منذ الأمس استطعت أن أدرك بعمق مأساة النبي صلى الله عليه وسلم في معاناته مع المشركين، حينما كان الحق واضحا أبلجا، وهم يجادلون ويمارون إما جهلا أو عصبية.
بالأمس استطعت أن أقف على حجم الإرهاق حينما يتحجر العقل ويخاصم الأضواء، وتقف الحواجز العالية بينه وبين الفهم السليم.
بالأمس عرفت فعلا وواقعيًا معنى وتفسير بعض آيات القرآن الكريم التي وصفت المشركين بحجرية العقل وعمى البصيرة عن رؤية الحق أو قبول الإنصاف والصدق.
ما حدث من مناقشات في مقالي السابق أصاب المرء بالدهشة والعجب والغرابة، والمحزن أن من وقعوا في سوءة العصبية والعماوة، وتسربلت الغشاوة على أفهامهم وعقولهم، كثير منهم من أصحاب العلم والشهادات العلمية والشيوخ ودكاترة الأزهر.
بل المريب أن أكثر من معلق كان يكتب ويقول: إلى الله الموعد، وبصيغة مختلفة: الموعد الله.. وموعدنا الله
وكأنني والعياذ بالله أخطأت في القرآن الكريم، وطعنت في السنة النبوية، وأسأت لمقام الصحابة الكرام، أو ألحدت في تعاليم الله، أو أهلت التراب على أعلام الإسلام من علمائه المصلحين
أنا رجل كل غايته أن يعظم الإنصاف، ويظهر الحق ولو على حساب نفسه وانتسابه الأزهري، ومن المعلقين من حاول التفلسف بأن عقدي لمقارنة بين شيخ أزهري فاجر، وبين شيخ سلفي يوحي للأذهان ويصور لها أن الأزهر بغيض، والسلفيون أسما وأرقى.
ومن أصنام الأزهر من تخيلوا من كلامي أنني من أبناء التيار السلفي، ونعتوني بالوهابية، وانساق بهم الفجور والسفه لسب الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه، الذي أحيا السنة وقمع البدعة، وكانت له جهوده التجديدية التي أشاد بها مفكرو الأزهر الكبار، وعلى رأسهم الدكتور محمد عمارة وغيره، بل عليهم مراجعة تاريخ الجبرتي ليروا ويقرؤوا ماذا قال الجبرتي في الدعوة الوهابية ورجالها وغايتها.
أظهر المقال أزمة في كبيرة في الفهم والوعي، وأزمة كبيرة قبل هذا في الإنصاف الذي يمثل الخلق والضمير والتربية، وكان الأولى بهم أن يعيبوا كتب السنة الصحيحة التي روت وسجلت أن من الصحابة من زنى وسرق، وكان الأجدر بهم وبنفس التشنج أن يقولوا مستنكرين: إن روايتك لهذه الأحاديث توحي للناس أن الصحابة زناة وسراق ولصوص.!
عجبا عجبا ما هذا الفهم الأخرق، وما هي العقول الضيقة المتقزمة؟!
سارع أحدهم ليهدم قامة الحديث الشيخ الألباني، واعتمد على أن الرجل أخطأ في بعض الروايات، وحاول أن يصور هذه الأخطاء التي لم تكن إلى مجرد اجتهاد يؤجر عليه، بأنها فضيحة مدوية يمكن لها أن تخرجه من زمرة العلماء، ثم حاولوا الانتصار للأزهر الذي يطغى علمه على كل علم، بأن في الأزهر من هو أسمى وأعلم وأرقى منه علما وقدرة وفهما وهو سماحة الشيخ الدكتور أحمد معبد، وسرعان ما أدرج المعلقون مقاطع مرئية للشيخ معبد، وهو يشيد بعظمة الألباني ودخوله لفن الحديث قبل أن يدخل الفن للأزهر بعقود كمادة مدروسة، وبيّن اختلاف المحدثين في مسائل التضعيف واجتهاداتهم فيها بأنها شيء مختلف فيه، وأعلن هن هذه الاجتهادات للشيخ الألباني قليلة جدا، بل من المذهل أن بعضهم ذكرني بالشيخ أحمد عمر هاشم وهو من أعلام الأزهر في الحديث، والذي كان يتحدث في برامج إذاعة القرآن الكريم، ثم يروي الحديث ويقول في النهاية صححه الألباني أو حسنه الألباني.
حتى ولو كان هناك من يتحمس للأزهرين ويحكم بشاهق علمهم في الحديث وتفوقهم على الألباني، يبقى شيء مهم هو مسار الحكم الأول، وهو التراث الذي خلفه كل منهم، فمن من علماء الحديث في الأزهر والدنيا كلها، خلف وأنتج تراثا علميا ضخما كما خلف الألباني لدينه وملته؟
لا يوجد.
ولكن العقول تصر على التعامي وتدفعها عصبية جوفاء مشوهة لا تليق بأصحاب العلم والنظر السليم.
وعلى جانب آخر.. سارع أبناء التيار السلفي ليهاجوا الأزهريين الذين نفوا صفة العلم عن الألباني، وسبوا ابن عبد الوهاب، وقد تبين لي مظهر خطير في ساحة النقاش، حينما ظهر أن بعض الأزهريين أكثر تشددا وسبا وشتما من بعض أبناء التيار السلفي، وهذه لا شك آفة لا تخدم الإسلام في شيء.
وبعضهم قال لي: لا أحب الجدال، ولكن أي جدال أيها العالم الفذ، ونحن نتناقش في أمر علمي، يمكن أن نصل في نهايته للاختلاف ولكل منا طريقه الذي يحترمه الآخر، والحق الذي غاب عنك وكان يجب أن تنطق به وهو أن تقول: لا أحب الهزيمة، أو لا أحب أن يخالفني أحد الرأي، هذه هي الجملة التي كان يجب بك ولك أن تنطق بها.
المقال الذي كتب في غايته الكبرى، كان يسعى إلى احترام العلماء قاطبة، ونبذ التعصب للمؤسسات والجماعات، والانتصار للحق وحده، لقد كان مقالا أخلاقيا فكريا في الدرجة الأولى، يدفع أبناء الدين على الطريق القويم، الذي يسيرون به في التعامل مع بعضهم البعض، بلا تحقير أو تقليل، ولكنه للأسف، بدلا من أن يؤصل لهذه الغاية لم تستطع الأكثرية أن تتنازل عن عصبيتها، ونسيت غاية الكلام، ورمت بنا في واد آخر، ويبقى السؤال المهم؟
هل يمكن لهذه العقول التي تنافرت أن تصطف يوما للصد عن دين الله والدفاع عن حرمات الإسلام ضد العلمانيين واليسار والملاحدة؟ أعتقد أنه لو حدث، فإنها ستكون صفوفا تحمل في راياتها غيوم الهزيمة النكراء، لأن الأجساد متوحدة والقلوب متنافرة.
وبعضهم لم يقرأ إلا العنوان وبضعة أسطر، ثم شرع بذكائه الموهوم للرد العنيف بتجن واتهام.
لقد كشف المقال عن مأساة نفسية وعلمية وأخلاقية، تحتاج إلى سنوات من التربية العنيفة، لتزيل هذه الألغام من العقول العطنة.
عالم مسلم لكنه غير مصري، تفوق في علم من العلوم، وشهدت له الدنيا كلها، فماذا يضيرني في هذا، هل تعميني الغيرة للأزهر أن أجرده وأحرمه من قيمته العلمية التي أنعم الله بها عليه، ولو أنني مسلم فاهم وعاقل، لأدركت أن تفوق هذا العالم نصرة للإسلام ودعما قويا متفردا للدعوة، وكان الأولى بهم أن يغيروا من البخاري ومسلم وكل علماء الحديث من أصحاب الكتب الستة، فلا يوجد فيهم واحد من مصر بلد الأزهر.!
بقيت إشارة مهمة يجب التنويه إليها بقوة وهي أنني حينما ضربت مثلا في مطلع كلامي بالآيات التي تتحدث عن المشركين في عنادهم وغباوتهم، وعنادهم، لا يعني هذا أنني أتهم النقاد والمتحاورين بالكفر والشرك، وأنا متأكد أن هذه التهمة ستوجه إلي لو لم أتداركها، فيبدو أننا لا نناقش عقولا، بل نناقش جماجم ملأتها الأهواء والإحن والضغائن والغباءات المدومية، ثم ترفع بعد ذلك شارات العلم وترتدي عمائم الدين.