يعتقد الكثيرون أن معنى المطرب أو المطربة، هو معنى يعبر عن الخلاعة والمجون، لأن حياته تعنى بكلمات الحب والعشق والغرام، ناهيك عن الموسيقى وآلات الطرب التي يأخذ الدين منها موقفا مُنكرا لا يروق لكثير ممن تسحرهم الأغاني ويعكفون على سماعها ليل نهار.
لكن هل تتخيل أن تكون هذه السيدة التي سحرت بصوتها آذان الشرق كله، كان ارتباطها بالقرآن وثيقا إلى حد تعبر عنه بأنه أستاذها، بل كانت لها تعبيراتها التي تعظم الإسلام ونبيه وكتابه وأمهات المؤمنين إلى الحد المدهش الذي لا يجب أن نغفله من سيرة هذه الساحرة.
في سؤال وُجه لها : في حياتك فنانون كثيرون كان لهم تأثير على شخصيتك وفنك، فهل يمكن لنا أن نعرف من منهم يمكن أن نسميه باسم (أساتذة أم كلثوم)؟
وهنا تبتسم السيدة ابتسامة كما وصفت مشرقة، وكأن السؤال ذكرها بذكرياتها القديمة لتقول: "أول أستاذ لي هو القرآن الكريم، لقد قرأته وحفظته وتعلمت منه شيئا أعتز به دائما هو "سلامة مخارج الألفاظ" وهي مسألة أساسية بالنسبة لأي صوت، فالمطرب الذي لا يعرف مخارج الألفاظ بدقة لا يستطيع أن يصل إلى قلب المستمع، ولا يستطيع أن يؤدي أداء فنيا سليما"
ما أروع ما قالت وما أجمل ما ذكرت بل ما أصدق ما أشارت فالقرآن الكريم أستاذ الجميع، ومدرسة القاصدين، ولقد بح صوتي للأدباء الجدد وأنا أناديهم بالعناية بالقرآن حتى ينتجوا أدبا رصينا على غرار الأدباء القدامى الذي كانوا يصرحون ليل نهار بأن القرآن الكريم هو من شكل ذائقتهم الأدبية، وله الفضل الأول فيما وصلوا إليه من فخامة التعبير، وروعة البيان.
بل كانت تقول: " ساعدني أبي منذ صغري على قراءة القرآن وحفظه وفهمه، وكان إلى جانبي في بداياتي يوجهني التوجيه الصحيح"
بل يقول عنها أحد الكتاب:
"لا شك أن تجويد أم كلثوم للقرآن قد أعطاها القواعد السليمة في اختيارها لما تغنيه وهو أمر لم يتوفر لأحد من المطربين أو المطربات المعروفين فيما أعلم"
كان هذا جانب القرآن في حياة أم كلثوم وتعليم وتميز أم كلثوم، وماذا بعد؟!
يقول لها السائل: من هو الإنسان الذي ترين فيه بطلا أو نموذجا للإنسانية؟!
ويا ترى كيف وبماذا تجيب أم كلثوم، هل يمكن لها أن تنافق أو تداهن لتقول : الرئيس جمال عبد الناصر، لتنال المزيد من الحظوة والتكريم، أو ترد بعض الدين لهذا الرجل الذي اعتنى بها عناية خاصة؟
أبدا أبدا فلم يكن هو النموذج الذي استقر في اختيارها ليتحل هذه المكانة وإنما قالت وبكل صدق: " بالنسبة للرجال فإنني أعتبر " محمدا" صلى الله عليه وسلم أعلى مثال للإنسان، Yنه نموذج رفيع في السلوك والضمير والإرادة، وأية دراسة لحياته تكشف عن جوانب لامعة وعظيمة.
ولهذا فأنا أعتبر محمدًا نموذجًا للإنسان، كل ما فيه يعلمنا الإنسانية الحقيقية.
كان هذا شأن الرسول الكريم في حياة، وعقل ورؤية الفنانة أم كلثوم، فماذا إذن عن عنصر النساء في انتقاءاتها؟
كان يمكن لها أن تشير إلى سيدة مصر الأولى أو إلى وزيرة أو أديبة شهيرة أو أي امرأة نابغة في زمانها لتعكس أنها مثقفة ومتابعة للشأن العلمي والثقافي، ومقدرة للإنجاز العلمي والحضاري، لكنها نحت كل ذلك جانبا وكانت أجدر سيدة نالت تقديرها هي أم المؤمنين خديجة، فذكرت أنها كانت نموذجا للبطولة النسائية الرفيقة، بطولة الروح والسلوك والضمير، بل قالت: أعتقد أن خديجة تصلح نموذجا رفيعا للمرأة في كل عصر، لأن العناصر التي تتكون منها شخصيتها عناصر رائعة، فهي مؤمنة لا تعرف التردد، وهي قوية الشخصية، قادرة على الاختيار والتصرف، وهي وفية إلى أعلى حدود الوفاء، غنها شخصية مثالية"
قد تكون مطربة متبرجة كاشفة عن شعرها، وقد تكون قد أحيت طريق الهوى والغرام الذي يشغل أصحابه عن الحب الإلهي والغراب الربوبي، لكني لا أعلم إلا أنني أحببت أن أظهر هذا الحال المجهول من حياتها.
جانب تربوي ديني قيمي مجهول في حياة أم كلثوم، التي أحبت القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد هذا كله نريد أن نتساءل: ما حال المطربين اليوم؟
وما علاقتهم بالقرآن الكريم؟
أعرف أنه سؤال غير منطقي من أساسه!
فحتى لو كانوا أقرب الناس من القرآن الكريم، فإنه قرب يجسد معنى البعد في أبهى صور التناقض، لما نرى ونعلم ونشاهد من مساخرهم ومفاتنهم التي لا يقبلها ولا الإيمان ولا يرضى عنها الرسول الكريم حتى لو أعلنوا تعظيمه.!