الخشت في تصريحه الأخير عن الإمام الغزالي والإحياء، أوغل في الافتراء والتجني ظنا منه أنه لن يعترضه أحد.. لكن ما يجب أن ندركه بقوة أن الرجل فضح نفسه وعرى عقله، فكان أشبه بذبيحة سمينة وقعت فريسة للحراب الحادة من كل مكان.
ومن المثير للعجب أن يكون رأي الخشت الذي كان له من اسمه نصيبًا مع أني لا أعرف معناه، لكنني أشعر أنه شيء غير جيد، من المثير حقًا لو أننا وضعنا آراءه عن الإمام الغزالي في كفة، ووضعنا أمامها رأي العملاق العقاد تجوزًا عن ذات الإمام، لنرى ساعتها تباينا مريعًا.. ففي الوقت الذي يتكلم فيه الخشت بهذا العبث، ويتهم الإمام الغزالي أنه من أدى إلى استقالة العقل في الإسلام، فإننا نجد الرجل قد تجنى كثيرًا وافترى أكثر، لأن منطقة العقل تحديدا هي أبرز وأزهى ما برع فيه الغزالي، وكان على يديه هذا السقوط المدوي للفلاسفة، الذي هضم مادتهم وأتقن علومهم، وشرب طرقهم، وأفسد نظمهم.
أما الغزالي في حياة العقاد، فقد كان له من أمره عجبًا، فقد دلت الأخبار والشواهد أنه لا يوجد إنسان على وجه الخليقة أبهر عقل الأستاذ العقاد كما كان الغزالي، بل يعترف العقاد في كتابه التفكير فريضة إسلامية فيقول: "وعقل الغزالي هو أقوى عقل عرفته البشرية"
وعلى الخشت وكل من سار في دربه أن يتأمل تلك المقولة الرهيبة الخطيرة، والتي صدرت عن عملاق لا يمكن التشكيك في عقله وفهمه وذوقه، وإذا كان الخشت يرى الغزالي بهذه الصورة المجحفة، فلا شك أنه لم يفهم كتابات الغزالي كما فهمها العملاق العقاد ووضع الرجل في نصابه الصحيح، ومأساة الخشت الذي صادم قول العقاد بهذا الرأي، مأساته أننا لا يمكن أن ننحي أمامه رأي العقاد، لأن العقاد هو أقوى عقل عرفه العصر الحديث.
إن ما تفوه به الخشن أمر جلل لعلنا لا ندرك وعورته وخطورته واقترابه من الهرف والهرطقة إلا حينما نعلم كيف كان الغزالي في عالم العقاد العملاق، "كتب العقاد عام 1945 عن فرانسيس بيكون وعام 1950 أصدر كتاباً عن برنارد شو وبعده عن «بنجامين فرانكلين» ثم عن الزعيم الصيني «سن يات سن» وعن شكسبير عام 1958، وكتب باقتدار عن الزعيم الهندي غاندي، وعن محمد علي جناح مؤسس باكستان، وشعراء باكستان من بينهم شاعر الإسلام محمد إقبال، والدولة الباكستانية بين الماضي والحاضر، كما كتب ببراعة الناقد الحصيف عن برنارد شو في كتاب صدر عن دار المعارف في سلسلة «اقرأ» عام 1950 معرفاً بالكاتب البريطاني وحياته الشخصية ومذهبه في الفكر والأدب والفن عبر منظور واسع لدراسة عصره.. وفي مجال الفلسفة، كتبه عن أساطين الفلسفة اليونانية وفهمه لفكرهم بعمق كباحث متخصص، وتناول كذلك فلسفة ابن سينا وابن رشد، كما في كتابه الهام «أثر الثقافة العربية في الحضارة الأوروبية"
وهنا نقول: ليس من اليسير على الأستاذ العقاد أن ينبهر بأحد من الناس، أو بعالم من العلماء أو مفكرًا من المفكرين إلى الحد الذي يجعله يتلفظ بألفاظ وجمل، تبرهن عن إعجاب شديد، وانبهار جبار، وافتتان لا حدود له.. وحينما يكون العقاد بهذا الحال، فلا شك أن هذه العقلية كانت شيئًا خارقًا يفوق الوصف والخيال، لقد تناول العقاد كثيرًا من الشخصيات، وألف عن عدد من العلماء والزعماء والمفكرين الذين أعجب بهم وذكر أثرهم، لكن إعجابه بهذه الشخصية وصاحب هذه العقلية، كان شيئا مختلفًا تشعر معه أنه مع ما يلفظ به من مفردات الاعجاب الشديد لا يستطيع أن يوفيه قدره الذي يراه له والذي هو عليه.. إنه قاهر الفلاسفة، وماحق الفلسفة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، الذي أكبره العقاد أيما إكبار، حتى رأيناه يقول فيه أقوالاً لم نسمع بها من قبل، ولم يقلها فيه أحد ممن سبقه أو لحقه، وإن كان جديرًا بها أيما جدارة، مما يجعلنا أمام هذه الحالة العجيبة من الانبهار العقادي للغزالي، أن نعيد النظر في المواهب والملكات الخارقة التي يمتلكها الرجل الذي لا يعرف عنه الإسلاميون وقطاع المتدينين غير كتاب الإحياء، فهو إذن ليس مجرد عالم كالعلماء أو مصنف كالمصنفين، أو فقيها كالفقهاء أو صوفيًا كالصوفية، وإنما كان الرجل فيلسوفًا جبارًا لا يشق له غبار.
ثم انظر مرة أخرى إلى العقاد وهو يقول في كتابه (التفكير فريضة إسلامية) عن الامام الغزالي: "هو أحب المفكرين إلي وأقدرهم تفكيرًا على إطلاق"
وكتب في جريدة الاخبار في الستينات ينقل عن بعض علماء الغرب قولهم الفضفاض أن الغزالي: "أكبر مسلم في العالم ظهر بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه" ويذكر أنهم من مبالغتهم التقدير " يرفعون مقام الإمام الغزالي في منازل الهداية الروحية إلى منزلة تقارب منزلة الرسالة النبوية في بابها، لولا أن منزلة الوحي لا تدرك بالإرادة أو الاجتهاد" ثم يقول العقاد: "واعتقادنا في الإمام الغزالي أنه كما وصفوه، وإن جاز الخلاف في المفاضلة بينه وبين أقرانه من أئمة الإسلام، ولكننا نذكر الأسماء التي ترد في مورد المناظرة عند ذكر الإمام الغزالي، فلا نرى أحدًا يفوقه، بل لا نرى أحدًا يساويه في جميع مزاياه، وهي مزية العقل المقتدر، والنفس المنزهة، والاستفادة الخلقية، وصلاح المتصوف الزاهد، وعبادة التقي البصير، فما من قرين يدركه في جميع هذه الصفات، وإن كان من القرناء من يدركه في بعضها على تفاوت في سائر الصفات" وعن قدراته الفلسفية كان يقول: "لو سئل الغزالي هل أنت فيلسوف؟ لأنكر انتسابه إلى القوم الذين يبطل حججهم بالفلسفة، وحطم السلاح بسلاح مثله، بيد أنه أنفذ وأمضى، فهو على هذا فيلسوف أقدر من الفلاسفة الذين أبطل حجتهم، أو هو فارس في هذا الميدان أو في عدة من سائر الفرسان، والواقع أن حجة الإسلام رضي الله عنه لم تكمل له أداة قط كما كملت في الفلسفة"
كانت هذه بعض النقول التي تبرز لك وتريك، كيف كان العقاد منبهرًا بأبي حامد، وكيف كانت نظرته له؟ ولك أيها القارئ أن تتعجب حينما تعلم أن الأمنية الوحيدة التي كان العقاد يتجهز لها قبل موته، هي تأليف كتاب عن الغزالي، ولكن المنية عاجلته قبل أن تتحقق هذه الأمنية، وهكذا يكتب العقاد عن الكثيرين جدًا من الشخصيات والزعماء والقادة والمفكرين، ويزكيهم ببصمته، أما الشخصية التي بهرته وفتنته فلم يكن لها حظها من قلمه الذي كان أقدر الأقلام التي تسيح بنا وتهيم في عالم الغزالي.!
ولعل هذه الحالة التي وصل إليها العقاد هي التي تطابق وصف الامام الذهبي للغزالي في ترجمته له في سير أعلام النبلاء حينما قال عنه: "الإمام البحر حجة الإسلام وأعجوبة الزمان من كبار الأذكياء وخيار المخلصين."
بقي ان اعتذر للقراء بشدة انني وضعت قاحب هذا الغثاء في مقارنة مع العملاق العقاد، وأعرف أنني كمن وضع نملة امام فيل، او حصاة صغيرة أمام جبل شاهق واخد يقارن بينهما، وما هكذا يكون الصواب، لكن عذري الوحيد أنني اردت كشف الهراء مستخدما في سبيل هذا الكشف اشد ما لدي حتى تتحقق التعرية التامة لكلام عبثي يكتنفه ضلال وبهتان.
وأما الإحياء فإن القبح في رأي الخشت كان فيه أظهر وأقوى إذ ضرب بجهله أعظم كتاب هداية في حياة المسلمين بعد القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولعلي لا أناقش ردوده، ولكني أجنح إلى رأي أعلام المسلمين وتحديدا في العصر الحديث، والاحياء لم يكن عبر التاريخ بمنجاة عن النقد ولكن كل من انتقده ممن يعارضون مذهب صاحبه ويريدون أن يسقطوا له أي فضل وأي ارتياد، لكن المنصفين من العلماء المعاصرين أبصروا القيمة الحقيقية في الكتاب حينما رصدوا قدراته العظيمة في دنيا الهداية.
فمما يذكر أن الشيخ المراغي حينما نقل قاضيا شرعيا إلى السودان، ذهب إلى زيارة الأستاذ الإمام محمد عبده، فقال له الإمام: ماذا تأخذ معك من كتب العلم؟ فقال المراغي: أحمل الإحياء فرد الامام محمد عبده بقوله: نعم العدة في السفر.
وفي كتاب الحياة الربانية والعلم ذكر القرضاوي أنه ألقى محاضرة في الجزائر واستقى مادتها من الإحياء فأثرت في نفوس المستمعين تأثيرا كبيرا، فقال تعليقا على المشهد: ولا شك أن هذا من بركات صاحبه.
ونحن لا نبلغ بالأحياء مرتبة الكمال إذ فيه بعض الهنات التي يضعنا العلم الحديث أمامها في حالة من النكران، لكن كتب السلف لا يمكن أن يتم تقويمها بهذا الشكل وهذه الصورة المجحفة ففيها هدايات عظيمة لا يمكن نكران فضلها وعظيم تأثيرها، وهذه الهنات يمكن التنويه عليها في أي تحقيق يصدر في طبعات الكتاب، وأما مسألة الحديث الموضوع، فأرجوا من الخشت أن يراجع المحدثين في هذا الكلام حتى يكون كلامه علميا دقيقا بعيدا عن الشطح المريب والتخريف العجيب.








































