آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة حسين العلي
  5. قصة قصيرة: ( ألوان الوفاء )
⭐ 0 / 5

كانت الحارة القديمة تستيقظ ببطء، كعجوزٍ يفتح عينيه على ذاكرةٍ أنهكها الزمن. يخرج الضوء خجولًا من بين الشقوق، يلامس الحجارة الرطبة والجدران المتعبة، حتى يبلغ نهاية الزقاق، حيث يقف شيخٌ نحيل، مهيب الحضور، كأنه ظلٌّ نُقِش على صفحة الفجر منذ أزمانٍ بعيدة.

متجهًا نحو المسجد القديم. كانت خطواته متزنة هادئة، كأنما تقيس الأرض بميزان من نور، لا عجلة فيها ولا بطء، بل إيقاعٌ ثابتٌ يعرفه كل من رآه، كدقات قلب الحارة نفسها. لكن العين لم تكن لتلحظ خطواته قبل أن تلتقط، باندهاش لا يخلو أحيانًا من ابتسامة، لون حذائه.

 

لم يكن حذاءً عادياً. كان لونه وردياً صارخاً، كلون زهر الخوخ في ربيعها الأول، لونٌ يناقض جلال شيخوخة صاحبه ووقار ملابسه البيضاء. كان ذلك الحذاء الوردي يشق طريقه بين أحذية الرجال البالية والملونة بالأتربة، كفراشة نادرة تهبط على أرض قاحلة.

 

لم يكن أحدٌ يسأل، لكن الأسئلة كانت تُرسم في العيون. أتراه يلبسه سهواً؟ أم أن ضعف البصر قد بدأ يخونه؟ أم هي، ربما، غرابة أطوار الشيخوخة التي تطل برأسها بين الحين والآخر؟ ظلَّ هذا التساؤل سراً من أسرار الصباح، حتى ذلك اليوم الذي قرر فيه أحد الشبان طيب القلب الممتلئ بالمرح، أن يفضح ذلك السر بلطافة.

 

كان الصباح ضبابياً، والهواء ينقل عبق التراب المبلول. توقف الشاب في طريق الشيخ، وابتسم ابتسامة عريضة تشرق بها محياه.

 

"السلام عليكم يا عمنا، وصباح الخير بحذائك الجميل!" بدأ مازحاً.

 

رد الشيخ التحية بابتسامة هادئة كبحيرة في ليلة ساكنة، وعيناه تنظران بعمق إلى الشاب.

 

"ألا تخبرنا سر هذا اللون المبهج؟" تابع الشاب، "لعلك استيقظت قبل أن تستيقظ عيناك، فانتعلت حذاء بناتك بالخطأ؟!"

 

لم يغضب الشيخ، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة كأنها ذكرى مؤلمة، ثم أدار بصرَه إلى حذائه الوردي، ونظر إليه طويلاً، كأنما يرى عبره عالماً آخر. ثم رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الشاب، وفي عينيه بريق ماء متألق تحت ضوء القمر.

 

"لا يا بني.. هذه ليست نعال بناتي.." قال صوته خافتاً كحفيف أوراق الخريف. "هذه نعلي زوجتي.. رحمها الله."

 

تبدّد المزاح في وجه الشابّ، وعمّ المكان سكونٌ مهيب، كأنّ الحارة نفسها أنصتت.

 

أشار الشيخ إلى مقعد حجري قديم تحت شجرة زيتون عتيقة، كأنه يريد أن يجلس، فجلس الشابّ إلى جانبه، منتظراً.

 

أخذ الشيخ النعل من رجله برقة بالغة، كأنه يمسك بيد رضيع، ووضع النعل على ركبته برفقٍ كمن يحمل ذكرى حيّة

 

بدأ الشيخ، يفتح باباً من الذكريات. "توفيت قبل خمس سنوات.. كانت تحب هذا اللون.. قالت لي يوماً: ، لماذا دائماً الألوان القاتمة للرجال؟ الحياة تحتاج إلى بصيص نور. اشتريت لها هذه النعال في عيد ميلادها، ففرحت بها كطفلةٍ بثوبها الأول.

 

توقف قليلاً، وكأنه يستعيد صورة كانت جميلة لدرجة تؤلم.

 

"كانت مريضةً في سنواتها الأخيرة، ولم تعد تقوى على المشي إلى المسجد.. كانت تسمع الأذان من نافذتنا، وتقول لي: كم أتمنى أن أخطو معك إلى بيت الله خطوة واحدة. فكنت أحملها أحياناً وأطوف بها في ساحة الدار، فتضحك وتقول: 'هذه خطواتنا إلى المسجد'."

 

امتلأت عينا الشيخ بالدموع، لكنه لم يمسحها، كأنه يريد لها أن تروي جفاف قلبه.

 

هنا غلبت الدموع صوته، لكنه لم يمسحها.

قال بعد لحظةٍ طويلة من الصمت:

"قبل رحيلها بأيام، أخرجت هذه النعال وقالت لي:

خذها يا حبيبي... فإذا متُّ قبلك، فانتعلها وامشِ بها إلى المسجد.

لعلّ الله يكتب لي أجر خطواتك."

 

سكت الشيخ، والصمت حولهما أصبح له صوت، صوت ذكريات تتهامس في زوايا الحارة.

 

"فأنا كل صباح.. حين أنتعل هذه النعال.. لا أشعر أني أمشي وحدي.. أشعر أن روحها تمشي معي.. أن خطواتي هي خطواتها.. أن سجودي هو سجودها.. أضع قدمي في المكان الذي كانت ستضعه هي.. ألمس الأرض بباطن نعليها.. وكأني أقدم لها هدية متواضعة.. أجراً من أجر المساجد.. كانت تتوق إليه."

 

نظر الشيخ إلى الشاب، وفي عينيه كل حكمة الدنيا.

 

"تعلم يا بني.. الحب الحقيقي لا يموت.. إنه يتحول فقط.. من لمسة اليد إلى ذكرى.. ومن قبلة على الجبين إلى دعاء في السجود.. هذه النعال الوردية.. هي الآن جسر بيني وبينها.. بين الأرض والسماء.. بين الدنيا والآخرة."

لم يتكلّم الشاب. مدّ يده وقبّل يد الشيخ بصمتٍ مهيب، فيما كان الفجر يكتمل حولهما. كان الضوء يغمر الحارة القديمة كأنّه يبارك تلك الخطوات التي تمشي بنعلٍ ورديّ، تُكمل صلاةً بدأها قلبان، أحدهما في الأرض... والآخر في السماء.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب386658
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249469
3الكاتبمدونة ياسر سلمي217809
4الكاتبمدونة زينب حمدي183599
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160166
6الكاتبمدونة سمير حماد 127836
7الكاتبمدونة مني امين123585
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120388
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116684
10الكاتبمدونة طلبة رضوان116190

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02