مجانين هؤلاء الكتاب إذ يبلغ الهوس بأحدهم أن يتعلق كل شيء في حياته بالمداد والقلم، كل مناسبة وكل موقف وكل حديث، ينظر الناس إلى وقعه ومعناه وطبيعته، أما الكاتب فإن نظره يكون إلى وجود القلم من هذا كله، فالقلم والكتابة عنده كل شيء، بل قد يبلغ تعلق الكتابة من نفسه تعلقها بالشهيق والزفير، ومن جسده كالطعام والشراب.
ترى الناس جميعا إذا ما حل خطب أو دار حديث أو وقع فعلما.. في واد، والكاتب في واد آخر غير واديهم، إن عقله يمور مع الحادثة والمشهد، كيف يكتبه ويصيغه على الورق ويستخرج منه معنى فكريا أو أدبيا يروق له وللقراء.
وأعترف لك أنني قد أصابني ضرب من هذا الجنون، فلا يمر بي أمر من الأمور أو حوار من الحوارات أو حادثة من الحوادث إلا وأجد يدي تتحرك دون شعور لتكب ما رأت عيناي أو سمعت أذناي، لقد صار القلم عندي أهم شيء، أو قل تحول لشهوة ومتعة تُخضع كل الحوادث والأحوال من حولها لرغبتها.
حتى لو كانت المواقف مما يغضب الأصدقاء والمعارف وربما الأقارب، فإنني لا أستطيع أن أمنع نفسي عن كتابة كل ما يدور ونشره، والكتابة لا تكتمل متعتها عندي وعند غيري بمجرد حدوثها، ولكن النشر هو التاج الذي تزدان به دورتها ولا تثمر إلا به، بل هو المسار الذي يحقق متعتها ويكون الدافع الأكبر لهمتها والهيام بها.
وأنا هنا أتمثل قول العريان في أستاذه الرافعي حينما وصفه بنفس الحال الذي نتحدث فيقول عنه:" يرحمه الله لم يكن يمر به حادث يألم له، أو يقع له حظ يُسر به، إلا كان له من هذا وذلك مادة للفكر والبيان، وكأنما كل ما في الحياة من مسرات وآلام مسخر لفنه، فهي للناس مسرات وآلام، وهي له أقدار مقدورة ليبدع بها ما يبدع في تصوير الحياة على طبيعتها وفي شتى ألوانها، ليزيد بها في البيان العربي ثروة تبقى على العصور، وهو إخلاص للفن لم أعرفه في أحد غير الرافعي"
ولعل ما وصف العريان هو المعنى الذي أريد قوله وأدور حوله بالتمام والكمال، حين يصير قلم الكاتب قبلة يتجه نحوها كل شيء في الحياة.
وأنت في كثير من الأحيان تتهم هؤلاء الكتاب بالجنون وتتخيل أنهم يهزلون في مواطن الجد أو يجدون في مواطن الهزل، ويكونون في قمة فرحهم وقت الأحزان، وفي قمة حزنهم وقت الأفراح، وهذا كله ليس لأن عقولهم بها خلل، ولكن صاروا إلى هذا المآل لأن أقلامهم التي يريدون إرضاءها هي التي فعلت فيهم هذا الصنيع المريب.
انظر مثلا لكاتب كبير كالأستاذ توفيق الحكيم إذ يحكي عنه ابن خالته السفير عبد الحميد سعود قوله: " أذكر مرة أنه عندما ماتت جدتنا كان توفيق الحكيم متغيباً في الإسكندرية، ولم تشأ والدته - خالتي - أن تزعجه، فلم تبرق إليه بالخبر، غير أن توفيق قرأ نعيها في الجرائد فأسرع من فوره إلى القاهرة، ودخل علينا المنزل غاضباً أشد الغضب إذ لم نستدعه ليكون بجانب جدته خلال الساعات الأخيرة. وعندما ذكرت له والدته أنها لم تشأ إزعاجه، صاح بها: ليس في الأمر إزعاج على الإطلاق. وإنما أردت أن أكون بجانبها كي أستخدم وصف النزع الأخير ونحيب النساء والجنازة في إحدى رواياتي إن استدعى الأمر وهنا ثارت ثائرة أختي لما اعتبرته بروداً عاطفياً عند توفيق، ولعنت له أباه في وجهه، وطردته من البيت..!"
والحكيم بهذا التصرف لم يفكر في جدته التي فقدها، ولم يفكر في جلال الموت، ولم يفكر في مشاعر أقربائه الحزانى على الراحلة، حتى غضبه لم يكن حزنا على أنهم أهملوا إخباره كي يطفئ نيران الفقد والشوق للجدة قبل موتها، وإنما اتضح أن كل هذا الغضب الشديد لأن قلمه سيفوته مشهدا طبيعيا للموت يريد أن يسجله على الواقع بقلمه في روايته.. ويا له من برود رهيب، وقد حق لابن خالته أن تفعل به ما فعلت لأن ما فعله تصرف غير سوي ولا يستقيم أبدا مع حال الموت ولا مع موت قريب، ولكنه القلم يجعل من بعض أصحابه مجانين.
والرافعي نفسه على عظمته وجلاله كان أحيانا يصدر بعض التصرفات الغريبة العجيبة في بعض المواقف التي تفرض عليه أن يكون في مواءمة تامة لحالها، لكن الفكرة حينما تتولد ويطوف طائفها في خيال الكاتب، فإن القلم ينتشلة من الوجود كله إلى ساحة الورق ليسجل ما يلح بداخله.. إن الافكار في هذا الوقت تجسد صورة بركان يأكل بعضه ولا يخمده إلا أن يخرج متفجرا على سطح الأرض ويبدأ بعد هذا الخرج حالة من السكون والهدوء.
انظر لهذه الحادثة مرضت خطيبة ولده سامي ووافاها الأجل وماتت، فدعي الرافعي ليراها، فجلس إلى جانيها لحظات وهي تحتضر، وهو المجلس اذي كان سببا أن يكتب مقاله الشهير عروس تزف إلى قبرها !
وفي عصر يوم العزاء ذهب بعض معارفه وأصحابه ليؤدوا واجب العزاء فلما كان العصر في دار صهره والتمسوه فما وجدوه، وسألوا عنه فعرفوا أنه آب إلى داره بعد الجنازة و ترك المأتم والمعزين ليفرغ لكتابة مقاله قبل أن تذهب معانيه من نفسه.!
وهكذا يترك الواجب والعزاء ومشاركة الناس أحزانهم وانتظار من يأتي من معارفه لمواساتهم، لا يعبأ بأي شيء غير القلم والكتابة واستخراج المعاني التي تلح في الخروج من خاطره.
ألست معي أن الكتاب أحيانا مجانين؟!








































