آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة غازي جابر
  5. ذاكرة لا تعرف القبلية 
⭐ 5 / 5
عدد المصوّتين: 2

لم نكن يومًا مختلفين عن بعضنا في إنسانيتنا. حتى عاداتنا وتقاليدنا، على تعددها، لم تكن تفصل بيننا بقدر ما كانت توحدنا. كنا أبناء المنطقة ذاتها؛ نشأنا في الأزقة الضيقة، ولعبنا في الساحات الترابية، وتذوقنا معًا شغف الطفولة الأولى. تربينا على الاحترام المتبادل بين الصغار والكبار، فكان الكبير أبًا للجميع، والصغير ابنًا للجميع، ولم نشهد في حياتنا ظلمًا يُذكر. كأننا، من حيث لا ندري، صغنا قوانين غير مكتوبة تحكم سلوكنا، لكن تلك القوانين لم تُخط بالحبر أو تُعلق على الجدران؛ بل كانت مغروسة في قلوبنا منذ الصغر.

 

في قريتنا، لم تكن إنسانيتنا تهضم حقوق النساء أو الأطفال، بل كنا نرى فيهم امتدادًا لحياتنا، وأمانًا لأيامنا. تساوينا في الحقوق والواجبات، ولم يكن لعمر أو جاه أو نسب فضل على أحد. من كان يظن أنه سينال تمييزًا بسبب قبيلته أو مكانته الاجتماعية، لم يكن ليجد لذلك مكانًا بيننا. لم نعرف النزاعات القبلية، على الرغم من أن قريتنا كانت تضم أكثر من سبع قبائل مختلفة، عاشت جميعها في حب وسلام وتكاتف نادر.

 

كانت المناسبات السعيدة تجمعنا كما تجمعنا لحظات الحزن. نلبي الدعوات، ونتشارك الطعام، ونسهر معًا في الليالي الطويلة، نصنع من الفرح جسورًا ومن الأتراح مواساة حقيقية. بل إن هذا التمازج أفرز تداخلًا اجتماعيًا متينًا، تُوج بتصاهر بين القبائل حتى لم يعد يُعرف ابن هذه من تلك، وصار الدم واحدًا والرحم واحدًا.

 

ومن بين كل هؤلاء الناس، يظل اسم "العم عباس" عالقًا في ذاكرتي كرمز للإنسانية الخالصة. لم يكن في القرية من لا يعرفه. رجلٌ رحيم بمن أمامه، أنيس لمن لا يجد مؤنسًا، كريم مع كل من زاره أو مرّ ببابه. يعرف الصغير والكبير بأسمائهم وأحوالهم، ويستبق حاجة الناس قبل أن يطلبوها. يطرق أبوابهم بالمبادرات، يساهم في كل عمل جماعي، ولا يهدأ له بال حتى يرى القرية في حالة نهضة وتكافل.

 

وذات صباح هادئ، تلقيت منه مكالمة لم أتوقعها. قال لي بصوته المألوف:

"أنا اتصلت بك بخصوص زواجك من بنتي الكبرى".

 

أوقعني العم عباس في موقف أربكني، لكنني كنت واثقًا من طيب نواياه. كنت أعلم أنه لا يريد أن يحرجني أو يضعني في موقف لا أرضاه. ترددت قليلًا، ثم قلت له بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا:

"قبلت عرضك يا عم عباس، وسأعمل على ترتيب أموري خلال الأسابيع القادمة".

 

لكنني لم أكن أعلم أن مجرد كلماتي تلك كانت كافية عنده. فاجأني قائلًا إنه قد رتب كل شيء تقريبًا: مراسم الخطوبة، بروتوكولات العقد، وحتى تفاصيل الاستعدادات. قال لي بابتسامته التي تُسمع عبر الهاتف:

"لا عليك، فقط أخبرني متى تكون مستعدًا، وسأهتم بالباقي. ولتعلم، يا بني، أن البنت التي ستتزوجها هي بنت العمدة ود أرباب".

 

كاد قلبي يتوقف حينها. لم أستطع تصديق ما سمعت؛ كان الأمر بالنسبة لي أقرب إلى حلم جميل من أن يكون واقعًا. لكنني أعلم أن العم عباس لا يكذب، وأنه رجل إذا قال فعل، وإذا وعد أوفى. شهادات الناس فيه تكفي لتؤكد صدقه ووفاءه.

 

وبالفعل، لم يمض وقت طويل حتى أُعلنت مراسم الزواج. اجتمع أهل القرية كلهم كما لم يجتمعوا من قبل. رجال ونساء، كبار وصغار، شيوخ وشباب، جاؤوا من كل بيت يشاركوننا الفرح. لم يكن زفافي حدثًا شخصيًا بقدر ما كان عرسًا للقرية بأسرها. كان الجميع يشعر أن هذا الزواج تتويج لتلك الروح الجماعية التي عشنا بها.

 

ولم يكن فضله عليّ في ترتيب زواجي أمرًا عابرًا؛ لقد كان بمثابة درس عميق لن أنساه ما حييت. علمني أن الخير يبدأ من المبادرة، وأن الوقوف مع الآخرين في تفاصيل حياتهم الصغيرة قد يكون أعظم أثرًا من إنجازات كبيرة لا تمس حياة الناس مباشرة.

 

كلما تذكرت تلك اللحظة، أيقنت أن مجتمعنا لم يكن يعيش فقط على الأرض، بل كان يعيش في قلوب بعضه البعض. لم تكن إنسانيتنا شعارات، بل ممارسة يومية. كنا نرى أنفسنا عائلة واحدة، مهما اختلفت قبائلنا أو انحدرت أصولنا. وهذه الذاكرة الجمعية، بصفائها ونقائها، تظل بالنسبة لي أجمل إرث تركته لي قريتي.

قد تتغير الأيام، وقد تتبدل الظروف، لكن صورة العم عباس وهو يمد يده إليّ بعرض كريم، وصورة رجال القرية وهم يرقصون في ساحة الفرح، ستبقى شاهدًا على أن الإنسانية قادرة على أن تصنع قانونًا أسمى من كل الدساتير: قانون المحبة، والتكاتف، والوفاء.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب386438
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249260
3الكاتبمدونة ياسر سلمي217641
4الكاتبمدونة زينب حمدي183547
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160061
6الكاتبمدونة سمير حماد 127626
7الكاتبمدونة مني امين123499
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120308
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116630
10الكاتبمدونة طلبة رضوان115722

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02