آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة حسين درمشاكي
  5. قصة قصيرة/ ملكية الرماد
⭐ 0 / 5

 تئنّ جذوع الزيتون العتيقة، لا من وهج الشمس ولا من سياط الريح، بل من قلبها المتآكل؛ نارٌ تلتهم ما تبقى من شموخٍ أخضر. كل ثقبٍ في جسدها المحروق فمٌ فاغر يلفظُ زفراتٍ من رمادٍ أسود، ووهجٌ أصفر يرقص كأشباحٍ راقصة. الأرض حولها مرثيةٌ صامتة؛ سوادٌ يمتدّ، كوشمٍ قبيحٍ على جبين السهل.

يرمقها الفلاح صالح من بعيد، عيناه الغائرتان تستعيدان سنينًا مديدة قضاها تحت ظلالها الوارفة، قبل أن تبتلعها تلك اللحظة المجنونة. الحريق ليس مجرد لهيبٍ عابر. كانت طعنةً في خاصرة الذاكرة، ونهبًا لأعمدة الصبر. تذكر كيف كان يجلس تحتها، يراقب حبات الزيتون تنضج، كعيونٍ خضراء تطلّ على الأفق. تذكر ضحكات أطفاله وهم يتسلقون فروعها القوية، وكيف كانت تمنحهم الظلَّ والمأوى.

يقترب صالح ببطء، خطاه مثقلةً بالأسى، كأنما يحمل جبلًا من الأحزان على كتفيه. يمدّ يده المرتعشة نحو الجذع المتفحم، فتتطاير بعض الجمرات الخفيفة، كنجومٍ محتضرة. يهمس لنفسه بمرارة: "حتى أنتِ يا صديقتي، لم تسلمي من قبح العالم".

وفي تلك اللحظة، بينما كانت أنفاسه تختنق بحرقة الدخان، يلمح شيئًا يلمع عند قاعدة الجذع. ينحني بذهول، فيجد وعاءً فخاريًا صغيرًا، وقد احتفظ ببرودته بشكلٍ غريب وسط هذا الجحيم. ترتجف يداه وهو يلتقطه. كان الوعاء ثقيلًا. يفتحه ببطءٍ شديد.

لم يكن بالداخل سوى حفنةٍ من الزيتون الأسود اللامع، الذي لم تمسسه النار بسوء. كل حبةٍ تحمل بريقًا خافتًا، وكأنها لآلئ سوداء خرجت للتو من رحم الظلام. يتملكه مزيجٌ من الدهشة والذهول. يرفع إحدى الحبات إلى أنفه، فيشمّ رائحة الأرض، ورائحة المطر، ورائحة الحياة.

وبينما يتأمل الحبات السوداء، ينبعث صوتٌ خافتٌ من داخل الوعاء، كهمسٍ أتى من أعماق الزمن. لم يكن صوتًا مسموعًا بالكلمات، بل رجفةً في الهواء، شعورٌ بالانتصار الكامن في قلب الفناء.

ينظر صالح إلى الزيتونات، ثم إلى الشجرة المحروقة، ثم إلى الأفق الملطخ بالرماد. ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ مريرة. النيران لم تأتِ على كل شيء. بل أتت لتُعيد الميلاد.

يضع حبات الزيتون في جيبه، ويقرر أن يزرعها من جديد. ليس في هذه الأرض المحترقة، بل في قلبٍ جديد.

وحين يرفع رأسه ليلقي نظرةً أخيرة على شجرة الزيتون المحترقة، يرى شيئًا لم يكن قد رآه من قبل. من بين الثقوب المحروقة في الجذع، حيث كانت النيران تتراقص قبل قليل، تبدأ براعم خضراء صغيرة جداً، خجولة وهشة، تدفع نفسها نحو الضوء. علامات للحياة الجديدة، تنبض من قلب الموت.

صالح يدرك: هذا ليس مجرد حريق، بل تطهير. تلك النيران، التي ظن أنها قضت على كل شيء، كانت في الحقيقة بذرة لحياةٍ أخرى.

وفجأة، يتوقف الزمن. يلتفت صالح خلفه، فيرى ظلًا طويلًا يقف خلفه. ليس ظله هو. إنه أكبر وأكثر كثافة. يلتفت صالح ببطء، ليجد رجلًا يقف على بعد خطواتٍ قليلة منه، يرتدي ثيابًا سوداء قاتمة، وعيناه تلمعان كجمرٍ خفيّ. لا يحمل الرجل أي شيء، سوى ابتسامةٍ باردةٍ تكاد لا تُرى.

"أتعلم يا صالح؟" يقول الرجل بصوتٍ عميقٍ هادئٍ، يكاد يذوب في هدوء المكان المحترق، "تلك الزيتونات التي وجدتها، هي بذرة شجرتك القادمة. ولكن... هل تعلم لمن كانت تلك الشجرة في الأصل؟"

يتجمد صالح في مكانه. لا ينبس ببنت شفة.

"إنها لي، يا صالح. كانت لي، وستعود لي." يكمل الرجل بهدوء. ثم يمد يده. تحمل يده آثار حروقٍ قديمة، لكنها قوية وثابتة.

يُحس صالح بقبضةٍ باردةٍ تخنق روحه. يرفع رأسه، محاولًا أن يجد تفسيرًا أو معنى. لكن عينيه لا تريان سوى حقيقةٍ واحدةٍ مرعبة.

لقد كانت الزيتونة الأولى، الشجرة الأم، التي زرعتها يداه، ملكًا له. لكن هذا الرجل الذي ظهر من العدم، كان يمتلك كل شيء. حتى رماد شجرته المحترقة.

في تلك اللحظة، يستدير الرجل، وبخطواتٍ بطيئةٍ ثابتة، يختفي في غياهب الدخان المتصاعد. يترك صالح وحيدًا، واقفًا في صمتٍ مطبق، وشعورًا بالبرد القارس يتسرب إلى عظامه. كان الرجل قد غادر، لكن كلماته بقيت تتردد في أذني صالح، كصدىً لواقعٍ قاسٍ.

صالح، الذي ظن أنه وجد الأمل، لم يجد سوى حقيقةٍ مريرةٍ: أن النار، مهما حرقت، فإنها دائمًا ما تترك خلفها شيئًا لمن يمتلك الرماد. وأن الحياة، مهما حاولت أن تنبعث، فإنها دائمًا ما تعود ملكًا لمن أشعل الجحيم.

لم يصرخ صالح. لم يعد لديه صوت. فقط نظر إلى يده، ثم إلى جيوبه. كانت حبات الزيتون لا تزال هناك. لم تتحول إلى رماد. بقيت باردة وثقيلة، وكأنها تحمل سرًا أزليًا. يرفع رأسه مرة أخرى نحو الشجرة المحترقة، ويرى البراعم الخضراء الصغيرة. لم تذب. بقيت خجولة وهشة، تدفع نفسها نحو الضوء، غير عابئة بالظلام الذي مر بها.

لم يدرِ صالح إن كان هذا تحديًا أم مجرد وهمٍ آخر. لكنه، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، لم يشعر بالاستسلام التام. كانت يده لا تزال قابضة على الزيتونات. وكانت البراعم الخضراء تتنفس. ربما لم يمتلك الرجل النار كلها بعد. وربما، كان هناك شيءٌ واحدٌ فقط لم يستطع أن يمتلكه... بذرة الأمل الكامنة في قلب صالح نفسه.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب384123
2الكاتبمدونة نهلة حمودة245581
3الكاتبمدونة ياسر سلمي215917
4الكاتبمدونة زينب حمدي183050
5الكاتبمدونة اشرف الكرم158593
6الكاتبمدونة سمير حماد 126163
7الكاتبمدونة مني امين123124
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين118998
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي115707
10الكاتبمدونة طلبة رضوان114279

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02

المتواجدون حالياً

7252 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع