آخر الموثقات

  • آخر عرفة
  • الرجل عندما يحب .. لا يوقفه الحديد
  • كريهة ولكن
  • وداعا يا وحيدي
  • العزيز كمال…
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة حسين درمشاكي
  5. قصة قصيرة/ فناء يتنفس الذاكرة
⭐ 0 / 5

الإهداء: إلى روح ابني "فراس".

كان فناء بيتنا في سرت يتنفس، لا بالهواء، بل بعبق التين والزيتون المعمّر، ورائحة خبز الطابون الدافئة التي تملأ الصباح. شجرة الطلح العتيقة، بظلالها المتراقصة، احتضنت أماننا الهش. تلك الشجرة يا طفلي لم تكن خشبًا؛ بل ذاكرة أجيال ممتدة، حُفرت على جذعها قصيدة حب لأمك قبل ميلادك بزمن سحيق. كانت جدتك مبروكة، بجسدها النحيل كغصن زيتون، روح الفناء. كل صباح، كانت تضع مزهريتها الفخارية على النافذة، تملؤها بزهور برية قطفتها من التل القريب. لم تزرع فيها الزهور فحسب، بل حكايات الأمس ووعود الغد، وتفوح منها رائحة الأرض المبللة بماء الفجر. كان صوت هديل الحمام يملأ الفناء، والشمس تتسلل بين الأوراق لتلامس الأرض بلطف. بيتنا يا ولدي لم يكن مجرد جدران؛ كان واحة للروح، وملاذًا مقدسًا ينبض بالسكينة.

لكن تلك الروح اهتزت ليلة لن أغفرها للزمن أبدًا. انقض الظلام علينا لا كطيف عابر، بل كغضب أصم انفجر من أعماق الجحيم. بدأت الأرض تتلوى تحت أقدامنا. سمعنا صرير الجدران المتصدعة كأضراس تتخلخل في فم شيخ. ارتفعت الجدة مبروكة عن سريرها مذعورة، وقلبها يخفق كعصفور ذُبح للتو. لم يكن زلزالًا. كان زئير وحوش معدنية يمزق السماء، ورائحة البارود الحادة تخنق الأنفاس. سمعت صوت تحطم مدوٍ، صوت تحطم قلب. سقطت مزهريتك يا طفلي، تلك التي حملت عبق الأمل الهش، فتحطمت على بلاط الفناء. تحطمت معها أحلامنا إلى أشلاء متناثرة، ومرارة معدنية ملأت فمي.

لم يكن القصف الجوي سوى البداية لوحشية أعمق. تحت جنح الظلام الدامس الذي ابتلع النجوم وغطى العار، تسللت كلابهم المدججة بالحديد والكراهية. سمعت أنفاسها الحارقة، ونباحها الذي مزق صمت الليل، ينخر في عظامنا النخرة. دوت أقدامهم الثقيلة في شوارعنا. اقتحموا البيوت بضراوة، لم يفرقوا بين مساجد خاشعة ومساكن آمنة. رأيت بأم عيني كيف اجتثوا شجرة الطلح من جذورها بلا رحمة، وكأنهم يقتلعون تاريخنا من أصوله، يمحون أثر أجيال كاملة من ذاكرة الأرض. كان كل همهم أن يعيثوا فسادًا في أرضنا الطاهرة: ليبيا!

في تلك اللحظة، رفعت عيني إليك يا صغيري، وقلت بصوت يكاد يختنق: "يا فراس، سجل! سجل بمداد الدم النقي الذي لم تدنسه خيانة! لتكن شهادتنا الأبدية!" نحن من طينة الأرض الصلبة، كصخور الجبال الشاهقة التي لا تهتز، ودماؤنا أنقى من الثلج البكر، طاهرة كحليب أمهاتنا. أمك، وجدتاك، وجدك، وعماتك وخالاتك وأخوالك وعمك وأبناء عمك، حتى ابن الجيران الذي وُلد بعدك بأيام، كانوا ينامون بهدوء وسلام، كأزهار تنتظر فجرًا وادعًا. لكن صواريخهم شقت أحشاء السماء بوحشية، وقنابلهم أفرغت صدور الأرض رعبًا، وطائراتهم قصفت أجنحة الفجر، وبوارجهم روعت أمواج البحر. مرت تدك رؤوسنا دكًا مروعًا. فكيف لي أن أصف لك مجدك يا من وهبك الله هذا المقام الرفيع! مجدك الذي يُخجل النجوم بضيائه، وعزتك التي لا تطاولها الرماح، وعنفوانك الذي يطوي عروش الطغاة كطي السجل، وبطولاتك التي تفوق بأسها ليلة غزوهم القاحلة. سيخبرونك إن كبرت عن حرب البسوس، وكيف خاضها "كليب" ضد أبناء عمومته، وكيف أبادت "المهلهل" "بني بكر". لكن العرب يا ولدي، ومنذ ذلك التاريخ اللعين، يعيدون إنتاج دراما البسوس المشؤومة بلا نهاية. هنا يا قرة العين، لم يسرقوا الأمان فحسب، بل سرقوا ابتسامتك البريئة التي كانت تضيء حياتنا، سرقوا أحلامك التي كانت تحلق في سماء الطفولة الصافية. سرقوا أطفالنا، ونساءنا، وشيوخنا، وكهولنا. لكننا، كما كان أجدادنا الكرام، نقارع العدو حتى الرمق الأخير، حتى آخر نفس، حتى آخر قطرة دم.

وبينما كانت تلك الكلمات تتقاطع في ذهني كشفرات، وتتقلب في قلبي جروحًا لا تلتئم، أزحت الرداء عن جسدك الصغير، الذي حملته بصمت مطبق طوال هذا الحديث المرير. كان وجهك أبيض كالثلج النقي، وعيناك مفتوحتين على وسعهما، تحدقان في الفراغ المطلق. لم تحمل تلك المزهرية التي تحطمت زهورًا قط؛ بل حملت عبء صمتك الأبدي، وجميع أحلامنا المكسورة المتناثرة. في قلبك الصغير، حُفرت كل تلك الكلمات، لا بمداد يمحوه الزمن، بل بندوب أزلية لا تزول.

حينها، رفعت رأسي. وجدت علي، أخي الأصغر، يحفر بقطعة حجر حادة على جذع شجرة الطلح الجديدة التي زرعناها اليوم، نفس القصيدة التي كتبتها لأمك. في عيني فراس، لم ألمح يأسًا واحدًا، بل صرخة صامتة تختبئ في العمق في وجه الزمن الذي لا يتعلم. كان تاريخًا يُعاد كتابته بدم جديد، على جذع شجرة تشهد على أننا لن ننسى أبدًا، ولن نستسلم، وأن أملنا يتجدد مع كل جذر يضرب في تراب هذه الأرض الطاهرة.

 

 

بادج إحصائيات متنوعة - مركز التدوين

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1140
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب715
4الكاتبمدونة ياسر سلمي683
5الكاتبمدونة اشرف الكرم644
6الكاتبمدونة مريم توركان575
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني443
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين438
10الكاتبمدونة حاتم سلامة431

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب399588
2الكاتبمدونة نهلة حمودة262451
3الكاتبمدونة ياسر سلمي230468
4الكاتبمدونة زينب حمدي187032
5الكاتبمدونة اشرف الكرم168412
6الكاتبمدونة سمير حماد 134543
7الكاتبمدونة حنان صلاح الدين126994
8الكاتبمدونة مني امين125537
9الكاتبمدونة طلبة رضوان125156
10الكاتبمدونة آيه الغمري122155

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة آية عبد العزيز 2026-04-22
2الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
3الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
4الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
5الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
6الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
7الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
8الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
9الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
10الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03

آخر الموثقات - مركز التدوين
آخر عرفة

الرجل عندما يحب .. لا يوقفه الحديد

كريهة ولكن

وداعا يا وحيدي

العزيز كمال…

مسيريين ولا مخيريين

أنا صوفيةُ العشقِ

أحيا على حافةِ الحلم…

​عطر الأخلاق

طيف الوداع...حين يهمس الرحيل
الأكثر قراءة - مركز التدوين
الأحدث تأليفا - مركز التدوين
آخر عرفة

الرجل عندما يحب .. لا يوقفه الحديد

كريهة ولكن

وداعا يا وحيدي

بيفصلوا حمير !

صدى بلا نبرة

وحدي أحلق داخلك 

أجلس خلف طاولتي

امشي من قدامي

قراءة في دور جامعة سنجور وأبعادها الإفريقية