ذات مساءٍ ممطر، كانت السماء تهدهد الأرض بنشيد الماء، كأنها تغسل عنّا تعب الأيام وخيبات المدن. حملنا على أكتافنا وشاحًا من صوف النمر، لا لدفئه، بل لرمزه القديم حين كنا نصدق أن جلد الوحوش يمنحنا صلابةً في الروح. لكنّ البرد كان أعتى، فاخترنا الهروب إلى التلة.
لم تكن التلة مأوىً عابرًا، كانت ذاكرة. وجهٌ قديم في مرآة الغيم، يعرفنا حين لا يعرفنا أحد. كل خطوة إليها كانت عودة… لا إلى المكان فقط، بل إلى أنفسٍ ضاعت بين الزحام.
مشينا وسط العتمة، لا نرى إلا أقدامنا. المطرُ يهمس على الأرض، والبرد ينخر في العظام، لكننا مضينا. كان الصمت يتحدّث بيننا أكثر من الكلمات، واليد التي توضع على الكتف، كانت أوفى من ألف عبارة. بعضنا كان يمشي بسرعة، وبعضنا يترنّح… ومنا من سقط في منتصف الطريق، لا لضعف، بل لأن الحياة أثقلته. حاولنا أن نحمله، أن ننتظره، لكن المسير كان حتميًا… فتركناه في مكانٍ يشبه الحقيقة. لا نعرف اسمه، لكنه كان منا.
حين وصلنا إلى التلة، لم نكن مكتملين. شعرنا بذلك الفراغ غير المرئي، وكأن أرواحنا تعرف عددها.
فجأة… صوتٌ ينادي من بعيد. ارتد الصوت في صدورنا قبل آذاننا، فانطلق أحد الشباب نحوه، بكامل همّته، كأن شيئًا أعمق من الشجاعة يدفعه. عاد ومعه شابٌ آخر، بل ظلٌّ من ماضٍ كدنا ننساه.
جلس بيننا، ملطخًا بالمطر والوقت، وقال بصوتٍ بالكاد يُلتقط:
> "كنتُ قريبًا جدًا، ظننتني معكم، لكنني تهت…
لم أرَكم، لكنني كنتُ أسمع وقع أقدامكم،
وأشمّ رائحة الصداقة في الطريق…
لو لم أؤمن ببصيرتي، لما وصلت.
كنت أعلم أنكم ستأتون إلى التلة…
لم يكن هناك مكان سواها…
هنا، كنا نصطاد الأرانب صغارًا…
واليوم، نُطارد ذاكرتنا."
صمتَ الجميع، كأن المطر فجأة فقدَ صوته. كانت الكلمات تمشي فينا كما تمشّى البرد في عروقنا. شعرنا أن ما يجمعنا، ليس فقط الطريق، بل الفقد… والوعد… والطفولة التي لم نفقدها تمامًا.
التلة لم تكن مجرد أرضٍ مرتفعة… كانت مرآة. كل من وصل إليها رأى نفسه في عيون الآخرين.
هناك، أدركنا أن الحياة ليست في الوصول فقط، بل في من تمكّنّا من اصطحابه… ومن حاول اللحاق، ومن ضاع ولم يجدنا.
كم من أرواح تمشي معنا دون أن ننتبه؟
كم من قلوبٍ تهتدي بنا ونحن لا نعلم؟
وكم من الأماكن، مثل تلك التلة، تنتظرنا بصبر، لأنها تعرف أننا مهما ابتعدنا، سنعود؟
ذلك المساء، لم يكن مساءً عاديًا…
لقد كتبنا فيه بلغة المطر، فصلًا جديدًا من صداقتنا…
وشهدت التلة، كما فعلت دومًا، أننا ما زلنا قادرين على التلاقي، حتى لو افترقنا ألف مرة.








































