في جوفِ كهفٍ مطبقٍ، حيثُ الزمنُ يذوي كالغبار، ويتحلّلُ العمرُ في رُكامٍ منسيٍّ، انتصبَ نسيجُ عنكبوتٍ كثيفٍ على فمِ الظلمة؛ شركًا لِقدرٍ محتوم. تلوّت خيوطُه، ليست كنسيجِ حشرة، بل كخيوطِ قَدَرٍ محبوكٍ بعناية، يَنقُشُ فصلاً جديداً من سقوطٍ وشيك.
اجتازتْ سكونَ المكانِ حمامةٌ بيضاء، جناحاها يختزلان رحلةً شاقةً بحثاً عن بصيصِ حياة. لم تكنْ مجردَ حمامة، بل حارسةَ بذرةٍ نادرةٍ في منقارها، بذرةٍ تحملُ وعدَ غابةٍ خضراءَ إن لامستْ تُربةَ العشِّ الدافئِ أسفلَ الجدارِ الصخريّ. رفرفتْ أجنحتُها الواثقةُ، مُتوهمةً المأوى أمانًا والعودةَ حقيقةً لا ريبَ فيها. لكنّ خيطًا لزجًا، شفيفًا كالموتِ وغادرًا كالسراب، احتضنَ جناحَها قبلَ أنْ تُلامسَ أعوادَ القشِّ اليابسة؛ عناقًا أخيرًا لا فكاكَ منه. فوقَها، تأرجحت البذرةُ في منقارها، تلمعُ بضوءٍ باهتٍ كنجومٍ بعيدةٍ.
وفجأةً، حينَ اختنقتْ أنفاسُ الأمنيةِ الأخيرة، انبثقَ من جوفِ الظلمةِ في الجدارِ المقابلِ ثقبٌ أسودٌ صغيرٌ. لم يكنْ عشًا، بل عينًا جائعةً تتقدُ شررًا خفيًا. لم تكتفِ بالمراقبة، بل توهجتْ ببطءٍ، يسحبُ وهجُها الخافتُ كلَّ بصيصِ أملٍ من الحمامةِ المحتجزة. مع كلِّ نبضةٍ لضوئها، تلاشتْ مقاومةُ الحمامةِ، وانزلقتْ البذرةُ من منقارِها المرتعشِ لتسقطَ في هاويةٍ لا قاعَ لها، قبلَ أنْ تلامسَ الأرضَ حتى. عينُ مصيرٍ كانتْ تُشرِفُ على النهايات، وربما، تُعدُّ لفريسةٍ قادمةٍ قد سبقتْها روحُها إلى الشَرَكِ المنظور.








































