لكل منا نشأته وبدايته التي نهض في أحضانها واختمرت بها رؤاه، ومهما ذهب الإنسان يمينا أو يسارا شرقا أو غربا، تجده معلقا دوما بما نشأ عليه وتربى فيه من ذكراياته الأولى.
آثار ورواسب وثغرات وندبات في النفس والطبع والفهم والتأويل لا يمكن التخلي عنها أو الإفلات منها مهما طرأت عليك عوامل التغيير العقلي والنفسي، إنها يمكن أن تكون كالخيال الذي يلازم صاحبه في كل مكان، ليس بإنسان حقيقي له عقل وروح، ولكنه حركته وشكله التي تعبر عن وجوده.
انظر مثلا لمن نشأ في بيئة متدينة أو محافظة، ثم انتقل إلى بيئة أخرى منفلته منحلة، فإنك تجده رغم ما يحيطه من مظاهر التفلت ورغم انخراطه في كثير من أعماله وهيئاته، إلا أنك تجد شيئا داخليا يدعوه للاستقامه أو يندد بانحرافه، أو تجده يستحسن كل حدث متزن يراه أمامه، لأن ذاته مطبوعة في ابتدائها بهذا النمط الذي ينزع إليه بين الحين والحين.
حتى في حياة المفكرين والعلماء، تجد أحدهم إذا تحدث في لون غير الذي تخصص فيه وكان دراسته أول ما تلقاه من العلوم، فإنه يمزج علمه الجديد بما وسعه من القديم.
أهل اللغة مثلا او أهل الأدب حينما يتكلمون في الدين، فإنهم يغمزون علومهم في حديثهم الجديد، ويهتمون بإظهار آثارها في محتواه، وتفيدهم دراستهم في تناوله.
حتى أصحاب العقل وتلاميذ مدرسته لو انهم نصروا النقل فإنهم لا يتخلون أبدا عن حسهم العقلي الذي فطمت به قرائحهم، كما رأينا من الأشاعرة والماتريدية.
حينما تستمع للشيخ الشعراوي مثلا فإنك تجد أثر اللغة كبيرا في خواطره، وعليها اعتماد كبير في عملية التأويل، بعكس ما تسمع الشيخ الغزالي مثلا كمتحدث في الدين، حيث تجد التوجه مختلفا.
ثم إنك تنظر إلى التفاسير القرآنية على اختلافها وتنوعها، فتجد لكل منها موضوعا، فالفقيه يلون تفسيره بالفقه، وكذلك اللغوي والمتفلسف والمحدث.
نجيب محفوظ من الأدباء الذين تأثروا ببيئتهم ودراستهم، فعشقه للتاريخ الفرعوني أنتج روايات فيه، ثم تحول من التاريخ إلى الواقعية وانتج روايات: "القاهرة الجديدة" و"خان الخليلي" و"زقاق المدق" وهي شواهد البيئة التي عاشها.
بعض الأكاديميين إذا طلب منه الكتابة في موضوع، فإنه لا يكتبه بطريقة الأديب، ويكون اعتماده الأول فيه، على تقسيماته وتبويبه، والتعرج المنطقي في نتائجه، ليقودك فيه من خطوة إلى التي تليها، أما الاديب فإنه يعمد ابتداء إلى مخاطبة النفس والذوق، وقد يقلب النتائج ولا يعبأ بالترتيب، فيأتي بالنهاية لتكون في الابتداء، والنتائج قبل الأسباب، فغايته دوما نحو ذوق القارئ ومحاولة اجتذابه.
منذ زمان وأنا أعرف منهج الإمام الصوفي محمد زكي إبراهيم، وأعرف صيحته المدوية في دنيا التصوف التي كانت ترفض البدع وتمقت الغلو وتطارد الشطحات، كان الرجل ذو منهج صوفي متزن مؤمن أن منهجه الأمثل الذي لا يحيد أنه في الكتاب والسنة، وقد لقي الرجل هجمة عنيفة من لداته من المتصوفة الذين لم يرتضوا طريقه، ورفضوا سبيله، بل لجأ الأمر أن رفع بعضهم عليه قضايا أمام القانون لإقصائه من هيئات التصوف الرسمية، ولكن الرجل كان ثابتا قويا عزيزا واثقا من أنه على الحق والطريق المستقيم، وكنت أتساءل: لماذا رزق الرجل دون غيره بهذا المنهج الذي لم يقبل أبدا أن يكون كغيره من الطرق الصوفية التي قبلت بكثير من الشطحات الغريبة عن الإستقامة السنية، ولما قرأت مذكرات الشيخ أحمد حسن الباقوري عرفت أن نشأة الرجل الأولى هي التي أثرت في توجهه، فدخل التصوف ولم يستسغ ابدا هذه التصورات المنحرفة، وظل ملتزما بمنهجه الصوفي في زيه السلفي، ذكر الشيخ الباقوري أن الإمام محمد زكي إبراهيم، شق خطواته الأولى في جماعة الإخوان المسلمين، وتتلمذ على يد حسن البنا، وكان من أتباعه ومريديه، ولما ترك الإخوان المسلمين اتجه إلى التصوف، وصار رائد العشيرة المحمدية، لقد عرفت إذن لماذا جمع الرجل بين الطريقين، ولم يكن للخرافة مكان عنده أو قبول لدى أتباعه، ولماذا أعلن صوفيته المثالية التي كانت ترتقب بحذر أن يمسها أي سبيل من سبل العوج، فكانت صوفيته صوفية متسلفة، نفس كلمات ومنهجية حسن البنا التي كان يدعو إليها ويرفع شعارها لمن قرأ أدبياته وعرف أفكاره.
وهكذا في كثير من الحالات نجد آثار الإيمان الاول ناطقة شاهدة بوجوده، ولو كان صاحبه في بيئة وموطئ غير الذي كان عليه ونهض منه.








































