ما أروع رسولنا الكريم وهو يعلمنا أن الإنصاف ونصرة الحق فوق كل اعتبار، بل يعلمنا أن قيمة الحق، تظل مكانتها العالية، بعيدة عن الأشخاص والأسماء والذوات، لأن الحق هو الحق، يمنح الشرف لكل من ينتسب إليه، وليس العكس.
انظر إليه حينما جاءه أسامة بن زيد رضي الله عنه يحادثه في أمر المرأة المخزومية التي سرقت، فرد عليه غاضبا منكرا بقوله: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟!
"والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يديها."
يال العجب.. أو تسرق فاطمة؟
أو يمكن أن تلصق السرقة بفاطمة.؟!
أو يمكن أن تقال مثل هذه الجملة؟!
نعم يمكن أن تقال، بل قيلت فعلا على لسان سيد الإسلام، لأن الدرس الأعظم الذي يريد منا أن نتعلمه هو، أن الحق فوق أي اعتبار وفوق كل الأشخاص.
وهو ما أكده علي رضي الله عنه فقال: اعرفوا الرجال بالحق، ولا تعرفوا الحق بالرجال.
سمعنا أن في الصحابة من سرق وأقيم عليه الحد، بل سمعنا أن في الصحابة من زنى وأقيم عليه الحد، وسمعنا أن في الصحابة من خان وحوكم في ذلك.
قف أيها المستمع وتأمل، فإنني أقول الصحابة.. فهل تعرف ما معنى كلمة الصحابة؟
يعني هذا رجال محمد، الذين قام الإسلام على أكتافهم وعلت رايته بجهادهم.
الصحابة أعظم الناس إيمانا ويقينا وقربا من الله، ومع هذا كان فيهم من سرق وزنى وخان.. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ليقول قائل: ياليت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخفى أمر الصحابة الذين فعلوا مثل هذه الأفاعيل، وحاكمهم أو عاقبهم في السر، حتى لا يعلم الناس، أن في الصحابة من أجرم، فيكون ذريعة في الطعن عليهم وتشويه صورتهم، وزلة يعيرون بها عبر التاريخ.
والحق أن القائل لمثل هذا الاقتراح، قاصر عقله، ضعيف فهمه.
لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يقدس البشر على حساب الحق والحقيقة، ومن هنا أعلن الحدود وأقام الدين، ولو على حساب أهله وأصحابه، غير عابئ بمثل هذه الترهات التي نجدها اليوم، كلما انتقدنا شيخا أزهريا أو رائدا من رواد الحركة الدينية، فنجد من يلومنا ويخاصمنا، لأننا منحنا العلمانيين والملحدين فرصة في تشويه المتدينين، والعدوان على الأزهر حصن الدين، حينما يحتجون بملامتنا للشيخ فلان و الشيخ علان.
ليكن الحق صريحا واضحا مقدما في كل موقف، غير عابئ بتربص الخصوم الماكرين، الذين يحقدون على طول الخط، سواء وجدوا فرصة أم اختلقوها.
بل كان أحد أساتذتي يلاحقني دوما كلما انتقدت شخصية من رموز حضارتنا وتاريخنا الإسلامي، ويقول لي بملء الفم: هل انتهيت من ذكر المواقف الإيجابية حتى تتصيد هذه الهنات؟
لماذا لا تظهر الوجه المشرق للتاريخ، حتى لا يكون ما تقوله حجة لذوي الأغراض.؟!
وأنا هنا وأمام هذا اللوم، أقتفي أثر النبوة أكثر ممن يلومني، حينما ساقتهم الحساسية المفرطة والقلق من المتربصين بالإسلام، أن يجافوا الحق، ويدعون لكتم الحقيقة.
منذ فترة قرأت في وحي الرسالة للأديب الكبير أحمد حسن الزيات، وتحت عنوان العقيدة الساذجة، موقفا عن أحد شيوخ الأزهر حيث قال: "تذكر معنى الزكاة في دين الله، ثم قل لي: أين منها ما كان يصنع أحد شيوخ الأزهر، وقد كان يملك في القاهرة شوارع بها عليها من البني عن شمال ويمين؟ لقد حدثوا أنه كان يجعل زكاة ماله كلما حال الحول في قفة؛ ثم يغطي الذهب والفضة بطبقة من الحنطة؛ ثم يأمر فيأتونه بأحد المساكين الذين يتكففون على حاشية الطريق، فإذا أدخل عليه قال له: (هذه زكاتنا يا رجل، آثرناك بها ابتغاء مرضاة الله)
فيدعوا المسكين ويهم بأخذ القفة؛ ولكـن الـشيخ قارون يريد أن يخفف عنه ويختار له، فيبادره بقوله: (وماذا تصنع بها يا رجل، وليس عندك من تطحن وتعجن وتخبز؟ أتبيعني إياها بكذا قرشا؟) فيلهج المسكين بالدعاء، ويبالغ في الحمد والثناء، ثم ينصرف بالقروش، وتعود مئات الدنانير المروعة آمنة إلى صدر الخزانة الحنون!"
وتخيل أنت اليوم لو أنني كنت من روى هذه الحادثة الصادمة وخرجت بها على القراء، لكنت قد واجهت عاصفة من إخواننا الأزهريين، يلومون ويشكون ذكري لهذ السلمةالتي تنال من الأزهر وتحط من قدر رجاله، ذلك لأنهم يقدسون الأشخاص والهيئات أكثر من تقديسهم للحق.
أما حجتهم في كتم الحق من أجل الحقدة الكائدين، فهو وهم كبير، لأن هؤلاء الكارهين يعيبونك حتى في أنفاسك، وينتقدونك حتى في هديك، وإذا أعجزهم أمرك، تقولوا عليك بهتانا وافتراء، فلم ولن تسلم منهم أبدا، أخطأت أم لم تخطئ، وعليه أقم الحق وعلى حساب نفسك، فالحق أحق أن يتبع.