في ليل بهيم، تضفَّرت أواصر الوجع حول الروح الواهنة، انبلجت "ليلى" طيفًا مثقلًا بخيبة مُضنية. أسمالها البالية تستصرخ جور الفقر المُقعِر بينما تضم "يوسف"، وليدها المتجمد كالصقيع، آخر خفقة أمل تتوارى.
أنين خافت ينبعث من فمها الأجوف، زفرة أمومة منكوبة تتصدع على نُصُب القدر الجائر. عيناها مثبتتان على سماء صماء باهتة. جسدها نُهَيدة يكسوها جلد شاحب كالكفن، سِجلُّ استنزاف مُفْظِع. شعرها الفاحم كالغراب يُطوِّق وجهها الشاحب الذابل، ويداها المرتجفتان كَسَعْفِ النخيل تحتضنان طفلها، آخر وميض ضئيل.
مشهد مُفْجِع، تجلَّتْ فيه قسوة المدينة التي ابتلعت أحلام الفقراء، تاركة لهم هذا العبء الثقيل. رضيع يُجسِّد كل آمالها المُوأَدة. لم يكن صراخها أنينًا، بل رثاءً مُرًّا. نشيدُ ضياع أبديّ. آخر ترنيمة لعصفورة مُحتضرة قبل هَوَّتها الأخيرة.
بينما كانت تترنَّح على شفير الانهيار، شعرت بدفء خافت يتسرَّب من جسد الصغير. نظرت إليه بعينين واسعتين مُذْعورتين، يخفق قلبها المُضنى برجفة يائسة. كان يُفْتَح عينيه ببطء، صغيرتين تتوهجان ببريق حاد كشظايا جحيم.
صوت أجش عتيق ينطلق من فمه، ينبثق من أعماق الزمان، يحمل الألم والكراهية الدفينة. فجأة انتفض بعنف شيطانيّ، وعيناه جمرتان تقدحان حقدًا أسود مُضْرَمًا. جلده يتحول إلى حراشف سوداء صَدِئة، وأظافره مخالب ضارية مُشْرَعَة.
تجمَّد الدم في عروقها. سرت برودة مُجْلِدة في أوصالها. استقر يقين مُريع بأنه ليس وليدها؛ بل لعنة مُتجسِّدة. وحش تسلَّل إلى رحمها ليطفئ آخر نور. نبذته بعيدًا كجمرة مُلْتَهِبة، لكنه انقضَّ عليها بسرعة، ومخالبه تَنْغَرِز في جسدها النحيل المُعَذَّب.
بينما كانت روحها تُفارق جسدها المُضنى، نظرت إلى عينيه. رأت فيهما انتصارًا خبيثًا وسخرية مُرَّة كالعلقم من الظلام.








































