أقع في حزن بالغ حينما أجد مسلما أو مثقفًا يسير في الحياة وهو يعطي الأمان لكل من حوله، ويثق في الجميع غير عابئ بما مر على أمته وتاريخه من محن عاتية، وغير واع لما تعج به الساحة الثقافية من مهازل ومساخر وعدوان صارخ على تراثه ودينه وقيمه.
فتجد هذا المسالم والذي يبذر الأمان والثقة في كل جهة وكل مكان وطريق، يرفض يقظتك وصيحتك إذا ما نوهت بشر قادم، وأو مؤامرة ظاهرة، فيرد عليك هو قبل أن يرد عليك خصومك، وياللحسرة حينما يكون رده عليك ليدافع عنهم ويناصرهم وينفي عنهم كل ريب وشك وتهمة.
وهؤلاء الخصوم يعلمون علم اليقين أن هذا المسلم الغافل عن مقاصدهم، أكبر مكسب لهم في الساحة والمعركة.
فحينما هاجمت بالأمس مسلسل الإمام الشافعي، وانتقدت محاولة إيقاظ العامية المصرية التي لم يكن لها وجود في هذا الوقت، وإبرازي للأمر بأنه تزييف وتحريف، اعترض بعض الأصدقاء الأعزاء، بأن العربية الفصحى ذاتها لم تكن موجودة، وبالتالي لو أنهم وضعوها كلغة الحوار، فسوف يكون أيضا لون من التزييف.
والحق أن هذا الكلام غير مقبول، ويدور في منطق الأطفال، فنحن نريد أن نوقظ وعي المسلمين بدينهم ولغتهم وانتمائهم، ومحاولة اللجوء إلى لغات أخرى غير العربية الفصيحة يفسد ويضاد هذا التوجه وتلك الغاية، لم يكن وجود العامية أو القبطية هو الأساس في معترك المقال، ولكننا نلفت النظر إلى قضية كبرى ومعركة مشهودة لا ينثني عنها الأعداء ابدا ويتحينون الفرص لإشعال أوار نيرانها.
بل هي من وسائل الحرب على اللغة والدين معا والتي يتولى كبرها أناس نعرفهم بسماتهم وتوجهاتهم يقودون مسيرة الإعلام اليوم.
يقول الأستاذ العقاد: " وإنما يحارب الفصحى من يريدون محو هذه اللغة لمحو جميع المعالم التي ترتبط بها في العقيدة والأخلاق وتراث الفكر والثقافة"
انتهى كلام العقاد.. ولكن لو تكرمت أعد علي مرة أخرى من قائل هذا الكلام الذي يشبه ما نتكلم به اليوم؟
قلت لك: إنه العقاد.
الحمد لله إنه العقاد العملاق، فهو إذن ليس فكر عناصر إرهابية، ولا تنظيمات متشددة، أو جماعات محظورة، وإنما هو فكر العملاق العقاد، وكل مصري مسلم مخلص لدينه ووطنه وكتابه وهويته.
بل يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: " من أخبث المؤامرات لصرف المسلمين عن دينهم، الدعوة إلى تغيير الكتابة العربية وإن إماتة اللغة العربية تستتبع حتما موت الإسلام، فإذا ذهبت قواعد البلاغة، ثم قواعد النحو والصرف، ثم قواعد الكتابة آخر الأمر، فإن هذا التدرج منته إلى مستقره، وهو ذهاب اللغة نفسها، وذهاب الإسلام معها، إن أي تهوين في لغة الوحي هو تفريط مخوف العقبى"
قائل هذا الكلام من أعظم علماء الإسلام ودعاته وأفقههم، ولم يكن إرهابيا أو متطرفا أو محظورا.
إن من دافعوا عن وجود العامية المصرية في المسلسل، كانت غايتهم أن الأمر طبيعي وعادي ولا يدخل تحت باب المؤامرة ولا الكيد والعداء للدين والخصومة للتاريخ.. والدنيا كلها وردي وجميلة وأيام سعيدة ونادية.
ولعل هذه الأوهام القبيحة التي نغرق فيها اليوم بسبب نيتنا الطيبة زيادة عن اللزوم، هي التي جلبت لنا الهزائم، ومنحت أعداء الهوية الفرصة أن يوغلوا في الطعن والكيد، ماداموا يعلمون أن هناك من سيقف خلهم مؤيدًا مدافعا مناصرًا بالعبث والهراء والتفريط الجائر في معاني انتمائه وهويته.
وإني لأتعجب لمن يقول مثل هذا الكلام الناعم، ويظهر لنا أن الدنيا جميلة ووردية وناعمة هادئة، أتعجب له ألا ينظر ويرى ما تعج به برامج التوك شو، فكل يوم تجن صريح وهجوم سافر على القيم والدين والثوابت والقرآن.
ألا يأخذ باله شيء من هذا كله، ليتق الله ويعتدل عقله ويدرك أن هناك من يبغض دينه وهويته ولغته ويتآمر عليها... ألا تكون كل تلك المفتريات التي خرجت علينا في الفترة الماضية كفيلة أن تؤكد وتبرهن له، أن الدنيا فيها سواد يريد أن ينقض على النور؟!
أنا لا أعلم طبيعة هؤلاء المفرطون في حسن النية، الذين يرون مراجل أعدائهم تغلي ولن تنطفئ أبدا إلا أن تنطفئ شعلة الإيمان في مصر.
إن المسلم حينما يحيا في الدنيا وهو غير مدرك لمؤامرات عدوه، وغير محيط بتدبير خصوم ملته وأنداد هويته، فقد فرط كثيرا في مسؤوليته وواجبه، بل للأسف فرط في معنى وجوده. وهذا فكر وفهم تعلمناه في الأزهر وعلى يد علماء أشبربونا حب الإسلام.








































