في تمام الساعة الرابعة فجراً، حيث تتجمد ذرات الرمل وتتبخر آخر قطرة ندى، توقفت مركبة التويوتا لاندكروزر القديمة، التي تحمل لوحة متهالكة، عند علامة متآكلة تخبر بنهاية النطاق العمراني.
داخلها أربعة أجساد. مصباح، بشعره الأشقر المربوط بإحكام، وعيناه تحملان برودَ العدسات الزجاجية. بجواره، مصطفى، ويداه ترتجفان على المقود كأنه يمسك جَمراً. في المقعد الخلفي، كان علي وعمر يغطيهما غبار الطريق، وتتنفس رئتاهما بعمق كأن الهواء ثقيل.
زحف لون الشمس نحاسياً صدئاً فوق الأفق. سحب مصباح حقيبة قماشية من تحت مقعده. فيها كاميرا قديمة ودفتر جلد سميك. وضع إصبعه على خريطة مطوية، رسم عليها دائرة بقلم رصاص محفورة بوضوح في قلب الصحراء الكبرى. ورفع زجاجة ماء فارغة أمام مصطفى بأصابع مُحنَّطة. مصطفى، بوجه أصبح يشبه الطين المتشقق من العرق واليأس، هز رأسه نافياً. تتصاعد رائحة الوقود واليأس من المقصورة.
في اليوم الثالث، تهاوى الأمل. إطار التويوتا الخلفي انفجر على صخرة صلبة سوداء، ولا شيء يلوح خلفهم. علي، بوجه متورم وعينين محمرتين كجمرتين، سقط على ركبتيه. حاول حفر حفرة في الرمال بيديه العاريتين، وكأنه يحفر قبره مُسبقاً. عمر يهمس بترتيل مبهم، عيناه مثبتتان على قرص الشمس المشتعل.
هو لم يحفر. جلس بوضعية اللوتس فوق الغطاء الأمامي الساخن للمركبة، يفترش الألم كبساط حريري. فتح دفتره، يسجل، يكتب عن سعر جلد عمر المنسلخ وصوت حشرجة علي الأخير. أخرج مصطفى هاتفه الخلوي الميت، رفعه نحو السماء في إشارة يائسة، ثم نظر إليه. اكتفى بالإشارة إلى رقعة على الخريطة: "الوادي. ثلاثون كيلومتراً باتجاه الشرق. خزان مياه مهجور".
حمل مصطفى علياً وعمر، اللذين أصبحا حزمتين من العظام المكسوة بالجلد، وتوجّه شرقاً.
في اليوم السادس، سقطوا ثلاثتهم. مصطفى كان الأخير، هوى جسده بجوار شجرة أتل وحيدة يابسة.
ثم وقف فوق الأجساد الثلاثة. بدت عيناه صافيتين بشكل غريب، خاليتين من أي أثر للجفاف. سحب المخزون السري من تحت المقعد، وهما لتران من الماء المُقطَّر. نادى بصوت قوي، رخيم، لا يعرف العطش: "لقد نجحتم في مهمتكم. بيانات اليقين مطلقة."
سحب الكاميرا. وضع عدستها على كل جسد متصلب. التقط الصورة. سحب دفتره. كتب بخط ثابت: "ثلاثة قوالب من اليأس المطلق. كل حشرجة، وكل هلوسة أصبحت الآن ملكاً لي." عند فتح حقيبة القماش، لم يكن بداخلها فقط المخزون السري، وإنما هاتف فضائي متطور مخبأ بعناية فائقة، مشحون بالكامل. نظر إلى أيقونة الاتصال الخضراء اللامعة.
بعد عامين، في مدرج جامعة كامبردج المكتظ، وقف. لم يرتدِ سوى ملابس بيضاء، وشعره منسدل على كتفيه. عنوان المحاضرة: "اليقين السائل: كيف يحوّل الجفاف الروحي إلى رأس مال". الندبة الوحيدة التي حملها هي لمعة الانتصار في عينيه. الصورة المعروضة خلفه: وجه مصطفى الميت والرمال.
وضع قلادة حجر الرمل الأسود حول عنقه. توقف، ونظر إلى الجمهور، ثم إلى الكاميرا التي تَبُثّ الحدث. مد يده اليسرى ببطء، لمس القلادة، وسحب منها شيئاً صغيراً جداً، يكاد لا يُرى بالعين المجردة. شاشة المدرج الكبرى كبّرت المشهد: زر الاتصال الأحمر للهاتف الفضائي.
ضغطه بهدوء مسموع. ضحك الجمهور، مصفقين بحرارة هستيرية، مفسرين الفعل الرمزي كإشارة للإفلات من الموت. ابتسم لهم، ثم انحنى وهو يدس الزر الصغير داخل جيب سترته البيضاء.








































