شهد السودان في العقود الأخيرة تغوّل المؤسسة العسكرية على السلطة المدنية، حتى باتت مشاركات العسكر في إدارة الشأن السياسي تفوق فترات حكم المدنيين. ومع كل انقلاب أو تدخل عسكري، كانت السلطة المدنية تخرج أكثر ضعفًا وهشاشة، لأن النخب السياسية التي تتصدر قيادة الأحزاب ظلّت تغلق أبواب الإصلاح الهيكلي، وترفض مواكبة التحولات العالمية التي يمكن أن تسهم في ترسيخ الممارسة السياسية الرشيدة داخل بنية هذه الأحزاب، وكأنها تخشى أن تفقد امتيازاتها أكثر مما تخشى على الوطن.
إن غياب الإصلاح الحزبي حرم المواطن من أحزاب ذات برامج واضحة ورؤى فكرية حقيقية، قادرة على خلق بيئة سياسية واجتماعية تلتف الجماهير حولها. فالحزب الذي يحظى بدعم شعبي واسع يصبح مطالبًا بتطوير برامجه باستمرار، لأن الناس لم تجتمع حوله عبثًا أو طمعًا في تحالفات شكلية، بل جاءت لتكون سندًا حقيقيًا لقياداته. وهذا السند الشعبي لا بد أن يترافق مع نقد بنّاء، ينتج أحزابًا نابعة من قلب الجماهير، ومسنودة بوعي طليعي مستنير. وكما أشار صموئيل هنتنغتون في كتابه النظام السياسي في مجتمعات متغيرة، فإن وعي الجماهير ووجود أحزاب قوية ذات برامج واضحة يسهمان في إدارة العملية السياسية بصورة ديمقراطية، ويؤسسان لحكم راشد ومستقر.
وقد جاءت ثورة ديسمبر المجيدة لتكشف هشاشة القيادات المدنية وفشلها في إدارة الدولة، بل وحتى عجزها عن إدارة الصيغة التي ابتدعتها للتحالف مع العسكر. فقد نجح المكوّن العسكري في فرض سيطرته وتمكّنه، مستغلًا ضعف العقل السياسي المدني، الذي أنتج شراكة كانت نهايتها مكتوبة منذ لحظة التوقيع عليها والقبول بها. شراكة تجاوزت الإرادة الشعبية التي منحت المدنيين السلطة بقوة وإصرار وتضحيات جسام، سالت فيها دماء أبناء الشعب السوداني طلبًا لحكم مدني خالص لا يشاركه فيه أحد. كان ذلك خيانة لجوهر الثورة ومبادئها الأولى، فقد ظلّت الجماهير تهتف حتى الثلاثين من يونيو 2019، اليوم الذي اضطر فيه المكوّن العسكري، تحت ضغط الشارع، إلى قبول التفاوض بلا شروط مع التحالف المدني الذي وُلد من رحم الميدان.
لكن واقعنا اليوم يقول شيئًا آخر. نحن أمام قيادات عجزت عن تنفيذ المشاريع التي جاءت بها إلى السلطة، وفشلت في التعبير عن تطلعات الشعب الذي دعمها في ساحات السياسة وصناديق الاقتراع. لقد تناست هذه القيادات من جاءت من أجلهم، وأدارت ظهرها لآمال الجماهير، لتنشغل بتحقيق مصالحها الشخصية الضيقة، تاركة الوطن يتهاوى في أزمات متلاحقة. وبهذا الفشل، أبقت الباب مواربًا أمام كل مجموعة عسكرية تطمح للانقلاب أو انتزاع الحكم بأي وسيلة، وكأننا ندور في حلقة جهنمية من خيبات الأمل والانقلابات.
إن تجاوز هذه الحلقة المفرغة يتطلب إرادة سياسية صادقة تبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر تجديد دمائها بقيادات شابة مؤهلة، واعتماد برامج واقعية تستجيب لحاجات الناس، وإرساء آليات شفافة للمساءلة الداخلية. فالإصلاح الحزبي ليس ترفًا تنظيريًا، بل هو خط الدفاع الأول عن الديمقراطية، وحائط الصد الذي يمنع العسكر من التمدد، ويعيد للشعب ثقته في أن الحكم المدني يمكن أن يكون قويًا وفاعلًا. فإما إصلاح جذري يعيد السلطة للشعب، أو تكرار لمآسي الانقلابات التي مزقت هذا الوطن وأهدرته عقودًا طويلة.








































