منذ عقود طويلة ظلّ السودانيون في معركةٍ مفتوحة ضد الاستبداد، لم يهنوا ولم يستسلموا لبطش العسكر ولا لخيبة الحكومات المدنية التي انزلقت بدورها إلى فخ الدكتاتورية. كانت مسيرة المقاومة ممتدة، محمولة بإصرارٍ لا ينكسر، تعلو وتنخفض كأمواج نهرٍ عظيم، لكنها لم تتوقف قط. إلا أنّ ما حلّ بالبلاد منذ الخامس عشر من أكتوبر 2023 لم يكن كسابقه؛ فقد حمل إلينا أيّامًا أثقل من الجبال وليالي مثقلة بالدم والدخان، دَفعتنا جميعًا نحو مستقبلٍ غائمٍ، مجهولٍ، يختلط فيه الخوف بالأمل والحقيقة بالوهم. لقد وجدنا أنفسنا فجأة في قلب حرب لم نستوعب طبيعتها بعد، حربٍ فاجأتنا بوحشيتها وبغرابتها، حتى على من حاول أن يمنحها ميولًا أو ولاءً لأحد أطرافها.
نحن أبناء هذا الوطن، نمتلك حقوقًا أصيلة وإرادةً لا تُشترى، إرادة تجعلنا نختار من نراه أصلح للوقوف معه، سواء في الحاضر أو المستقبل. غير أن هذا الحق لا يعفينا من النقد، ولا يمنعنا من مراجعة مواقفنا ومواقف من نساندهم. فالنقد مسؤولية، بل هو واجب وطني وأخلاقي، لأنه يحول دون أن نتحول إلى أبواق عمياء تُصفق بلا وعي.
لكن هذه الحرب ليست مجرد نسخة جديدة من الحروب التي خبرناها أو درسنا عنها في الكتب. إنها تبدو غريبة حتى عند مقارنتها بصراعات العالم الكبرى. فالحرب التي أنهتها قنبلتا هيروشيما وناجازاكي، على بشاعتها، انتهت إلى طاولة التفاوض. والصراع الطويل بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، رغم شدته، انطفأ بالتفاهمات والاتفاقيات. كل الحروب، على اختلاف ساحاتها ودمويتها، كانت تنتهي بصفقة، بحلٍّ سياسي ما، بترتيبٍ يوقف نزيف الدم. أما حرب السودان الراهنة، فقد جاءت لتكتب فرضية جديدة في تاريخ النزاعات: تفاوضٌ وُئد في مهده، وسلامٌ أُفشل عند أول مفترق، وصراعٌ صمّم طرفاه على أن يُحسم بالبندقية لا بالكلمة، بالرصاص لا بالعقل.
منذ لحظتها الأولى، سجّلت هذه الحرب صفحة سوداء في جبين القوى المسلحة التي لطالما رفعت شعارات التحرير والعدالة. فقد تكشّفت الحقيقة سريعًا: شعارات تُتلى على المنابر، لكنّها تنهار أمام أول اختبارٍ للمبادئ. أما مليشيا الدعم السريع، فقد كشفت الأحداث جوهرها بوضوح، وأثبتت أن السلاح الذي رفعته لم يكن يومًا من أجل الشعب، بل من أجل مصالح ضيقة؛ شخصية، قبلية، أو مناطقية. حتى ما كُتب على الورق من بنودٍ حول قضايا الهامش والعدالة الاجتماعية، لم يتجاوز كونه حبرًا يتبخر مع أول رائحة دم.
اليوم، نحن أمام معركة مفتوحة، لم تكتمل فصولها بعد، لكن معالمها باتت واضحة لكل من يملك بصرًا وبصيرة. تجاهل الحقائق لم يعد خيارًا، وغضّ الطرف ليس سوى مساهمة في إطالة الكارثة. فالشعب الذي ذاق الويلات لا يمكن أن يُخدع مجددًا بالشعارات الرنانة. ولنا في الماضي القريب شاهدٌ حي: بطش الجنجويد في شوارع الخرطوم وولايات دارفور لم يزل حيًّا في ذاكرتنا الجمعية.
وإذا كان لهذه الحرب أن تُعيدنا إلى شيء، فإنها تعيدنا أولًا إلى ذاكرة شهدائنا في فضّ اعتصام القيادة العامة. تلك اللحظة الفاصلة لم تكن حدثًا عابرًا، بل جرحًا مفتوحًا في وجدان أمةٍ بأكملها. لم ننسَ، ولن نغفر، لأن الدماء التي سالت هناك أصبحت عهدًا علينا، وميثاقًا لا يُمحى.
قد يتوهم البعض أن النضال توقف، أو أن التعب نال من عزيمتنا، لكن الحقيقة أن النضال يتجدد في كل صباح. قد يضعف الصوت حينًا، وقد تخفت المسيرات تحت دخان الحرب، لكن جذوة الوعي لم تنطفئ. فالنضال ليس لحظة عابرة، بل سيرورة ممتدة، تتشكل في صبر الشعب، في كلماته، في رفضه للعودة إلى دائرة القهر.
الردة إلى الوراء مستحيلة. فالتاريخ أثبت أن دماء الشهداء لا تذهب سدى. إنها دينٌ في أعناقنا، ووصية على كل شرفاء الوطن، على كل من يحمل وعيًا ديمقراطيًا وعقلًا مستنيرًا. دماء الشهداء هي الوقود الذي يحرّك مسيرة الحرية، ويمنعنا من أن نستسلم أو نساوم أو ننسى.
إن ما يمر به السودان اليوم امتحان عسير، لكنه ليس النهاية. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتسلح بالوعي والصبر تنتصر في النهاية، مهما طال ليل الحرب. لهذا نقول: لن نخضع لبطش السلاح، ولن نخون ذاكرة شهدائنا، ولن نتخلى عن حُلمنا في وطنٍ عادل، حرّ، تسوده الديمقراطية، ويجد فيه كل أبنائه مكانهم المستحق تحت شمس العدالة.








































