عزف المطر، سوطاً مُطْبِقاً لا يرحم، نغم الغرق على قماش الخيمة البالي، دقاته المهوّلة تخترق الصمت كأنها عدّادٌ تنازلي لا يتوقف. في الداخل، قيد يوسف جسده، يحضن ركبتيه إلى صدره، كأنه شرنقة خائفة. لم يرتجف من البرد، من رعشة أعمق، تستمد قوتها من كهف النفس المترقب.
عيناه مثبَّتتان على ظل هائل انتصب خلف خيمته مباشرة. ليس له ملامح. هو ثقل أسود ابتلع ضوء السماء القليل، تزيده قطرات المطر المتساقطة ضبابية وغرابة. إنه هناك دائمًا، جدار من الصمت المطلق، مرعب في ثباته. يوسف يسميه "المراقب". الجميع في المخيم رأوه، لا أحد تجرأ على الهمس ضده. كل خيمة تحت حراسة ظل مماثل، ينتظر بلا كلل.
في الماضي، كان يوسف ينام في غرفة دافئة، تسامرها ألعاب خشبية وكتب مصورة. يتذكر صوت أمه وهي تغني له تهويدة عن نجوم تحرس الأطفال النائمين. تلك الغرفة، وتلك التهويدة، تحولتا الآن إلى قصص ترابية لم يعد يؤمن بها. الآن، حراسته هي هذا الكيان، وتهويدته هي صوت المطر.
همس جاره العجوز عماد ذات ليلة: "لا تخف يا بني، إنه يحمينا من... الآخرين." يوسف لم يصدق. كيف لشيء لا ينطق، مجرد هالة من الظلام، أن يكون مرسى؟ الحماية الحقيقية في السقف الذي لا يتسرب، وفي الجوف الذي لا يصرخ جوعاً. وكلاهما مفقود.
مرت الليالي، والمطر يطرق بجنون، وصوت عماد العجوز يرتجف ليلاً: "متى يتحرك هذا الظل اللعين؟".
ثم جاء الصباح، حاملاً معه فجيعته.
استيقظ يوسف، لم يكن هناك إيقاع. خفق قلبه بقوة، معوضاً الخيمة عن دقات المطر المفقودة. القماش ما زال رطباً، أصمّ تماماً. صمت فادح، أثقل من الضجيج. اندفع خارجاً، محتقناً بالهواء.
كانت السماء قائمة، لم تكن تُمطر. نظر إلى المكان الذي كان فيه الظل، ذلك الجدار الأسود الذي ابتلع ضوء السماء. كان المكان فارغاً. فراغ مادي، كأن جبلاً اقتُلِع من مكانه للتو.
ثم سمع الصيحات.
بدأت كهمس ثم صارت دندنة جماعية. حول الخيام، كان الناس يرقصون في الطين، ويضحون بالضحك الذي كتموه طويلاً. الظلال اختفت جميعها. لا مراقب بعد اليوم. انطلقت الزغاريد الهزيلة من فوهات خيام أخرى، واندفع الرجال يتبادلون التهاني بلمسة الكتف. كانت أجسادهم خفيفة، حرة، كأنها تحررت للتو من وزن الماء ذاته.
وسط تلك الهستيريا من الفرح، لم تلاحظ امرأة عجوز أن جرتها قد انقلبت. يوسف لاحظها. نظر إليها، ثم نظر إلى الأرض تحتها. الأرض، بالرغم من ليالي المطر الجنونية، لم تبتلع قطرة واحدة. كانت صلباً قاسياً. ركض نحو حفرة البئر الموحلة، لم تكن سوى حفرة في قلب الصخر. مدّ يده ليغرف، ارتطمت بحجر أملس وجاف.
لم يكن الظل يحرس الخيام من الأعداء.
كان يحرسهم من الجفاف.
انتصب يوسف وسط الجفاف، يرى وجوه الناس تذبل، والأرض تتصدع تحت قدميه. رفع عينيه نحو السماء الرمادية القاتمة، التي بدت الآن قناعاً ساخراً.
لقد سُلِب الإهاب. نظر يوسف إلى ظلّه الشخصي، يرتعش خوفاً من الهلاك، ولم يجد فيه قطرة ماء واحدة.








































