قال لي قائل: مالك تحدثنا دوما أن العقاد أكثر من دافع عن الإسلام في القرن العشرين، وكأنك لا تدري بموقفه من كتابي الشعر الجاهلي لطه حسين والإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، وقد دافع عنهما ورفض أي مصادرة للكتابين أو محاكمة لكاتبيهما، مما يدلل على أن العقاد لم يكن يمتلك الغيرة الكافية على الدين.
فكيف تفسر أن يكون مدافعًا عن الإسلام، وقد نصر كتابين يعيبا الثوابت الدينية؟!
وهممت أن أجيب على المعترض، ولكني قبل الرد أحببت أن ألفت باله إلى حقيقة مهمة فقلت له: أنت لو نظرت إلى المواقف العدائية من الرفض والمصادرة ورفع القضايا التي تطالب بعقوبة المؤلف وسجنه، لوجدت أنها كانت عبر التاريخ خير مروج للكتاب الذي يقوم عليه الاعتراض ويطالب البعض بحرقه والقضاء على صاحبه.
أي أن هذا الأسلوب يتسبب في شهرة الكتاب المرفوض والتمكين لأفكاره، ويغري العقول باقتنائه.
وهذا واقعيا ما حدث مع أكثر من كتاب ساقط أحدث ضجة عظيمة حينما قامت عليه قيامة رجال الدين وصادره القضاء، فكان الإيذان بميلاده الحقيقي وشيوع أفكاره الظالمة، ليتضح لنا من خلال ذلك أن موقف العقاد هو الموقف الأعظم والأمثل والأقوى والأحكم في حرب الأفكار لمنحرفة، حينما أعلن رفضه للمصادرة والرد على الفكر بالفكر.
كان هذا إذن منهج العقاد في حياته وإيمانه بالحرية، ولا يتعلق المر أبدا كما يتصور للقائل وغيره أن العقاد ضعيف الغيرة على الدين.
أو أن دفاعه عن الحرية الفكرية يعد تأييدا للأفكار المعادية للدين وانتصار لها كما جاء على لسان السائل.
ثم هناك نقطة أخرى مهمة وهي أننا إذا نظرنا في تاريخنا الفكري والثقافي إلى لك الكتب التي اتهمت بالضلال، نرى كثيرا من المفكرين والعلماء من ردوا عليها ودحضوا شبهاتها، ولكنها للأسف مازالت تطبع إلى اليوم ويتم الحديث عنها والترويج لأفكارها، ولا يعترف الطابعون أو يسلموا بهذه الردود الشافية الكافية التي أبطلت نظرياتها، لكنهم يطبعونها وهم يقولون بصوت عال: هذه هي الكتب التي تعرضت للمصادرة والقمع الفكري ووأد الحرية الفكرية، هذه الكتب هي التي حاربها علماء الدين الظلاميين المتحجرين الرجعيين .. يقولون هذا مع أن هذه الكتب غثاء لا قيمة له ولا عبرة فيه.
ولكنهم أذكياء جدا، فهم يدركون أن هذه العبارات هي التي تحاول أن تظهر هذه الكتب بأنها أفكار منقذة للبشرية ، وأن مؤلفوها أبطال عظام تصدوا للجهل والظلام والرجعية والتخلف، وما هكذا كانت الصورة أبدا.
لكننا وبهذا الأسلوب القمعي نجحنا في الترويج لهذه الكتب وإعطاء أصحابها وأنصارها الفرصة المضمونة لإشاعتها.
وبعد كل هذا يتبين لنا سلامة منهج العقاد ورأيه وبعد نظره، ناهيك عن غايته في تقديس الحرية.
بل يتبين لنا بجلاء أن الرجل لم يخالف منهجه الذي اعتمده في حياته للدفاع عن الإسلام، ولا يجوز أن يقال شيء عن إدانته لأنه دافع عن أصحاب هذه الكتب التي تضاد مفاهيم الإسلام، لأننا وحسب ما عرضنا ندرك بوضوح أن موقف العقاد لو أن الأمة أخذت به منذ وقت طويل، لكان أعظم انتصار للإسلام وهو يرى هذه الأفكار تذبل وتموت وحدها، لكن القوم نفخوا في الرماد وأشعلوا ناره التي أضرت الجميع ومن قبل مكنت للشبهات في كثير من العقول.








































