في جوفِ مدينةٍ خانقةٍ بدخانِ المصانعِ وصداها المترددِ، تفتَّحَ بين زينٍ ونورٍ حبٌّ شاحبٌ، كزهرةٍ تولدُ في شقِّ صخرةِ الضجيجِ. كانت نورُ بوصلةَ روحِهِ التائهةِ، بارقةَ أملٍ في أيامِهِ القاحلةِ.
لكنَّ "المدينةَ" - هذا التنينُ الرماديُّ - كانت تبثُّ سمَّها نحو الفناءِ. وفي يومٍ قرَّرا فيهِ الهربَ من هذا القبرِ الإسمنتيِّ، انطلقا نحو هيكلِ مصنعٍ مهجورٍ، حيثُ يعوي الماضي بنبوءاتِ مستقبلٍ يلفُّها الغبارُ. حين لامست نورُ جدارًا هنالكَ، اهتزَّ كيانُها كرعشةِ ورقةِ خريفٍ، ثم هوت صامتةً. الكلماتُ المنقوشةُ على السطحِ تشكَّلتْ كأفاعي ليلٍ تلتفُّ حولَ ضيائِها المتلاشي، تخبو أمامَ عينيهِ كانطفاءِ نجمةٍ سوداءَ في العدمِ. اخترقَ سمعَهُ صوتٌ أجشُّ، كصدىً لقانونٍ قديمٍ يترددُ: "الحبُّ المولودُ من رمادِ الخرابِ، يموتُ حينَ يمسُّهُ فجرُ النورِ".
خرجَ يحملُ جسدَها الصامتَ، ثقلُ غيابِها يخنقُ أنفاسَهُ، ليجدَ الحاضرةَ قدِ ابتلعتها عتمةٌ أبديةٌ. بحثَ بأسىً حتى لمحَ وهجًا أخضرَ باهتًا ينبثقُ من جدارٍ، كلماتٌ ذهبيةٌ تلوحُ في الظلامِ. عندما لمسَهُ، انفرطَ كلُّ شيءٍ ليجدَ نفسَهُ وحيدًا، يلفحُهُ هواءٌ عذريٌّ، أمامَ جنةٍ خضراءَ وادعةٍ، وشمسٌ حانيةٌ تمسحُ بضوئِها وجهَهُ الشاحبَ.
عندئذٍ تزلزلَ كيانُهُ لعمقِ الفقدِ: لم يكنْ حبُّهما قوةً قادرةً على هزيمةِ وحشِ المدينةِ، بل كانَ الشرارةَ السريةَ لولادةِ عالمٍ جديدٍ ينبضُ بقصصِ حبٍّ كانت فتيلَ التغييرِ، وولادةِ فجرِهِ الأخضرِ بتضحيتِها.








































