لم أعد أعرف تمامًا أين أضع قدمي في دروب الحياة. كأنني تهت بعيدًا عن نفسي، أو كأنني غادرت عالمي القديم دون أن أجد طريق العودة. هناك، في أيامنا الوردية، كنا نضحك بلا حساب، نغضب فنعود سريعًا، ونخاصم فنصالح بقلوب لا تعرف الضغينة. اليوم، لم يتبق لي من تلك الذكريات سوى طيف يزورني كلما أغمضت عيني، ووجع يوقظني كلما حاولت النوم.
ماذا أفعل وأنت بعيدة عني؟ سؤال يلاحقني صباح مساء. لم يحن قلبي لوجهٍ بعدك، ولم تمتد روحي إلى امرأة أخرى منذ رحيلك القسري. تحملت ظلم الأيام، نعم، لكنني لم أستطع احتمالك غيابك. فغيابك كان أثقل من أي ظلم، وأقسى من كل وجع.
كنتُ على يقين أن قلوبنا، مهما تباعدت، ستظل طاهرة من الغل والحقد. كنا أشبه بطين اليابسة؛ يجف ويتشقق حين تضربه شمس الخلاف، لكنه لا يلبث أن يعود متماسكًا عند أول قطرات المطر. كنتِ تعرفين هذا عني جيدًا، لكنك مضيتِ في طريقٍ لا رجعة فيه.
أتذكر تلك الليلة المظلمة حين قصدت متجر عمّنا "عباس"، الرجل البسيط الذي يعرفنا منذ صبانا. نظر إليّ بدهشةٍ صافية وقال:
– "أين أنت يا ولدي؟ لم أرك منذ زمن. ماذا فعلت بك الأيام؟ وكيف حال الأولاد؟"
لم أجد جوابًا. صمتُّ طويلًا، لكن الدموع تسللت قبل أن أنطق، وأغرقت وجهي كأنها تحمل عني عبء الإجابة. لم أعش لحظة كهذه من قبل. لأول مرة أدركت أنني حقًا بعيد عن أولادي منذ عام كامل، وأن قلبي لم يعد يربطهم بقلبي إلا بالحزن والفقد.
ارتبك عمّ عباس، وتلعثم لسانه وقال في ذهول:
– "يا للهول! انفصلتم إذن؟"
أجبته بصوتٍ يختلط بين المرارة والانكسار:
– "نعم يا عماه، انفصلنا… لكنني لم أعلن ذلك شرعًا. لم أملك الجرأة ولا الرغبة في أن أقولها بصوتٍ مسموع."
ومن هنا بدأت الحكاية.
كنت يومًا عائدًا من العمل مرهقًا، أبحث عن شيء من الدفء بعد عناء طويل. دخلت البيت فلم أجد الطعام كما اعتدت. استغربت، وسألتها بابتسامةٍ عابرة: "أين العشاء؟" كنت أظنها تمزح، أو ربما تحضر مفاجأة صغيرة تُدخل البهجة على قلبي. لكن ردها كان صاعقًا، عينيها احمرّت بالغضب، ووجهها امتلأ بنار لم أعرفها من قبل. صاحت في وجهي وكأنها تزلزل الأرض تحت قدمي:
– "نحن في أي زمن وأنت همك الأكل؟!"
حاولت أن أحتوي الموقف بابتسامةٍ هادئة. تقدمت نحوها لأضمها وأفهم ما يجري، لكنها صدتني بصوتٍ أكثر حدّة:
– "لا يوجد أكل! أنا لست خادمة! لدي حقوق! حضرت ورشة عن العنف ضد المرأة، ومن الآن لن تجد من يطبخ لك أو ينتظرك لتأكل!"
كانت كلماتها كالسياط على ظهري. لم أعترض يومًا على رغبة من رغباتها، لم أحرمها من حق ولا منعْت عنها سبيلًا. كل ما قلته في تلك اللحظة:
– "دعينا من الطعام، لكن تذكري أن لي حقوقًا أيضًا، كما لكِ واجبات."
لكنها لم ترد. ارتدت ثوبها، حملته على كتفها، ونطقت بكلمةٍ واحدة كالسهم:
– "شوف ليك مرة تانية تطبخ ليك وتنتظرك!"
منذ تلك اللحظة يا عماه، أُغلقت كل الأبواب. حاولت مرارًا أن أجد منفذًا، أن أفتح طريقًا للحوار، لكنها كانت قد أغلقت كل الطرق. حتى أهلها لم يسعفوني، فقد تحولت لغتها معهم إلى لغة الاتفاقيات والمواثيق، و"سيداو" صارت لسان حالها، كأن حياتنا الزوجية تحولت فجأة إلى ملف في ورشة حقوقية.
لم أفهم وقتها، وما زلت لا أفهم حتى اليوم، كيف يمكن أن تضيع عشرة الأعوام، وضحكات الأطفال، وأحلام بيتٍ بني على المودة، تحت شعارٍ أو ورشة تدريبية؟ كيف يُختزل دفء البيت في شعارات عن الحقوق دون أن توازنها الواجبات؟
أنا لست ضد حقوقها، ولا ضد أن تكون شريكة كاملة في حياتنا. لكنني كنت أتمنى أن تظل شراكتنا إنسانية، تقوم على الحب والعطاء المتبادل، لا على لغة الخصومة والمواجهة. كنت أتمنى أن نتمسك بما جمعنا، لا أن نمزقه باسم شعارات لم تداوِ جرحًا بل فتحت جروحًا جديدة.
اليوم، أمشي في طرقات الحي كالغريب. كلما رآني عمّ عباس أو غيره، تلمع في عيونهم أسئلة لا تُقال. يسألون عن الأولاد، عن البيت، عن الزوجة، وأنا أجيب بصمت، أو أترك دموعي تجيب عني.
لقد خسرتُ الكثير في هذه الحرب الصامتة، لكن أكثر ما خسرته كان إحساسي بالأمان. لم أعد ذاك الرجل الذي يعود إلى بيته مطمئنًا، ولا ذلك الأب الذي ينام بين أطفاله. صرت غريبًا في بيتٍ كان يومًا يسكنه الحب.
ومع ذلك، ورغم كل شيء، ما زلتُ مؤمنًا أن قلوبنا – مهما جفّت وتشققّت – قادرة على أن تلين عند أول قطرة رحمة. وما زلتُ أتمسك بخيطٍ رفيع من الأمل، أن تعود تلك الأيام الوردية، ولو على هيئة ذكرى لا تموت.








































