يحزن المرء كثيرًا حينما يرى عالمًا أو مفكرًا أو أديبًا يرحل عن الحياة، وتتبعه في الرحيل آثاره وأعماله، فلا تجد من يطبع كتبه أو يهتم بتراثه، وصار الناس لا يذكرون عنه شيئا وتحرم الأجيال القادمة من قراءة أعماله ومعايشة أفكاره، كثير من العلماء والمفكرين، ساروا في الحياة فرادى مستقلين، فلم يتبعوا جماعة من الجماعات تحمل أفكارهم وتطبع آثارهم بعد موتهم لأنهم يمثلونها، إنهم مساكين مأساتهم أنهم خرجوا من الانتماء الحزبي، فأسلموا أنفسهم لحالة اليُتم الرهيب.. أنصح كثيرًا من المؤلفين أن يدرجوا أعمالهم على الإنترنت، فلا يُبقوها مطبوعة، لأن الطباعة مضيعة محدودة الأثر، تنتهي مع موت صاحبها، أما الانترنت فأبقى أثرًا وأحفظ لتراث الكُتّاب، وحاميًا لها من الفقد والضياع، ويجعل كتبه متاحة لكل من يطلبها ويريد الاطلاع على أعماله، ويا ليت كل كاتب يتنبه للأمر خاصة إذا لم يجد من أبنائه من يهتم بأثره، وإذا أهمل الكاتب هذه النصيحة، فقد أهمل في حق نفسه وعلمه، وحرم الأجيال من معرفته والاستمتاع بإبداعه، وأنا واحد من الكُتاب، حينما أنتهي من تأليف كتاب ما لا أقذف به إلى دور النشر، ليطبعوا منه خمسين أو مائة نسخة ويظل حبيس رفوفهم لسنوات، وإنما أضع روابطه على الإنترنت كأسرع وسائل الانتشار والخلود، فلا يمر عام واحد، حتى أجده محملا بالآلاف، وبعض كتبي تخطى تحميلها أكثر من عشرة آلاف مرة، فهل ياترى كانت دور النشر كفيلة وقادرة أن تمنحني هذا الرقم المهول؟ وفي تجربة عظيمة لي مع شيخنا الراحل فضيلة الدكتور محمود عمارة رحمه الله الذي رحل عن عالمنا عام ٢٠١٦م واندثرت بعده كتبه التي تخطت خمسين كتابًا وعزت على الطلب لمحبيه وعشاق علمه، حيث قُمت برفعها على الانترنت ليسهل الحصول عليها، فتخطت عملية التحميل لأكثر من مائة ألف مرة، وهو عمل عظيم، ونتيجة باهرة، ما كان لها أن تحدث حتى لو كانت دور النشر تطبع كتبه إلى يومنا هذا.. وأنا أتعجب كثيرًا من تلامذة يحتفون بذكرى عالمهم، ولا يكتفون من البر به إلا أن يذكروه بألسنتهم فقط، ولم يندفعوا إلى إحياء كتبه ونشر آثاره، حتى يعرفه من حُرم معاصرته ورؤيته.. بل أحزن جدًا، حينما أعلم أن يعضًا من أبناء العلماء والمفكرين، من يتلهى عن العناية بنشر تراث والده الذي أصبح لا يتذكره الناس، وعلمت أن بعضهم يمتلك مخطوطات قيمة يحبسها عن النشر، ويمنعها حتى عمن يبدي استعداده لطبعها، ظنًا منه أنها كنز كبير يمكن في يوم من الأيام أن تدر عليه أموالا طائلة، ويظل يمني نفسه بهذه الأوهام، حتى يرحل هو الآخر وترمى الأوراق في سلة المهملات، لتمثل أقسى جريمة في حق العلم والفكر والأدب.. إن عملية الإحياء اليوم، صارت سهلة ميسورة لا تكلف شيئا لمن أرادها، فلماذا تتقاصر الهمم في بعث التراث المفقود؟ قد يقدم العالم والأديب والمفكر خدمة عظيمة للثقافة والمعرفة فيما طرح من علوم وأفكار، ولكن الجميل الأوفى الذي يطوق عنق الثقافة، يظل محفوظا للجنود المجهولة التي تقف بهمة خلف عملية الاستحياء والبعث الجديد








































