قيد.. وجذر
أطبقوا على عنق المدينة. استحال الزحام موقفاً.
في الساحة، وقف "السارق" يخطب في الوفاء، يغرس نصله في خاصرة العدل، يوزع المناديل على أرامل يمسحن دمع الخيبة.
على جدار عتيق، ارتكَن شيخ صامد كحجر صوّان. رماه الحرس بصخرة؛ لم يصرخ، انتفض الجدار، تفجر نبع تحت قدميه، غمر العُباب المنصة.
انقشع الموج، تبخّر السراب ومريدوه.
بقي الشيخ؛ شجرة زيتون شقّت صمت الرخام، وفي يده مفتاح البيت الذي هدموه.
صك النجاة
على الرصيف الأخير، وقف "نوح" بزيّ صرّافٍ ينقش لوحاً طينياً.
الأمواج تلتهم اليابسة. السفينة خلفه تهتز بوقارٍ بارد.
اندفع رجلٌ يلهث: أنا ابن الطوفان، احملني!
نقر الصرّاف إزميله على شريعة حمورابي: كم في رصيدك من عينٍ لنفقأها؟
تحسّس الرجل محجريه الخاويين. سكت.
تحوّلت السفينة إلى خزنةٍ حديدية. استحال الموج حبراً يمحو الوصايا.
ظلَّ الصرّاف يحسب ما تبقى من الغرقى؛ يردُّ القرضَ للبحر.
ثيابُ الرمل
سقطتِ الستارة.
الشموخُ خشبٌ، التاجُ ورقٌ، والملكةُ سبيّة.
خلف الكواليس؛ "سيدٌ" يجرُّ أصفادَ ذاكرةٍ لا تخصُّه.
على الرصيفِ؛ جثثٌ ضلّتْ عن أصحابِها في زحمةِ "الدَّور".
في ركنٍ قصيّ؛ "المؤلف" يجتازُ بجموحهِ عجزَ الخُطَب.
الميدانُ مهجورٌ، والسبايا عوراتٌ مُرجأةٌ لسترِ التاريخ.
نفضَ غبارَ الوهم..
مضى وحيداً نحو "المَقام"؛
حيثُ الحقيقةُ مِحراثٌ، والوعيُ أرضٌ باذخة.
تَصادُم
على شبر أرض، شحذا النظرات حتى استحالت طلقات. صرخ الأول: "الحقيقة لي!". رد الآخر بنصل سكن جِيد الوقت.
سقط المطعون بيقينه. انحنى القاتل ليرفع راية النصر. خطفته سكتة الزهو فوق غريمه.
هدأت الجلبة..
الأرض التي ضاقت بخطواتهما وهما أحياء، اتسعت لرفاتهما. وعلى الحصى، بقي عود ثِقاب مكسور.. لم يجد ما يضيئه.
جِيـنَات
بقايا مائدةٍ..
غبارُ وعودٍ يُنفَضُ عن معطفٍ.
لا نصلَ. لا صوتَ.
ساعةُ رملٍ على حافّةٍ مائلةٍ. خُطىً يبتلعُها الصمتُ.
خلفَهُ؛ قصورٌ من ريحٍ.
أمامَهُ؛ الميدانُ.
جفَّ الحبرُ.
انكسرتِ الساعةُ. سكتَ الضجيجُ.
انحنى العابرونَ.
قرؤوا على الترابِ ما لم تقُلْه الألسنةُ:
"مرَّ الفِعلُ.. بقيَ الأثرُ"
خِصام
بالمقص المذهب قُصَّ الشريط.
صفق الحاضرون للبياض.
سلّم الحارس ميزان البرونز للقاضي.
همس: المبنى منيع. الملفات طُويت.
خارج السور، وقف شيخٌ يلمسُ مفتاحاً لبيتٍ ضائع،
يرمقُ القبة اللامعة. يتمتم:
طليتم الجدران، لكنّ الصرخة تسكنُ خلف الطلاء.
في الليل، رحل الجميع.
بقي الأنين يطرق الأبواب. صدىً لا يمنعه حارس.
غداً، تصمت المطارق.
لن تنطق الأحجار.. ستعريكم الجراح.
تهجئة
وضع يده على ندبتها القديمة. تمتم: "لقد نجوتِ.. وهذا هو الأهم".
تجلّت روحها في بريق عينيه. لم يعد الجرح عاراً يُخبأ؛ استحال حكاية تروي صبراً.
مسح على الأثر برفق. ابتسمت من أعماقها.
شهد الليل ولادتها. قرأ في صمتها ما عجز الآخرون عن فهمه. داوى الروح بلمسة أمان.
نَفَس
على طاولتهِ أكفانٌ تنتظر. غمسَ ريشتَهُ في مِحبرةِ عُمره. نزفَ أنينَهُ قطرةً مالحَة. شطبَ وهماً. دبتْ في جسدِهِ رعشة. فجراً.. عثروا عليه جثةً هامدة؛ أوراقه تهرولُ صراخاً!
غنيمة
خزائنُ يابسةٌ تشقُّ الزبدَ.
أصابعُ تذوبُ ملحاً..
القاعُ يبتلعُ العويل.
النجاةُ.. مهنةُ اللصوص.
مِعمار
خيباتٌ متراكمة. آمالٌ مهشمة. تفحّصتُ الأنقاضَ... ابتسمت: اكتملت حجارةُ جداري.








































