أرشيف الجلد
رشقني بكلمة "كاذب". اهتزَّ صراخه في الثريات. تناثر زبده فوق الطاولة. لم أرتبك.. وضعتُ أمامه مفتاحاً صدئاً وخريطة غسلها الملح. صمتت القاعة. كانت الوثيقة الممهورة بختم المستعمر تحكي عن أجساد عبرت الرمال فراراً من المشانق، لا سعياً خلف رغيف.
مددتُ يدي.. استعدتُ مفتاحي وهدوئي. تركت له وطأة الهزيمة.
في الخارج، كانت الشمس تلتهم بقايا صوته. استحال المفتاح في كفّي بارداً كالحقيقة. أغلقتُ الباب. غرق في صدى عوائه. مضيتُ بوطنٍ لا تسعه الأوراق.
خديعة المرايا
غرسَ القائدُ دبابيسَهُ الحمراءَ في جسدِ الخريطة. انهمكَ الجندُ بصقلِ الدروعِ؛ لم تعد تعكسُ وجوهَهم. صارت مرافئَ لملامحِ القادمين من وراءِ البحار.
صاحَ: "ازرعوا الساحاتِ بالياسمين!"؛ فاستنبتوا الرخام.
انتظروا الربيعَ. باغتهم يباسٌ يغصُّ به الخريف. عبرت الخيولُ الغريبةُ من شقوقِ الصدورِ لا فجواتِ الثغور. غدا ضجيجُ الوهمِ أقطعَ من صليلِ السيوف.
نكسوا رؤوسَهم. أربكتهم بركُ الماءِ. لم تُهزم الجيوشُ بحدِّ النصال. سقطت الأوطانُ لحظةَ صارَ صدى الغريبِ لحناً.. واستحالَ صوتُ الدارِ نشازاً.
مواطنةُ
بظهورٍ منحنية، يخبئون ألسنتهم خلف كماماتٍ زجاجية. مصطفى وحده، يجرُّ ظلاً لا ينكسر.
استوقفه الحارسُ الرقمي:
— هاتِ قضيتك. ضعْ خوفك في الصندوق لتمرَّ.
ابتسم.. انتزع من صدره خفقةً حارة. رماها في وجه الحارس.
ارتبك الجهاز. صرخ بطنينٍ حاد:
— "إنذار! جسدٌ بلا نبض".
التفتَ إلى الجموع الوجِلة، هشّم قناعه الزجاجي، وقال بهدوءٍ زلزلَ القاعة:
"وخزُ الموت لا يُفزعُ من ماتَ قبلاً.. الرعبُ مهنةُ الأحياءِ المستعارين".
دوى الرصاص.. لم يسقط مصطفى؛ خسرَ هدوءَ المقابر.
مِمْحاة
أحرقَ الجنرالُ آلافَ الكتب. غمسَ ريشته في دماء القتلى. خطَّ فصل النصر. سار في الميدان. وجدَ طفلاً يرممُ جداراً طينياً بأسماء الذين غابوا.
سقطتِ الريشةُ. بقيَ الجدار.
مِيثاق
بوجنةٍ قانيةٍ عادت.
ألقى الأبُ نظرةً خاطفةً على أثرِ الكفِّ، وعاد يقلبُ صفحاتِ مُصحفهِ: «اصبري.. الجنةُ تحتَ أقدامِ الصابرات».
لم تلتفتْ إلى جرحِها، راقبت ارتعاشَ سبابتِهِ فوق الآيات.
سحبتْ عباءتَها: «الجنةُ يا أبي للمؤمنات، لا للذبائح».
غادرتْ..
بقيَ يحدقُ في الآية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
سقطَ المصحفُ من يدهِ.
تَزوِير
نَبَتَتْ ملامحُهم في وجهِ الأرض. أوغلَ الرصاصُ في مَحْوِ خُطاهم. سقطَ السيفُ. لم يمنحْ صاحبهُ أصالةً. أغلقَ التاريخُ أبوابه.
لَقِيط!
اِنعِكاسٌ نَاقِص
أدركَ المنفى مِمحاة..
يقتفي ظلَّهُ الهارب عساهُ يلمحُ طيفَ المنشأ. في حقيبتِه فتاتُ ذاكرةٍ يقتاتُ عليها.
تجرّأَ.. التفتَ..
لم يجدْه!
مَقَام
ارتقى.. اكتشفَ زيفَ الذُّرى، فهوى.
انشقَّ الغسقُ عن جرحٍ صارَ ممرًّا للضوء.
طوى أحزانَه.. استوى.
المقيمُ لا يغيب.
تَجلّط
مِنْ دُرجِ الغيابِ انتشلَ ورقةً خشنة؛ استعرتْ في رئتيهِ نَسْمةُ صيف. في المرآةِ وجهٌ أملس؛ شاشةٌ عقيمة، ملامحُ صمّاء. قَبضَ على الورقة.. سالَ دمُ الذكرى من مسامِّ جَسده.
مَلَكوت
العقل يبني من الظنون سجوناً، لا تكسرها الحقيقة إلا لمن أبصَر.
مِعْيَرَة
أنا لا أنتظر حبيبة؛ إني أُعيد صياغة الزمان ليكون لائقاً بموعد.
نُسُك
الوفاءُ للضحيةِ، لا يقتضي البقاءَ لمشاهدةِ النّحر..
تَرَدُّد
بَذَرُوهُ فِي الثَّرَى؛ أَزْهَرَ هُتَافاً.








































