في لجّة القفر المترامية، يوشِّي السرابُ أوهامًا مائيةً خادعةً، حيث تستكينُ آنيةُ مسافرٍ قضى نحبَهُ في براثنِ الرمالِ. إبريقٌ فضِّيٌّ يختزلُ وهجَ الفناءِ المستعرِ، ودلَّةٌ من نحاسٍ عتيقٍ تكتنفُ أريجَ ذكرىً مُضمحِلَّةٍ. فجأةً، يلوحُ من صميمِ اللاوجودِ شَبَحٌ ذو أُذُنَيْنِ رقيقتَيْنِ، ثعلبُ الفنكِ اليافعُ يستجلي أثرًا موهومًا في وعاءٍ مُقْفِرٍ. استعارةٌ قاسيةٌ لبحثٍ سُدًى عن أطلالِ حياةٍ في مملكةِ الفناءِ.
يرتشفُ وبرُهُ الأغبرُ حافَّةَ العدمِ، فتراءتْ رؤيا! دخانُ وَقيدٍ أتَى على الكلِّ، يَتَشَكَّلُ وئيدًا طيفَ امرأةٍ بسماتٍ عتيقةٍ باليةٍ، عيناها جوفانِ مُقْحِلتانِ ترمقانِ بحنوٍّ مُضْنٍ المخلوقَ النحيلَ. لعلَّ لظى الفناءِ يستحثُّ وَمْضَةَ دِفْءٍ مُنْدَثِرٍ.
تَقَوَّضَ رجاؤُهُ الزائفُ، فرفعَ الفَنَكُ هَامَتَهُ اليافعةَ يُحَدِّقُ في مُقْلَتَيْ الطيفِ الذابلِ، كأنهُ يُبْصِرُ حقيقةً تسمُو على السرابِ، لَحْظَةُ تَرَاوُحٍ صامتٍ بينَ البَوَارِ وَرَنِينِ حياةٍ في نَظْرَةِ قُنُوطٍ مُتَبَادَلٍ.
بغتةً، يَضْمَحِلُّ الطيفُ مع آخِرِ ذَرَّاتِ الرَّمْدِ، تاركًا الوِعَاءَ قَاحِلًا كَجَوْفِ الصَّحْرَاءِ المُجْدِبَةِ. لم يَكُنْ ثَمَّ ماءٌ أو طَيْفٌ قَطُّ. سَرَابٌ فِي سَرَابٍ، خُدْعَةٌ مُتَطَابِقَةُ الأَوْهَامِ.








































