لم يكن ذلك الصباح عاديًا. خرجتُ إلى العمل أبكر من المعتاد، مثقلًا بالتزامات تنتظرني في المكتب. الجو كان ملبّدًا بغيومٍ سوداء، كأن السماء قررت أن تحجب وجهها عن الأرض. لم تكن هناك شمس، والهواء ثقيل، حتى أنني لو لم أنظر إلى ساعتي لظننت أن الليل لم ينتهِ بعد.
في طريقي إلى الموقف، أخذتُ أقرأ سورتي الفلق والناس، وأردد بيني وبين نفسي: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم رأيت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي. على بُعد أمتار قليلة، كانت هناك شجرة لم أرها من قبل، يجلس على أحد فروعها مخلوق غريب لا أستطيع وصفه، مزيج بين الظل والفراغ.
شدّني المشهد حتى اصطدمتُ بامرأةٍ تسير في طريقي. قالت غاضبة:
– حسبك يا رجل، ألا تراني؟
أشرتُ نحو الشجرة بصوت مرتجف:
– أترين ذلك المخلوق؟
نظرت نحوي باستغراب:
– أي مخلوق؟ لا توجد شجرة أصلًا. هل أنت بخير؟
ازداد ارتباكي، وحين غمضت عينيّ للحظة وفتحتهما، لم أجد لا المرأة ولا المخلوق، ولا حتى أثرًا للشجرة. بقيتُ واقفًا وسط الطريق، أتساءل: أهو وهمٌ أم رسالة؟
ظننت أن الأمر انتهى عند ذلك الحد، لكن المساء حمل لي مشهدًا آخر. هذه المرة كانت الشجرة أوضح، تحتها قطة سوداء تحدّق بعينين حمراوين، وفوقها صقر أسود يراقبني. كدت أصرخ، لكني التفتُ إلى صديقي بجانبي وسألته:
– هل تراها؟ هل ترى ما أراه؟
ابتسم في لا مبالاة وقال:
– لا يوجد شيء يا صديقي، ولا حتى شجرة. دعك من هذه التخيّلات.
شعرت أن الأرض تميد بي. بعدها قصدتُ مسيدًا قريبًا، وحكيتُ ما رأيته لشيخ حافظٍ للقرآن. أنصت إليّ ثم قال بثقة:
– يا ولدي، أنت مسحور.
ناولني أوراقًا كتب عليها طلاسم غريبة، وأمرني أن أتبخر بدخانها، وأن أذيب بعضها في الماء وأشربه. خرجتُ من عنده مرتبكًا، أحمل الأوراق في يدي كأنها أحجار تثقل صدري. وقفتُ في منتصف الطريق، فتحتها، نظرتُ إليها طويلًا، ثم تمتمت: أهذا دين أم دجل؟
مزّقت الأوراق ورميتها بعيدًا. رفعت رأسي نحو السماء التي بدأت تنقشع سحبها قليلًا، واستقر يقيني من جديد:
لن يصيبني إلا ما كتب الله لي.








































