حدثتني أختي أنها رأت رجلا درويشًا يمر من شارعهم ويجلس على الأرض أحيانا، يهيم في ملكوته الخاص، ويتحدث بكلام بعضه ذكر الله والبعض الآخر تشعر معه أنه يعيش في عالم ليس من عالمنا في شيء.. لقد ارتسم الرجل في معتقدها أنه ولي الله والدرويش المبارك، حتى أن الناس كانوا يعطونه نقودًا ويرفضها وطعاما فيأباه، وأرسلت هي إليه زجاجة ماء بارد فقبلها، لقد رأيت في أختي رغبة عارمة أن تنزل من بيتها لتتمسح بطرف ردائه وتنال بعض بركته.
وأقول: إن بعض الناس قد ذهبت عقولهم وصاروا مسلوبي الإرادة ونحن مأمورون من قبيل التراحم والتواصي بالبر أن نحسن إلى عباد الله خاصة الضعفاء منهم، أما أن نكلف أمثالهم مالا يطيقون من المواقع والوظائف والصفات والمقامات والرتب، ونجعل منهم رموز الولاية وأقطاب الدراية، فهذا نوع من التهريج، إن الولي العارف لا يكون إلا من توفر لديه عقل يعرف به ربه، وإدمان على العبادة يرتقي بها إلى مصاف الصالحين.. وطهارة روحية دله عليها يقينه الوارف، أما الشاردون الذاهلون فهم أناس طيبون لا شك، لكن ما أبعدهم عن معنى الولاية.
ولا أعلم من أين نبعت فكرة الولاية (المستقذرة) في أذهان كثير من الناس حتى المتعلمين منهم، ولا أدري من أين تسرب هذا الفهم الغريب على إلى الرؤى والعقول؟ وأقصد بكلمة المستقذرة أن أحدهم يرى رجلا ذاهلا تائها رث الثياب مبعثر الهندام مهملا في مظهره، يجلس في أي مكان، وربما يخالط القذى والنجس ولا يبالي، ويتكلم بكلام غير معروف أو مفهوم، فيخيل إليه أنه من أهل الله العارفين المخبتين، وأنه الدرويش الذي تُقبل دعوته وتحل بركته، ويقصد في الحاجات، ويستسقى به الغمام، ويستنصر به على الأعداء، وتحل بوجوده وحضوره تباشير الرضا والقبول؟!
أفهام غريبة ما روج لها إلا الجهل والإيمان السحيق بالخرافة والبدعة والشذوذ الفكري النابع من نبت العماية العقلية.
وهكذا كلما اقترب هذا المزعوم من غرائب الفعال وتدنس بدنس الأوحال، كلما كان من الصفوة المختارة من عباد الله، حتى لو علقت النجاسات بثوبه، فلا يدري بها بالا ولا يعي حالا، فهو في أعين -المخابيل- وليا ودرويشًا يهيم في دنيا الله.
ربما يظن بعضهم أن تلك الصورة نابعة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه" والحق أن الحديث بمعناه في واد وهذه الظنون في واد غير واد الحديث، والمعنى المقصود فيه أن الله يُكرم عباده المتقين الضعفاء الذين قد لا يحظون بالتقدير عند الناس، ويصف الحديث شخصًا مظهره يُشبه الفقير والمنهك بسبب شظف العيش "أشعث أغبر"، ويُستقبل بالدفع والإعراض من الناس "مدفوع بالأبواب"، ولكن مكانته عند الله عظيمة لدرجة أن قسمه يُبرّ، أي أن الله يستجيب لدعائه ويحقق له ما أقسم عليه، ثقةً بصدقه وتقواه.
إن هذا الفهم المعوج أكثر ما تجده عند بعض الصوفية الذين يميلون ويستعذبون هذه المشاهد ويؤمنون بها، بل وغير الصوفية كذلك في كثير ممن غرهم هذا الظن العجيب الغريب، وهم جميعًا يفعلون هذا في الوقت الذي جسد لنا فيه الإسلام صورة الولي الصالح على أكمل ما يكون المرء عقلا وفعلا وتصرفا ورشدا وقولا ومظهرًا.
لا يمكن لأحد أبدًا أن يحكم على كلامي بالخطأ إن قلت: إن صورة المسلم الصحيحة والولي الصادق، هي التي جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الميامين، الذين كانوا أعقل البشر وأكملهم في كل شيء، لم نسمع أو نقرأ عن أحدهم يومًا أنه كان من الذاهلين المغيبين، أو أنه كان من الذين يسيرون في الشوارع هائمين زائغين يتكلمون بكلام مخلوط بين العقل والجنون، مهملون في أنفسهم وملبسهم ومأكلهم وحضورهم، أشباه البله ومسلوبي الإرادة.
لقد كان الصحابة الكرام وسائر أئمة المسلمين والسلف الميامين، مجاهدون عاقلون يعرفون وظيفتهم في الحياة ويقومون على عبادة ربهم وهم يخوضون ميادين الدنيا بكل وعي وفهم وإدراك، وهم المثل الذي يجب أن يكون حاضرا في الذهن إذا ما أردنا أن نصف وليًا أو نعرف صفيًا.
قرأت مرة أن الحافظ ابن حجر العسقلاني لما كان قاضي القضاة، مر يومًا بالسوق في موكب عظيم، وهيئة جميلة، فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار، وأثوابه ملطخة بالزيت، وهو في غاية الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته، وقال: يا شيخ الإسلام، تزعم أن نبيكم قال: الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. فأي سجن أنت فيه، وأي جنة أنا فيها؟ فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم، كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم، كأنك في جنة، فأسلم اليهودي.
وعلمت أن أبا حنيفة كان تاجرا كبيرا وماله كثير ينفق منه ذات اليمين وذات الشمال، ومع هذا كانت الدنيا تحت قدميه وملأ طباق الأرض علما وخدم دينه بأكثر من 80 ألف فتوى أفتاها، فعل هذا الفعل العظيم دون أن يكون رث الثياب أو مقطع الإزار.. إ، العارف بالله والولي الصالح يمكن أّن أن يكون من الأغنياء ومن الميسورين، ومن المهندمين، بل يمكن أن يكون وليا ويسكن القصور، طالما أن الدنيا في جيبة لا في قلبه، أما هذا التصور المنحرف لأهل الله، فلابد فيه من إفاقة واعتدال حتى لا تتحكم فينا الغرائب وتكون عقولنا مطية للتخلف والبلاهة.








































