعة الناس به وسلامة منهجه؟ لماذا لا ينكرون مثل هذه المظاهر الخرافية الوهمية التي تثير في ظن الكثيرين تعبيرا عن التصوف ورمزا يرمز إليه ويوحي بطبيعته.
لكنك لن تجد صوفيا واحدا مهما بلغ من العلم والفهم أن يتجرأ ليعترض على هذا المظهر الشاذ، بحجة الأحوال الصوفية -مالك وماله؟- دعه في شأنه- لعله صاحب حال مع الله.
وليكن هذا الرجل يا سيدى من أعظم الأولياء، لكن الاعتقاد في مثله شيء محزن، وظهور طوائف عديدة تعظمه وتعتقد فيه مصيبة عقدية..
ومنذ فترة ليست بالبعيدة ظهر رجل مثله (ابراهيم أبو حسين) ينطق بكثير من الخرافات، ويدعي أنها المدد الالهي، وكلما زاد في التخاريف كلما هلل أتباعه الذين التفوا حوله بالعشرات بل وربما المئات، بل كان منهم أساتذة جامعيون، يعتقدون فيه، ويرونه صورة من العلم اللدني في القرن الحادي والعشرين.
هل تتخيل أن هذا وأمثاله إذا أمروا أتباعهم بأمر أو طلبوا منهم توجيها اتبعه الالاف ونفذوا مطلبه، وكأنه وحي من السماء؟ ولم لا؟ وقد برر من قبل وجوده الشرعي حينما ذكر أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "رُب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره" مقصود به هؤلاء الدراويش الذين يتمايلون مدحا وينتشرون في ساحات الأولياء الصالحين.
إن الصوفية الحقة والمنتسبين إليها عليهم واجب عظيم ومسؤولية كبرى في توعية المريدين بالتصوف السليم المستقيم، عليهم أن يكونوا حائط صد أمام هذا الهراء الذي يخترق جدار التصوف، ويفسد طبيعة الطريق.
الرجل السبعيني، أو كما يسمونه عم "سيد المسكين" ليس مجرد زائر، بل هو بواب مقام السيد البدوي منذ 4 عقود، حيث ترك زوجته وأبناءه الأربعة في مسقط رأسه بمحافظة قنا، ليعيش على الكرامات والنفحات التي يقدمها له زوار السيد البدوي، كما يقضي الرجل عدة أيام متتالية دون طعام، لا يشعر خلالها بالجوع، مؤكدًا أن "غذاء الروح" الذي يستمدّه بمجرد جلوسه بجوار المقام يغنيه عن غذاء الجسد.
فإنه يرتدي هذا الزي المميز اعتقاداً منه أنه هو الزي الذي كان يرتديه السيد البدوي نفسه منذ ما يزيد عن 1200 عام، موضحا أن هذا اللباس هو انعكاس لـ "حالته" الخاصة في حب شيخ العرب.
وعند سؤاله عمن ينادي، يجيب بكل يقين: "بنادي علي سيدي السيد البدوي".
لا يقتصر دور "المسكين" على الجلوس بجوار المقام والذكر، بل يؤكد أنه لا يبرح مكانه إلا بإذن يأتيه من شيخ العرب، ويوضح أن هذا الإذن يأتي على هيئة "ذبذبات وأحاسيس داخلية لا يشعر بها سواه"، يترجمها إلى أوامر بالخروج لخدمة أولياء الله الصالحين في أماكن أخرى.
الرجل إذن يقتات على هذه الهيئة، ويجد العقليات الضحلة التي تقتنع به وتمده بالنفحات والأموال، تبركا وقربًا لحارس السيد البدوي، وأتوقع إن مات هذا الرجل في المستقبل، أن يقيم له السذج مقامًا وضريحًا يدرون حوله ويسمونه ضريح حارس البدوي، ويصير قبلة الزوار، وربما يقام له مولد أخر كما للبدوي مولده الكبير.








































