توجّه إلى مدونة (جدار بيانات المدونات) مرتبة هجائيًا — الرقم يعبر عن الترتيب حسب نقاط الأداء

آخر الموثقات

  • الإصلاح السياسي لماذا تأخر كثيرا عن للإصلاح الاقتصادي
  • جريمة الشروق… حين تُقتل البراءة مع سبق الإصرار والترصد
  • إنه العشق الإلهي
  • وقت الرحيل
  • جاهليَّةُ العِلْم
كاتب الأسبوع

✍️ كاتب الأسبوع

الكاتب المبدع فاطمة البسريني 📖 حيثيات اختيار كاتب الأسبوع
🔄 يُحدّث كل جمعة وفق تقييم الأداء العام للمدونات

📚 خدمة النشر الورقي من مركز التدوين والتوثيق
حوّل أعمالك الرقمية إلى كتاب ورقي يحمل اسمك ورقم إيداع رسمي ✨
اكتشف التفاصيل الكاملة
  1. الرئيسية
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة جهاد غازي
  5. ظمأ النسيان - رواية
⭐ 0 / 5

إهداء

لنفسي أولاً، التي احتملت ما لا يحتمله بشر، وما زالت رغم كل التحديات صامدة.

لابنتي اللتان تزينان أيامي ببراءتهن، ولولاهن ما استطعت الصمود للحظة، لجميلتي توجان التي في بعض الأحيان تشعرني أنها أمي رغم صغرها، ليمامة التي كما اسمها، نسمة تهب على قلبي فتزيح عنه الهم ببراءتها المفرطة ودلالها الذي لا يضاهى.

لكل شخصٍ يظن أن النسيان نعمة، لا تفعل، لقد كان كل شيء خيارك، لم تكن يوماً مسيراً، لقد رسم الله لك كل الطرق الممكنة لحياتك، وأنت من اخترت طريقك، فلتحتمل عواقب أفعالك بشجاعة، ولا تستسلم، فقط عد للدرب القويم، وحتماً سيهديك الله من يمسح بيده على قلبك، ويتنزل برداً وسلاماً على روحك.

وأخيراً وليس آخراً، لك أنت يا قارئ حروفي، في أي زمان ومكان، أتمنى أن ترسم لك كلماتي درباً جديداً مزيناً بالرياحين.

شكر وعرفان

لصاحبة الفضل الأكبر علي، لمكتشفة موهبتي في الكتابة، وداعمتي الكبرى التي آمنت بي في الوقت الذي فقدت الإيمان بنفسي، صديقتي ورفيقة دربي الكاتبة ديانا حسام الدين، سأكرر شكري لك للأبد وما بعده أيضاً.

ولقارئي وصديقي المفضل، وأخي الصغير وإن لم تلده أمي، لذلك الذي لم يترك يدي لحظة منذ بدء طريقي في الكتابة، للذي تابع تطوري وكان خير عون لي لأصبح أفضل، للذي يلهمني بنقده البناء، وكل مرة أحيد فيها عن دربي، يعيدني نحوه بإصرار، للذي قال لي ذات مرة؛ أنني أذكره بالبنفسج الذي ينبثق من رحم الجليد، مبهج، برّاق، متألق، رغم كل الظروف التعيسة الباردة التي تحيط به، للذي أستمد منه طاقتي للكتابة، وكأنني لا أكتب لأحد غيره، فهو وحده يعنيني، فقارئ مثله يستحق كل كاتب الحصول عليه ولو لمرة خلال مسيرته، وها أنا أحصل عليه في كل مرة يخط بها قلمي حرفاً، للملهم الذي لم يتركني لحظة، بل قوم هفواتي في أثناء الكتابة، الكاتب الواعد علي ناصر.

لصديقي الذي كان ملجأً وملاذاً لي في أشد أوقاتي تعاسة، للذي يضعني في أعلى سلم أولوياته، للذي ينسى ألمه عندما يرى ألمي، وكل ما يهمه هو رسم ابتسامة على ثغري، للذي أنار لي درباً جديداً لم يكن في حسابي، للذي لم يتوقف عن دعمي للحظة منذ عرفني، للكاتب الملقب بغرور عبقرينو، لأخي عمرو علي.

إلى الذي كان استجابة لدعواتي حينما دعوت الله طالبة شخصا هينا لينا إذا هنّت على الحياة لا أهون عليه، وإذا طلبت منه الرحيل في أشد لحظات ألمي بل ودفعته للرحيل دفعا لا يرحل؛ بل يظل جانبي يأخذ بيدي ويخفف عني حتى ولو لم يكن بيده الحل، إلى صديقي المحامي المستقبلي الذي أثق أنه سيكون له مستقبلا باهرا ذات يوم أحمد الملقب بالماجنيفيكو ويستحق لقبه بجدارة.

لصديقتيّ الصغيرتين، اللتان تمنحا أيامي كل يوم أملاً بابتسامتهما المشرقة، اللاتي باتتا شيئا أساسي في يومي، للكاتبة المبدعة منة محمد "منوشتي" والكاتبة ياسمينة العايب "ياسمينة قلبي" أنتما هديتي لهذا العام وكل عام، أتمنى من كل قلبي، أن تظل ضحكتكما منارة أستدل بها إلى الطريق.

إلى ذلك الذي يساعدني لفهم نفسي أكثر، للذي غير حياتي بروايته لوجوس، التي جعلتني أفهم حقيقة قدري، إلى الذي ساعدني لفهم الدافع وراء ما خطته أناملي في هذه الصفحات، إلى الكاتب المبدع أحمد حسن، الذي لولاه ما استطعت المضي قدما في ظلمات حروفها.

إلى رفيق الروح الذي لم يفهمني شخص في العالم سواه، لن أذكر اسمك فأنت لست بحاجة لذكره، فأنت ستعلم حتماً بأنك المقصود، كن دوماً في حياتي، حتى لو لن يجمعنا يوماً طريق واحد، وجودك على وجه البسيطة حتى لو لم نكن معا يشعرني بالطمأنينة.

لكم مني كل الشكر والعرفان، وإليكم أهدي عملي هذا، أحبكم جميعا.

الفصل الأول

《كن على يقين، بأنك في اللحظة التي ستظن فيها أنك وصلت إلى بر الأمان، وأنك ستحيى أخيرا كما تريد، ستطعنك الحياة في أغلى ما تملك، ستسحب البساط من تحت قدميك، لتوقعك في هاوية لا قرار لها》

لماذا على الخير أن ينتصر دائما؟ أليشبع شعوركم بالاكتفاء، وليروي عطش إحساسكم بأنكم انتقمتم لأنفسكم؟ على الرغم من أنكم جميعا تحيون بسلبية في حياتكم، ولن تسعوا يوما للبحث عن حقوقكم!

أجل أنا الشرير في هذه الحكاية، ولكنني أقسم بكل ما هو غال بالنسبة لكم؛ أنني لن أروي عطشكم للعدالة الكاذبة، سأسرق، وسأقتل، وسأنهب أرواحكم وقلوبكم، ولن تجدوا دليلا واحدا يدينني، سترونني وأنا أفلت بفعلتي كل مرة أمام ناظركم، ولن تستطيعوا فعل شيء، لقد عرفت الوسيلة لذلك أخيرا.

ستخضعون وستقدمون كل غالٍ ونفيس لديكم فداء للمصلحة الكبرى، ستمنحونني الحق في استغلالكم وأنتم مبتسمين، وجميعكم ستعرفون أنني أخدعكم، ولا أحد سيقر بذلك لكي لا يتهم بالجنون، ففي النهاية العاقل في مدينة المجانين، حتما سيكون هو المجنون.

ظننتم أنكم وأخيرا عرفتم الحقيقة، ولكنكم في الواقع لا تعرفون أي شيء، لقد خدعتكم وما زلت أفعل، وسأخدعكم أكثر، سأصل إلى قمة المجد، ولن تستطيعوا كسري مهما فعلتم.

قرأت هذه الكلمات، في دفتر مذكرات دوِّن على أولى صفحاته اسمي، وأنا لا أعرف حقا من كتبها، ولكن خطه يشبه خطي إلى حد بعيد، على الرغم من أنه يبدو أكثر حدة وثباتا، نظرة بلهاء اعتلت وجهي وأنا أكمل القراءة؛ أنتم سبب ما وصلت إليه، أنتم من حولتموني إلى هذا المجرم الذي أصبحت عليه، تظلمون بحجة أنكم تقيمون العدل وتعرفون مصلحتنا، ولكنكم تقتلون كل جميل داخلنا بأفعالكم، ولتعلموا أنني لم أكن لأصبح هذا الوحش، إلا بإرادتكم، فاحتملوا عواقب أعمالكم إن كنتم قادرين.

من هذا الذي يريد أن يحرق الأخضر واليابس في حياة كل من يعرفهم؟ حتما لست أنا! فأنا أحيا حياة هانئة وادعة مع زوجتي الجميلة وابنتاي الغاليتان، أنا موسى؛ شاب ثلاثيني، أعمل كمحام وأنا ناجح جدا، ربما أكثر مما قد تتخيلون، لا أدافع إلا عن المظلومين، وفي الغالب لا أتقاضى أجرا، ربما لذلك يبارك الله في ممتلكاتي، التي سجلتها زوجتي الغالية باسمي لأديرها لحسابها، ولم أتوانَ يوما عن تقديم المساعدة لكل من يطلبها أو يحتاجها.

أدرت نظري في الغرفة حولي، لأتأكد إن كنت في غرفتي أم أنني أحلم ليس إلا، سرير وثير ما زال مبعثر الأغطية وكأنني صحوت منذ دقائق، مكتب يتموضع في زاوية الغرفة الواسعة، وأنا أجلس على كرسي جلدي فخم ومريح، الغرفة تشبه غرفتي كثيرا بل تبدو وكأنها مطابقة لها، ولكن هناك إحساس بداخلي يخبرني أن هناك ما ينقصها، ولكنني لا أعرف ما هو تحديدا.

هممت بإكمال ما كتب أمامي وكأنني أول مرة أسمع به، ربما ساقني فضولي لمعرفة النهاية، ولكنني لم أكن أعلم أنها ستكون نهاية سعادتي، فجأة دلفت زوجتي الحجرة، وما أن رأت الدفتر بين يدي حتى شحب وجهها وباتت كالأموات، زاغ بصرها وكادت أن تقع أرضا، هرعت للإمساك بها قبل أن يصطدم رأسها بالأرض، حملتها بين ذراعي وقلبي يكاد ينخلع خوفا عليها، وضعتها على السرير، وذهبت جريا نحو المطبخ لأحضر بعض الماء، وحينما اقتربت من غرفتنا وأنا عائد سمعت صوتها، تسمرت مكاني والعجب يأخذ مني كل مأخذ، لم تكن نبرة كلماتها تشبه صوت ونبرة زوجتي الحبيبة في شيء، كانت تقول بصوت يملأه الحقد: لقد وجدها ذاك الغبي أخيرا، ربما سيوصلنا إلى ما نريد عما قريب، أخبرني ماذا أفعل، لكي أنتهي سريعا من هذه المهمة القميئة، لم أعد أحتمل تواجدي معه في مكان واحد أكثر من هذا.

صمتت بضع ثوان قبل أن تصرخ في وجه من تحادثه: لا تقل لي اصبري مرة أخرى، أنت تعرف أنني أحلم بموته منذ سنوات، وأتمنى لو بإمكاني قتله وتقطيعه بيديّ هاتين، وكل ما يمنعني هو أنني لم أصل بعد إلى ما أريد.

صمتت مرة أخرى، ثم صرخت: أجل.. لقد وضعته في المكان المتفق عليه، ولكنني لم أكن أعرف أنه سيجده بهذه السرعة، ولكن خيرا فعل... لا تقل لي أن الوقت لم يحن بعد، لقد تعبت من طول الانتظار.

ترنحت من شدة صدمتي، وسقط من يدي الكوب الذي كنت أحمله وتناثرت شظاياه على الأرض، مما نبهها إلى عودتي فعادت لتصنع الإغماء من جديد، رأيت انعكاسها في المرآة المقابلة للباب الموارب، قلت بصوت قلق صارخا من الخارج: انتظريني حبيبتي أنا قادم، أرجوكِ لا تتركيني.. اصبري قليلا بعد، لقد تعثرت وسقط الكوب سأحضر غيره، أعرف أنك ربما لا تسمعين صوتي ولكنني سأعود حالا.

هبطت درجات السلم وجسدي يرتعش مما سمعته، وصلت المطبخ وأنا أكاد أفقد عقلي، كيف لزوجتي الحبيبة أن تتمنى قتلي؟! ما الذي فعلته لها لكي تمقتني لهذه الدرجة، كل ما أذكره أنني لم أحب في حياتي أحدا سواها، ربما ما سمعته ليس سوى تخيلات، ولكن لأكتشف كل هذا عليَّ أن أدّعي أنني لم أسمع شيئا، سأواصل المسرحية التي أقحموني فيها رغما عني لأصل إلى الحقيقة.

حملت كوب ماء جديد، واستنشقت عدة أنفاس ببطء شديد لأهدئ من روعي قدر الإمكان، صعدت الدرج الرخامي متصنعا اللهاث، واتجهت نحو السرير الذي ما زالت ملقاة عليه، مغمضة العينيّن كما تركتها، رششت وجهها ببضع قطرات من الماء، فشهقت وفتحت عينيّها بوهن مصطنع، ثم همست بصوت متعب: ما الذي حصل؟

- أجبتها: لا أعرف يا حبيبتي، فجأة وجدتك تسقطين أرضا.

- همست بصوت متعب: ربما لأنني لم أتناول طعاما اليوم.

- أجبتها: ربما، لا تهملي وجباتك بعد الآن لأجلي أرجوك، فأنا لا أستطيع العيش دونك.

احتضنتها وأنا أدعو الله أن تظن خفقات قلبي -الذي يكاد يقفز من صدري من هول المفاجأة- خوفا عليها، ربّتُ عليها حتى غفت بين ذراعي، ولم أعد أعرف إن كانت تمثل النوم أم غفت حقا، ولم أرد المغامرة بكشف أمري، لذلك بقيت جانبها ولم أستيقظ سوى في اليوم التالي، وحالما فتحت عينيّ تذكرت ذلك الدفتر، فهرعت أبحث عنه ولكني لم أجد له أثرا وكأنه تبخر في الهواء.

......

بعد مرور يومين، كنت جالسا على الأريكة أطالع صحيفة اليوم، ولكن لا أعرف لماذا أصبحت أوراق الصحف بهذه الرداءة، فوريقاتها مصفرة مع أنها موسومة بتاريخ اليوم، لم أكن أقرأ حقا، فقط كنت أدّعي ذلك وأنا أراقب زهرة وهي تتحرك في المنزل وكأن شيئا لم يحدث، تجرّأت أخيرا وسألتها ممثلا اللامبالاة، عزيزتي، هل تذكرين ذلك الدفتر الذي كنت أمسك به عندما أغمي عليك؟

- التفتت نحوي وعلامات تساؤل ترتسم على وجهها، ثم سألتني مستفسرة: أي دفتر تقصد؟

- أجبتها بذات اللامبالاة: دفتر جلدي أسود اللون، كنت أقرأ فيه عندما دخلتِ غرفتنا في ذاك اليوم.

- آااه تقصد دفتر مذكراتك.

- أهو دفتر مذكراتي حقا؟

- ما بك يا عزيزي، أنسيت أنك تكتب مذكراتك منذ تزوجنا؟ بل منذ أن تعلمت الكتابة كما أخبرتني، وهذا كان أحد دفاترك الكثيرة، لا أعرف أين تخبئها عادة، فأنت تعتبرها شيئا مقدسا، لا يجب أن يعرف عنه أحد سواك شيئا.

- آه تذكرت، ربما ما زلت متأثرا بصدمتي لحظة سقوطك، لقد أخفتني جدا عليك، لا تفعليها بي ثانية أرجوكِ.

كان عليَّ تصنع ذلك، لكي أزيل شكوكها التي بدأت تدور حول تصرفاتي وتوتري الدائم الذي بالكاد أخفيه، لا بد أن أكون أكثر حذرا في الأيام القادمة، ولكن عن أي دفاتر تتحدث، فأنا لا أذكر أنني كتبت أي مذكرات.

بعد الغداء تركتها لتنهي تنظيف الأطباق، وصعدت إلى غرفتنا، درت بنظري في أرجاءها، لقد شعرت بأنها أول مرة أنتبه لتفاصيلها، رائحة الخشب الفواحة التي تمنحني إحساسا بأن كل شيء تم شراءه منذ وقت قصير، السرير الكلاسيكي، الفراش الوثير ذا الغطاء المذهب، وفي زاوية الغرفة اليسرى كان يقبع مكتبي، مكتب من خشب الزان الجميل، وذات الإحساس بالغربة وأن هناك شيء غير مألوف يلفها، وبرود يدق وصالي وكأن هذه أول مرة أدخل فيها لهذه الغرفة.

توجهت نحو المكتب وبدأت البحث عن تلك الدفاتر التي قالت عنها، فوجدت كومة منها موضوعة في درج مخفيّ في مكتبي، لا أذكر عن هذا الدرج شيئا في الحقيقة، لقد كان يبدو وكأنها تركت تلك الورقة ظاهرة منه عامدة، فتحته لأجدها كما أرادت، هذا ما أنا متيقن منه، فتحتها دفترا دفترا، وبحثت بين أوراقها عن تلك الكلمات التي سبق وقرأتها، ولكنني لم أجد شيئا، كل ما وجدته كان مذكرات غبية عن أيام عادية أصف فيها حبي المشتعل لها.

هممت بأن أضرب المكتب بقبضتي ساخطا، ولكنني توقفت على بعد مليمترات منه، عندما تذكرت أن عليَّ عدم كشف نفسي، وأن عليَّ توخي الحذر وعدم إثارة الشكوك، فأنا لا أعلم ما هي بقادرة على فعله.

الفصل الثاني

《في الوقت الذي تتوقعه الأقل، سيأتيك سهم الخذلان ممن وثقت بهم، واعتبرتهم الأهم في حياتك كلها، في تلك اللحظة بالذات ستعرف أن كل ما تعيشه، ليس سوى خدعة متقنة، حبك خيوطها عنكبوت الغدر، وسار عليها من ائتمنتهم على روحك》

في اليوم التالي أخبرتني أنها ستذهب إلى السوق لإحضار حاجيات المنزل، وفي العادة هي ترسل السائق ليفعل ذلك، فشككت في أمرها، تبعتها دون أن تراني، ركبت عدة سيارات أجرة بعد أن أوقفت سيارتها في مكان قريب من المنزل، وفعلت مثلها لكي لا تلاحظ أن سيارة تلاحقها، ولم أنس طبعا أن أستبدل ثيابي مع أحد السائقين، الذي لم يصدق أنني أمنحه معطفي الفاخر مقابل معطفه القديم المهترئ، ولكن هذا كان ضروريا لكي لا تعرفني لو رأتني صدفة، ما أثار استغرابي الأكثر في هذه الرحلة الغريبة ليس المكان الذي توجهت إليه، فقد توجهت إلى طرف المدينة، في بقعة شبه نائية لا يؤمها الزوار كثيرا، ولكن ما رأيته أثناء سيري، لقد تغيرت معالم المدينة تماما، و كأنني كنت نائما لسنين طوال واستيقظت لتوي، الشوارع لم تعد كما كانت، ولا حتى المحلات، كل شيء يبدو غريبا وحديثا بشكل مثير للريبة، وكأنني سافرت عدة سنين في المستقبل، لا يهم المهم الآن أن أتبعها وأعرف من ستقابل.

تبعتها عن كثب عندما ترجلت من آخر سيارة أجرة، محاولا عدم لفت انتباهها قدر الإمكان، وبعد قطع عدة شوارع وجدتها تقابله، رجل أشيب، محدودب الظهر، مجعد الوجه، يبدو عليه الدهاء والخبث، يمتلك عينيّن حادتي النظرة رغم أنه على مشارف السبعينات من عمره، جلسا في مقهى فقير، أثاثه بالٍ تفوح منه رائحة السجائر المقيتة، لا يليق بمقام امرأة أرستقراطية مثلها، ولكنه جيد للاختفاء عن العيون.

حاولت الاقتراب من طاولتهما قدر استطاعتي دون أن ألفت نظرهما، وسمعته وهو يهدئها بكلماته، قال لها: لقد صبرتِ لأعوام كثيرة، أرجوك أن تفعلي هذه المرة أيضا، لأجلي ولأجل أمك التي ماتت بسببه، ولأجل طفلك الذي يتعذب الآن ربما، علينا أن نصبر، ربما يدلنا على طريقه أخيرا، هو وحده دليلنا الوحيد.

- همست من بين دموعها: لقد تعبت يا أبي، أشعر بالتقزز من نفسي كلما اقترب مني ولمسني، والأصعب يا أبي أن عليَّ تمثيل سعادتي مع ألد أعدائي.

- أجابها بصوت يملأه الخبث، وكأنه يفح فحيحا: قليلا بعد يا عزيزتي، سنجد طفلك حتما، وسنسلبه أعز ما يملك قريبا، فقط عليك الانتظار قليلا بعد، ربما سنصل هذه المرة.

- أجابت بصبر نافذ: وإن عدنا بخفيّ حنين مثل كل مرة؟ سنعيد التمثيلية منذ البداية، وستقول لي تحملي مثل كل المرات السابقة، ولكنني لم يعد لدي قدرة على الاحتمال يا أبي.

- هذه المرة فقط يا عزيزتي، وبعدها سأعفيك من كل ذلك، وسأدعك تنفذين انتقامك الذي حلمت به.

- أتعدني بذلك؟

- أجل، أعدك، قالها وهو يربّت على يدها بحنو، ولكن نظراته التي كنت أراها من بعيد، لم تكن سوى نظرات كاذب محترف.

خرجت من المقهى قبل خروجها، وعدت إلى المنزل سريعا، لكي لا تشك بي، تخلصت من الثياب التي استعرتها وتصنعت النوم عندما سمعت باب المنزل يفتح، لأجدها تصعد الدرج إلى غرفتنا لتفقدي، وتنفست الصُّعداء عندما وجدتني في الفراش.

- اقتربت مني مقبلة جبيني وهي تهمس: ألم تشتق لي يا حبيبي؟

- همست كمن صحى من نومه لتوه: بالتأكيد يا حبيبتي، أنت تعرفين أن كل دقيقة في البعد عنك تبدو لي كدهر.

- ولكنك في الغد ستعود إلى عملك ثانية، وستنشغل به عني كعادتك.

- لو كان الأمر بيدي لما ابتعدت عنك لحظة، ولكنك تعرفين، لا بد من تواجدي وإلا ضاعت أملاكك يا عزيزتي...

- قاطعتني وهي تضع سبابتها على شفتي لتسكتني: لا تقل أملاكي، بل أملاكنا.

نظرت نحوها وكلي عجب من تصرفاتها، كيف لها أن تكون بهذه البراعة في التمثيل؟ لا بد أنها ممثلة محترفة، وعليَّ أن أحترف التمثيل مثلها لكي أصل لحقيقة الحكاية.

.......

في اليوم التالي نهضت من فراشي على صوت المنبه، وهممت بتجهيز نفسي للذهاب إلى عملي، بحثت عن مرآة في المنزل لكي أهندم شعري أمامها وأشذب لحيتي، ولكنني لم أجد، ناديتها زهرة يا زهرة، أين أنت حبيبتي؟

- جاءت نحو صوتي وهي تقول أنا قادمة يا عزيزي، كنت أجهز لتنظيف نوافذ المنزل، هل تريد شيئا مني؟

وقفت أمامي وهي تحمل بيدها أوراق صحيفة قديمة، لفت نظري إعلان على الصفحة الخلفية، لم يكن المكتوب هو ما أثار فضولي، بل تلك الصورة، لقد كانا هما، والديَّ العزيزين، خطفت الصحيفة من يدها وبدأت بقراءة الخبر: «موت رجل الأعمال، المليونير الشهير حاتم المنشاوي وزوجته في حادث سيارة مؤلم، وعلمنا من مصادر موثوقة أنه تم نقل طفلهما إلى المشفى في حالة حرجة».

ذهلت عن نفسي ونسيت لماذا ناديتها، صحوت من شرودي على يدها التي تمسك ذراعي وتهزني، وتنادي باسمي، موسى.. موسى، ما بك يا عزيزي، هل أنت بخير.

- همست بصوت مرتعش: أجل.. أجل أنا بخير.

- لماذا كنت تناديني؟

- لم أعد أذكر، لقد نسيت، أنا آسف، بإمكانك العودة لإكمال عملك.

- حسنا هاتِ الصحيفة إذا.

- تمسكت بالصحيفة بشدة، وقلت لها: لا أتركيها لي، أود قراءة شيء منها.

- ولكنها قديمة جدا، بماذا ستفيدك؟

- لا تشغلي نفسك بذلك، فقط أريدها.

- رفعت كتفيها ولوت شفتيها، وهي تقول: كما تريد، ثم استدارت وتركتني لوحدي.

في ذلك اليوم لا أذكر أنني ذهبت إلى العمل، فقط بقيت أحدق طوال اليوم بصورة والديَّ المنشورة في الصحيفة، حتى أنني غفوت وأنا ما زلت ممسكا بتلك الصحيفة، في الليل رأيتني وأنا أدون مذكراتي في تلك المفكرة، رأيت ما أكتبه وكأنني أكتبه الآن، كنت أجلس في غرفة مختلفة تماما، كانت غرفة فقيرة جدا، جدرانها باهتة، وأثاثها رث، وإضاءتها متذبذبة، يضيء المصباح حينا وينطفئ حينا آخر، كنت أمسك قلما حبريا جافا بيد خشنة، وأرتدي ملابس شبه ممزقة، كتبت وكأنني أكمل من حيث توقفت عن القراءة؛ كنت طفلا صغيرا، قطعة من اللحم لا حول لها ولا قوة، كل ما تعرفه هو البكاء، استوليتم على ممتلكاتي التي خلفها لي والدي، بحجة أنكم أقرب الأقربون لي، وربيتموني بينكم فقط لكي تمنعوا أي شخص من الاستيلاء على ذلك المال كله.

عشت بينكم كاللقيط الذي تتمننون عليه بكسرة الخبز، وأنتم تتنعمون بأمواله، ضرب وإهانة بل وسخرتموني لخدمتكم وخدمة أولادكم، أسكنتموني غرفة قذرة لا تصلح للحيوانات حتى، وأطعمتموني بقايا طعامكم وكأنني كلب أجرب، بل وحذرتم ابنتكم من رؤيتي كأنها ستصاب بالجذام لو وقع بصرها عليَّ، بل الأمّر من ذلك أن ضمائركم لم تصحُ يوما ولا حتى أي شخص منكم ولو للحظات، ليقول كفى.. رفقا بهذا الصغير المسكين، ولولا خوفكم من لوم الناس لكم، لما أرسلتموني إلى المدرسة يوما.

هببت فزعا من نومي، أنفاسي متقطعة والعرق البارد يغطي جسدي المرتجف، نظرت حولي فوجدت الظلام مخيما على أنحاء الغرفة، ولم أجد زوجتي "العزيزة" بجانبي، مددت يدا مرتعشة نحو المنضدة المجاورة للسرير بحثا عن رشفة ماء لأبلل حلقي المتحطب، ولكنها اصطدمت بالفراغ، نهضت مترنحا للذهاب إلى المطبخ، وقبل أن أصله بثوان سمعتها تهمس؛ كانت تبكي وهي تتوسل إليه أن يدعها تتوقف، ولكن يبدو أنه لن يفعل، نهضت من مكانها باكية العينيّن، مكسورة القلب، ضربت الطاولة بقبضتها وهي تصرخ: لماذا أنا؟

لم أعرف حينها إن كان عليَّ التقدم نحوها لمعرفة ما بها، أم الانسحاب والعودة لغرفتي لكي لا تعرف أنني سمعتها، قلبي يتقطع لأجلها وكل ما يتمناه هو احتضانها، وبذات الوقت عقلي يخبرني أنها كاذبة ولا تحبني، وكل ما تفعله محض تمثيل.

تبعت عقلي لأعرف الحقيقة، قفلت عائدا إلى سريري وقد نسيت لماذا ذهبت إلى المطبخ أصلا، نسيت عطشي ورعبي من ذلك الكابوس، هل هو كابوس حقا أم أنه جزء من الحقيقة التي لا أعلم عنها شيئا؟ كيف سأعرف حقيقة ما يحدث حولي؟ وهل حقا هناك أناس قساة القلوب لهذه الدرجة؟ ومن هذا الذي كانت تتحدث معه؟ أيكون ذلك العجوز المثير للقشعريرة الذي قابلته في المرة السابقة؟! ولماذا يبدو لي مألوفا رغم أنني لا أتذكر رؤيته سابقا؟

فكرت كثيرا ولكنني لم أتوصل لشيء، لذلك قررت أن عليَّ في الغد الذهاب إلى العمل، ربما أجد إشارة ما تدلني إلى بداية الخيط.

الفصل الثالث

》في هذه الحياة كل شيء مبني على وهم، ما أن نصدقه حتى يختفي من أمامنا، ويتركنا عالقين في متاهات الذاكرة، لا نحن نتذكر ولا نحن نحيا، وفي الحالتين نحن لسنا سوى أجساد تنتظر الدفن، أرواحنا هجرتنا وتركتنا لقمة سائغة في يد الزمن》

كما كل يوم؛ نهضت مجددا من سريري، ولم أجد زوجتي بجانبي، هرعت للبحث عنها، فصوتها في الليلة السابقة جعلني أظن أنها ربما قررت الرحيل، وجدتها باسمة الوجه منشرحة الأسارير، تدندن لحنا ما وهي تحضر طعام الفطور، وحالما شعرت بوجودي، زادت ابتسامتها اتساعا وأقبلت نحوي، طبعت قبلة على وجنتي وهي تخبرني أن عليها الذهاب لزيارة الفتيات، حاولت تمالك أعصابي، بعد تشوش تفكيري بما حدث في اليومين السابقين، أومأت برأسي موافقا فلم أدر ما عليَّ قوله، فأنا أذكر أن لدي ابنتان ولكنني لا أذكر وجوههن، أليس هذا غريبا؟!

- أكملت بمرح: اليوم هو يوم الأحد العاشر من الشهر، اليوم موعد زيارتي لهن في المدرسة الداخلية.

- اقترحت: ما رأيك لو أذهب معك لزيارتهن؟

- ارتبكت وكادت أن تسقط الطبق الذي تحمله بين يديها، ثم سألت بصوت متردد: أحقا تريد الذهاب؟

- ألا تريدين أن أرافقك؟

- ليس الأمر كذلك، كل ما في الأمر أنني اعتدت الذهاب وحدي، وهن اعتدن على انشغالك الدائم.

- ولكنني أرغب برؤيتهن وجدا.

- ولكن الشركة اتصلت بك اليوم، يريدون منك توقيع أوراق مهمة وعليك الذهاب، قريبا سيأتي موعد عطلتهن السنوية، وسيعدن للمنزل.

إحساسي كان يخبرني أنها لا تريد مني مرافقتها، لذلك وافقت على ما قالته، وقررت الذهاب إلى الشركة كما خططت، ربما يكون هذا هو الطريق الوحيد لمعرفة الحقيقة.

.....

أنهيت تناول فطوري ونهضت عن مقعدي لأذهب لتجهيز نفسي للعمل، وفجأة شعرت بصداع يشق رأسي نصفين، وكأن صاعقة أصابت رأسي، سقطت أرضا وأنا أضغط بيديّ على جانبي جبهتي صارخا، واستيقظت داخل سيارة فاخرة، وهلع غريب يسيطر على كل حواسي، كانت السيارة تنهب الأرض نهبا، كنت بين فينة وأخرى أدير وجهي للخلف لرؤية من يطاردونني، الكثير من السيارات السوداء، ذات النوافذ المطلية بالأسود تلاحقني، ومن نوافذها يطل رجال يحملون الأسلحة، لا أعرف من هم ولا أعرف لماذا يريدون قتلي، كل ما أعرفه أن عليَّ النجاة من براثن الموت المحقق الذي يتوعدونني به، قدت سيارتي كالمجنون في شوارع مدينة لا أذكر عنها شيئا، أعدت النظر للخلف مرة أخرى قبل أن أعيده للأمام لكي أرى إلى أين سأهرب، ولكنني كنت على حافة الهاوية، وسيارتي تطير بسرعة جنونية، لم يكن بإمكاني التوقف حتى لو حاولت، استسلمت لقدري ورأيتني وأنا أهوي عن ذلك الجرف الصخري، كنت ممسكا بمقود السيارة وكأن ذلك سينجيني، عيناي كانتا مفتوحتين حتى أقصاهما وكأنني أُجابه الموت متحديا، رغما عني أطلقت صرخة أخيرة قبل أن ترتطم السيارة بالصخور الناتئة لذلك الجبل وتنقلب عدة مرات، لأصحو منتفضا على أرض المطبخ كما سقطت منذ لحظات.

كانت تقف بجانبي تدَّعي الخوف عليَّ، رأيت ذلك في عينيّها الخاليتين من أي شعور، همست قائلة: ما بك عزيزي ما الذي حدث؟

- أجبت من بين أسناني، والألم لا يزال يسيطر على كل خلية في جسدي وكأنني تحطمت آلاف القطع وأعيد لصقي، لا تقلقي عزيزتي، شعرت بقليل من الدوار لا أكثر.

- لا عليك يا موسى، لا تذهب اليوم إلى العمل لأجلي، خذه يوم راحة، وسأظل بجانبك حتى تتعافى.

- والبنات؟ سألتها.

- سأتصل بهن وأخبرهن أنك مريض، وسأذهب لزيارتهن في الأسبوع المقبل، المهم أن تكون بخير.

وقفت على قدميّ متعكزا على كتفها، وقدميّ لا تكادان تحملانني، أوصلتني إلى سريري وعادت لتصنع لي كوبا من الأعشاب المهدئة، ربما يتحسن حالي، جلست هناك وكل شيء في جسدي يئن ألما، تحسست جسدي لأجده مغطى بندوب لجروح ملتئمة بشكل سيء، لا أذكر أي شيء عن الوقت الذي أصبت بها فيه، قررت أن أسأل زهرة حينما تأتيني بذلك الكوب.

جاءت زهرة ولم تسمح لي بالحديث، فقط شربت ما صنعته وغططت في نوم كالموت، بل ربما أسوأ، شاهدت نفسي بين الحياة والموت، والدماء تغطيني حتى أخمص قدمي، لا قدرة لي على الصراخ، كنت في مكان لا يشبه المشفى في شيء؛ الجدران كانت معدنية صدئة، والأتربة تغطي الأرض، والإضاءة سيئة، وكان الكثير من الأشخاص يحيطون بي من كل جانب، وبعضهم يرتدي لباس الأطباء الأبيض، يروحون ويجيئون وهم يحملون معدات طبية وأكياس دماء، وجسدي مسجى على طاولة معدنية باردة، ويعلو رأسي مصباح شاحب، رأيته هناك يقف مراقبا، ذلك العجوز السبعينيّ ذاته، وهو يصرخ فيهم لإنقاذ حياتي: يا أغبياء ماذا تفعلون؟ تحركوا، عليه ألا يموت، وإلا أحرقتكم جميعا.

- صرخ أحد الأطباء قائلا: الوضع خطير جدا، لقد خسر الكثير من الدماء، ولا أعرف إن كان بإمكاننا إنقاذه.

- بل ستفعلون، وإلا سيكون عقابكم عسيرا.

شعرت بأيديهم وهي تمزق ما تبقى من ملابس على جسدي، وببرودة المشارط التي تحاول استخراج ما اخترق لحمي من شظايا الزجاج، وشعرت بكل وخزة إبرة وهم يخيطون جراحي، كمن يعود من الموت صرخت صرخة شقت عنان السماء، جعلت جسدي الغارق في بركة من العرق البارد ينتفض من مكانه، فتحت عينيّ لأجدني في سريري مرة أخرى، وهي تنظر نحوي بهلع مصطنع، يبدو أنها تعرف ما الذي يحدث لي، ولكن لماذا لا تقول؟! أيعقل أن هذا قد حدث سابقا؟

- همست بخوف: ماذا يحدث معك حبيبي؟

- سألتها بصوت لاهث: ما سبب هذه الجروح في جسدي؟

- لا تذكرني بذلك اليوم الأسود.

- يجب أن أعرف، قلتها متوسلا ويدي تمسك بيدها.

- منذ سنوات قليلة، كنت ضحية حادث سير كاد أن يودي بحياتك، وحياتي معك فلا عيش لي بعدك، ألا تذكر ذلك؟

- لا أعرف لماذا أشعر بأن ذاكرتي مشوشة هذه الأيام، ولكن هناك شيء آخر أود معرفته منك.

- ما هو يا عزيزي؟

- ما سبب الحادث؟

- حسب تحقيقات الشرطة، فإن خللا في المكابح جعل السيارة تخرج عن مسارها وتصطدم بعمود الإنارة.

نظرت نحوها والريبة بادية في عينيّ، لا أستطيع تصديق حرف مما تقوله، ولكن يجب عليَّ ادّعاء التصديق، صمتُّ بعدها وعدت للنوم مجددا، ويدها تربّت على كتفي مهدئة.

الفصل الرابع

《ورقة صغيرة لا تتعدى حجم كف اليد، بإمكانها هدم عالمك بأكمله، بإمكانها زرع حيرة لا تنتهي داخل قلبك وعقلك، وبإمكانها حرق كل ما ظننته يوما حياتك》

في الصباح استيقظت من نومي متعبا جدا، حاولت رفع رأسي عن وسادتي ولكنه سقط مجددا، شعرت لحظتها بوجود شيء صلب أسفل وسادتي، مددت أصابعي المنهكة بتؤدة نحوه، لمست أصابعي حوافا مدببة بعض الشيء، استجمعت الباقي لدي من القوة ورفعت رأسي وأنا أسحب ذلك الشيء، ونظرت نحوه لتصطدم عيناي بمجموعة من الصور، فيها شخص خمسيني يشبهني جدا وذلك العجوز يقف بجانبه ولكنه أصغر سنا عما هو عليه الآن، اعتصرت دماغي لتذكر وجه والدي، ولكن الرجل في الصور لم يكن يشبهه، يا ترى من هذا الرجل؟! لولا أنني أعرف أنني ما زلت في الثلاثين من عمري، لقلت أنه أنا، كيف سأعرف من هو؟ من سأسأل، لا يمكنني سؤال زهرة بالطبع، ولكن من الذي وضع هذه الصور هنا؟ بالتأكيد هي من فعلت، لن أجعلها تعرف أنني رأيتها، سأعيدها إلى مكانها وكأن شيئا لم يكن، وسأراقبها عن كثب ربما توصلني لحقيقة الأمر، لا بل سأسقطها أمامها وأرى رد فعلها، سأضعها في مكان يمكنها رؤيته، لا لن أفعل ذلك حينها ستعرف أنني رأيتها وستبحث عن رد فعلي على ذلك، وأنا حقا لا أذكر شيئا عنها، ولا أتذكر إن رأيتها سابقا، ولكن إن كانت ستلعب معي لعبة القط والفأر فلن أكون الفأر حتما.

تحاملت على نفسي رغم ألمي، ونهضت من فراشي، لا أعرف لماذا أشعر أن لي جسد رجل خمسيني وأنا ما زلت شابا، يبدو أن الحادث قد أثر عليَّ، أو ربما هو تأثير ما مررت به في الأيام القليلة الماضية، بجميع الأحوال عليَّ استعادة نشاطي وقوتي لأكمل الطريق، وأنجو من الفخ الذي نصباه لي هي ووالدها، ولكن يا هل ترى هل هو والدها حقا، أم أنه ممثل أيضا، وإن كان والدها لماذا لا أذكر زياراته لنا في بيتنا، أليس بيت ابنته؟ سأنصب لها شركا، ربما تقع فيه وتكشف لي معلومات قد تساعدني.

نزلت عن سريري وجسدي يكاد يتساقط أرضا، حاولت قدر الإمكان ألا أظهر ألمي أمامها، وجالستها على طاولة الإفطار، سألتها مدعيا الاهتمام: عزيزتي لماذا لا ندعوا والديك لزيارتنا ذات يوم؟!

- ارتبكت وارتعشت يداها ارتعاشة قد لا تكون ملحوظة ولكنني لاحظتها، ثم أجابت: والدتي توفيت منذ سنوات ألا تذكر يا عزيزي، ما بك مشوش هذه الأيام؟

- وماذا عن والدك؟

- لم يحتمل فراق والدتي، وبعد موتها بعدة أشهر سقط طريح الفراش، وما زال حتى الآن يعاني من ألم فقدانها.

- علينا إذا أن نحضره للعيش معنا، نؤنس وحدته ونسعده في آخر أيامه.

- تنحنحت وبؤبؤيها يدوران في محجريهما، ثم قالت: ولكنكما لم تكونا يوما على وفاق.

- حقا؟! سألتها مستغربا.

- للأسف، قالتها وأكملت طعامها وكأنها لم تقل شيئا.

- لأجلك سأحاول تقبله، لا تقلقي المهم ألا نتركه وحيدا.

- أحقا تقول؟ سألت متعجبة.

- أجل يا عزيزتي، قلتها واقتربت منها أمسكت بيدها وطبعت عليها قبلة رقيقة.

- حسنا سأتحدث إليه حالما ننهي إفطارنا، قالتها مدعية الحماس الذي لم يبدُ حقيقيا أبدا.

يا ترى ماذا سيكون رد فعلهما عندما يعرفان بالفخ الذي أنصبه لهما؟ يا ترى هل سيقعان فيه؟ أم أن جهودي ستذهب هباء؟ سنرى، إن غدا لناظره قريب.

.......

بعد سنين طوال من الذل والبحث عن الانتقام، ها أنا أجلس أخيرا مقابلا لزوجتي الجميلة، التي أعماني كل الوجع الذي عشته عن جمالها ورقتها، ها أنا أخيرا أراها بلا غلالة الحقد التي كانت تنسدل على عينيّ فتحجب نورها الوضاء، كانت الزهور الفواحة تحيط بنا من كل جانب، الشموع المنيرة بعطرها الذي يخلب الألباب، وجمال حبيبتي الذي يسلبني أنفاسي، وموسيقى فرنسية تصدح في الأجواء، جلست هناك واضعا يدي أسفل ذقني، أتأمل ملامحها وأتذكر كل ما فعلته بها منذ عرفت أن أهلها قد استولوا على أموالي، وجعلوني أحيا عيشة الفقر والذل، لو كنت خادما لكانوا أرحم عليَّ مما كانوا، منذ نعومة أظافري عرفت أن عليَّ استغلالهم كما يستغلونني، تذللت لهم أكثر، ومثلت عليهم المسكنة، ولكنني لم أكن كذلك أبدا، كنت فقط أسعى لنيل رضاهم المؤقت لأصل إلى مبتغاي.

 درست ونجحت وتفوقت، وأوقعت ابنتهم الوحيدة بين براثن حبي، بل وتسببت بحملها، لتجلب العار لهم، حتى لا يعود بيدهم حيلة سوى تزويجي بها، وهكذا استعدت كل ممتلكاتي، وصعدت سلم النجاح كصاروخ مندفع بسبب صِلاتهم المتعددة، فكلما أردت شيئا وعاندوني، كنت أوسع غاليتهم ضربا، حتى يخضعوا لي، كيف استطعت فعل كل ذلك بها؟! بل كيف احتملت مني كل هذا وما زالت تحبني؟! بل وتعشقني، وتفعل كل شيء يرضيني فقط لتراني مبتسما.. لمسة يدها الدافئة ليدي، سحبتني من عالم قميء كنت أغرق فيه، إلى عالم مزين بالحب والحياة، لكم أعشقك يا زهرة، لقد كنت زهرة بحق وأحييت روحي التي وأدوها بحبك، ونثرت فيها عبير عشقك.

نظرت نحوها بنظرات هائمة واحتضنت يدها بين كفي أقبلها، وأنا أعتذر للمرة المليون منها لتسامحني على ما فعلته، وكعادتها غفرت وابتسمت وابتسم قلبي معها، في تلك اللحظة اتخذت قرارا بأن أسجل باسمها كل ما أملك، فهي تستحق وأكثر، مضى الوقت وكأنه لم يكن ساعات بل ثوان بقرب محبوبتي، أمسكت بيدها وخرجنا سويا، اتجهت نحو السيارة وأنا يعز عليَّ فراق يدها للحظات، فتحت لها الباب لتصعد وهرعت نحو الباب الآخر لأمسك بيدها من جديد، وبدأنا رحلتنا نحو عشنا الدافئ، كنت أتغزل بعينيّها التي أعشق، وفجأة ظهرت من العدم سيارات سوداء مصفحة، ومن نوافذها تمتد أذرع تحمل أسلحة مميتة، تسلط نيران رصاصاتها فوق رؤوسنا، وفي غمضة عين كنا نهوي أسفل جرف مميت، صحوت في ذات المكان الخرب، وحولي أولئك الأطباء ووالدها يصيح بهم إن مات سأقتلكم جميعا.

درت ببصري في المكان بحثا عنها ولكنني لم أجدها، سقطت في غيبوبتي مرة أخرى من شدة الألم والخوف عليها، وصحوت على يد امرأة غريبة تربّت على كتفي مهدئة، فتحت عينيّ لتطالعني بنظرات باردة، رغم أن ملامح وجهها تظهر خوف مفتعل، من هذه المرأة؟! مرت بضع دقائق وأنا ما زلت ساهما حتى استعدت وعيي تماما، وعدت لواقعي من جديد، وتذكرت كل ما مررت به في الأيام الماضية، عليَّ معرفة ما حصل لزوجتي، أتراه قتل ابنته لأجل الأموال أم أنه أخفاها عني ليصل إلى ما يريد؟! وإن كانت هذه لا تشبه زوجتي في شيء، ما الذي تفعله بجانبي إذا؟ ومن تينك الفتاتين التي تدَّعي أنهن ابنتاي، أهما ابنتاي حقا أم مجرد ذكرى لا أعرف لها أساس؟! شعرت برأسي يكاد ينفجر من شدة الألم، رحت أصرخ بوهن وهي تربّت على كتفي، نهضت من جانبي ومدت نحوي حبة دواء وقالت أنها مسكن للآلام، تناولتها من يدها وشربتها على مضض، أو بالأحرى ادّعيت ذلك كما أفعل منذ مدة، فأنا لا أعرف ما الذي بإمكانها الإقدام عليه، وقد تود تسميمي، ولكن حتما هم لا يزالون بحاجتي، لا أعرف تحديدا لما ولكنني موقنٌ أن هناك ما يريدونه مني، ولن يدعوني أموت بهذه السهولة، شربت الماء وغططت في نوم عميق من جديد، ولكن هذه المرة بلا كوابيس، بل بأحلام وذكريات عن بداية صعودي نحو القمة.

الفصل الخامس

《أوتدري كم تحتاج من قدرة على الإقناع لكي تجعل من تعشقه يحبك؟! صدقني ستحتاج أضعاف أضعافها لجعل من يكرهك يقع في غرامك، ولكن هل ستفلت أنت من فخ العشق، أم سيكون قلبك ثمنا لانتقامك؟!》

في ذات الغرفة الحقيرة التي ما زلت أسكنها، وعلى ذات السرير القذر كنت أستلقي بلا قميص وجسدي ملاصق لجسدها البض، وعلى ذلك الغطاء الملوث بقذارة عمرها سنين كانت قطرات دماء بكارة ابنته الوحيدة تجف على مهل، وهي تغفو على ذراعي بوداعة قطة لطيفة، وبيدي الأخرى أحمل لفافة تبغ أمتص رحيقها باستمتاع، ورائحة عرقها اللذيذ تداعب حواسي، وتجعلني أكثر انتشاء، أخيرا بدأت رحلة الصعود من الهاوية، لم يكن الأمر صعبا؛ كل ما كان عليَّ فعله هو ادّعاء حبها وهي عشقتني منذ الصغر فقد كنت وسيما بحق، ولم أكن لأترك وسامتي لتضيع هباء، لذلك عندما حان الوقت سلمتني نفسها بكل بساطة، مرة تليها مرة حتى جاءتني زهرة باكية، وهي تصرخ في وجهي، وبيدها تحمل شريطا ما يظهر خطيْن لطالما انتظرتهما، ادّعيت الجهل والغباء وأمسكت يديها بين يديّ بحنو، وسألتها ما بك؟

- أجابت من بين دموعها: أنا حامل يا موسى..

- مثلت الخوف والهلع واحتضنتها بقلق مفتعل وهمست في أذنها: ماذا سنفعل الآن؟

- دفعتني بعيدا عنها وهي تصرخ: لو عرف والدي سيقتلني، وأنت تسألني ماذا سنفعل؟! لن يكون بإمكاني إخفاء الأمر طويلا.

- أجبتها باستسلام: علينا الاعتراف له يا حبيبتي، ربما ولأنك ابنته الوحيدة سيوافق على زواجنا.

- ولكنني أخشى بطشه، أنت تعرفه أكثر مني، أخاف أن يقتلك.

- لا تخافي يا حبيبتي، روحي فداء لك، ولكنني أعتقد أنه يحبك أكثر من أي شيء آخر، وحتما هو يريد سعادتك، أليس كذلك؟

- هدأت قليلا وهمست: ألست خائفا يا موسى؟

- لأجلك كل شيء يهون، سأتحدى العالم كله لتكوني لي مدى العمر.

- أقبلت نحوي واحتضنتني بين ذراعيها وهي تهمس: أحبك.

عندما جاء والدها استقبلته كعادتي، ولكن هذه المرة كنت أنا في موقع القوة وليس هو، أخبرته بحمل ابنته مني، ونظرة تشفٍ ترتسم على عينيّ، وأخبرته أنها تحبني وأنني لن أتخلى عنها، صفعة كادت تصيبني بالصمم هوت على وجهي وأسقطتني أرضا، وهو بكل ما فيه كان يصرخ في وجهي، ماذا تظن نفسك يا فاجر أتتجرأ على أسيادك؟ كيف سمحت لنفسك بالاقتراب منها؟ بالتأكيد أنت كاذب لعين.

- لم يكد ينتهي من عبارته حتى خرجت زهرة من غرفتي، وهي ترتعش خوفا وتقول له؛: أنا وموسى نحب بعضنا يا أبي، أرجوك لا تفرقنا.

- حاول أن يضربها فوقفت في وجهه ومنعته، لا لن تلمسها، قلت متحديا.

هجم عليَّ يلكمني ويرفسني وأنا ولأول مرة أشعر أنني أنتقم منه، مع كل ركلة من قدمه لجسدي، كان حقدي يتصاعد أكثر ولذة غريبة تجتاح كياني، لقد جرحته في كبرياءه وسلبته أعز ما يملك، هذا إن كان الشرف لأمثاله يعني شيئا، عندما خارت قواه تهاوى أرضا بجانبي والعرق يغطي جسده بأكمله، وجهه يعتصر ألما ويده ترتفع ببطء تجاه صدره، صرخة دوت في أرجاء المكان وهو يسقط مغشيا عليه، وزهرة تركض نحوه وهي تبكي وتصرخ: ما الذي فعلته، يا لي من حمقاء، أبي.. أبي أرجوك لا تمت.

لم يمت طبعا، بل عاد من الموت بأعجوبة بعد عدة أسابيع قضاها في شبه غيبوبة، وحينها كان حمل زهرة قد بدأ بالظهور، ولم يعد بالإمكان فعل شيء سوى تزويجي إياها لكي يستر عاره، وأخيرا تركت غرفتي لأسكن قصره، آه أقصد قصري، فهو من أموالي التي سلبني إياها، وها قد عاد أخيرا.

لم أكد أجلس على كرسي العرش حتى بدأت حقيقتي بالظهور، أذقتها أشد أنواع العذاب، حتى أنني سلبتها ذلك الجنين الذي أوصلني لمبتغاي، ذات ليلة بعد أن رفض والدها انضمامي للقسم القانوني في شركته، بحجة أنني لست سوى علقة تلتصق بعائلته وتمتص دماءها، دلفت حجرتنا غاضبا وصببت جام حقدي عليها، كانت هي تحملق بي ذاهلة، وجسدها يتلقى صفعاتي، وعندما عادت لرشدها، حاولت الهرب مني صارخة لتسقط من أعلى السلم، وفي أسفله رقدت بلا حركة مضرجة بدمائها، تركتها هناك تنزف وجلست في أعلى السلم متفرجا باستمتاع، وهم يصرخون طلبا للنجدة.

فقدت ذلك الجنين وفقدت معه كل أمل بأن تصبح أما ذات يوم، ورغم محاولات والدها الضارية في إقناعها بتركي، إلا أنها أبت ذلك، ورغم كل ما فعلته بها رفضت أمره لها بالحصول على الطلاق، قالت أنا أحبه ومهما فعل لن أتركه، هددها بالتخلي عنها للأبد، ولكنها ظلت مصممة على رأيها، أخيرا رضخ لها والدها ورضخ لي أيضا خوفا على محبوبته الوحيدة.

عندما صحوت كان الصداع قد زال، ولكنني ما زلت مشوشا بسبب ذلك الحلم الذي رأيته، أيا ترى كان حلما أم أكثر، وما هذا الدواء الذي كانت تعطيني إياه تلك المرأة كل ليلة يا ترى، ولماذا تعطيني إياه؟ ولماذا الآن تحديدا بدأت تومض هذه الذكريات في عقلي؟ وكم لي على هذه الحالة، لقد سمعتها وهي تقول له بوضوح أنها ليست المحاولة الأولى لهم للوصول إلى ما يريدون، يا ترى كم عاما سرقوا من عمري؟ ولماذا أشعر أن جسدي يزداد وهنا كل يوم؟ ولماذا عادت هذه الذكريات للظهور منذ توقفي عن تناول ذلك الدواء الذي كانت تمدني به، أجل لقد أخفيت الحبوب وألقيتها في المرحاض بعد ادّعاء تناولها، منذ تلك الليلة التي سمعتها فيها وهي تحدثه بعد أن ادّعت فقدانها لوعيها.

لقد أصبح عقلي أكثر تشوشا بالذكريات، يخلط حاضره بماض لا أعرف عنه أكثر من تلك الومضات التي تعود كل فينة وأخرى، لقد أصبح الليل هو المسرح الذي ترتع فيه ذكرياتي، تعيدني ممثلا فتيا، أدرك أنني أنا رغم عدم تيقني من ذلك، ولكن من لي لأثق به وأخبره عما أمر به؟ من لي يعيد عمري المسروق الذي سلبوني إياه؟!.

........

صرخات مكتومة لا تفتأ تقطع أحبالي الصوتية ولكنها لا تصل إلى مسامع أحد، أفتح فمي كهوة سحيقة تبتلع صوتي وتبث خوفي لا أكثر، يدي تقبض على الوسادة وتحفر أصابعي داخلها أخاديدا، أغمض عينيّ بشدة خوفا وهلعا، أرى ذلك الخنجر يتجه نحو جسدي، وتلك اليدان كما الكماشة تثبتانني لكي لا أتحرك، أقاوم باستماتة ولكن جسدي ضعيف أمام مهاجمي، أستسلم أخيرا لذلك الخنجر الذي سينغرز بعد ثوانٍ داخل لحمي، وأنا أتوقع موجة الألم التي ستودي بحياتي أخيرا، وفجأة أسمعه، أسمع صراخي يمزق سكون الليل، وأفتح عينيّ من جديد لأجدن ما زلت في سرير بارد والظلام يلف المكان، بصعوبة بالغة وبعد محاولات عدة، استطعت تبين ملامح المكان على ضوء القمر الباهت المتسلل من زجاج النافذة، إن كان هذا حلما ليس أكثر، فما بال الألم حقيقي، يفتك بجسدي يكاد يمزقه أشلاء؟!.

نهضت من سريري أجر قدمي جرا، اتجهت نحو الحمام لأفرغ ما جمعه الخوف داخل مثانتي المتهالكة، جلست هناك قليلا أفكر، إلى متى سأظل أعاني، ألم يكن من الأسهل لو أنني تركت لهم كل شيء منذ البدء ورحلت؟! لماذا فعلت ذلك بنفسي؟ أخرجت من خزانة الأدوية شريطا كتب عليه مسكن للآلام، لا يهمني إن كان سما زعافا استُبدل اسمه، كل ما يهمني أن أتخلص من هذا الألم الذي يفتتني.

كم كنت بحاجة ليد تربّت على آلامي فتكون بلسما لندوبي، كم أحتاج لحضن دافئ أبكي داخله وجع السنين، يهدأ خفقات قلبي المتسارعة، ويحميني من غزوات الوجع الذي لا يتوقف، ولكن لا أحد، لا أحد يهون عليَّ ما أشعر به، دموعي الحارة تنساب على وجهي فتحفر فيه أخاديدا عميقة، رفعت كفي لمسحها لتصطدم أصابعي بتجاعيد حفرها الألم على وجهي، هل كبرت لهذه الدرجة أم أن سنين الألم لها تأثير أكبر على أجسادنا كما لها على أرواحنا؟!.

عدت نحو سريري الفارغ منها، ولكنني لم أعد أهتم لوجودها بعد معرفتي لحقيقتها، ربما كانت تحدثه ليتفقا على تفاصيل خطوتهما التالية، لا يهم بعد الآن، فقد عرفت سرهما، كنت أشعر ببرد شديد يجتاح كل ذرة في كياني، يحيل عظامي فتاتا، ويطعن بخناجره عضلات جسدي المتآكلة، وضعت فوق جسدي مزيدا من الأغطية علها تدفئني، ولكن إن كان صقيع الوحدة يمضغ الروح، فكل أغطية العالم لن تكفي لدرئه عنها ولو قليلا، بعد جهد جهيد غططت في النوم من جديد، نوم لم يكن سوى رحلة متنقلة بين محطات ألم سببته لغيري، جرائم كثيرة ارتكبتها في حق نفسي وحق من حولي، غروري بقوتي هو السبب، لم يكن بإمكان أحد أن يردعني عن فعل كل ما فعلته، قتل ونهب وخيانة، كل ما قد يخطر على بالكم وأكثر فعلته وليتني ما فعلت.

روحي لوثتها بآثام لا تُمحى، لم أكن أعي أن الدنيا ستكيل لي الصاع صاعين، وسترد لي كل ألم سببته بأضعاف أضعافه، الآن حق عليَّ العقاب، ولكن أي عقاب هذا؟!.

ألمي وذلي الذي عشته عاد ليعذبني من جديد، يشعل جذوة الانتقام بداخلي، يخبرني أنه حقي ولا بد أن أسترده، لم يكن عبثا أن سمي الإنسان إنسانا، كيف عدت ونسيت كل ما عشته وما زلت أعيشه حتى الآن وعدت للتفكير في الانتقام من جديد؟! أجل لن أتوقف عن المطالبة بحقي ولكن قبلا فلأنجو بحياتي، وأعرف أين أنا وماذا يريدون مني، ربما حينما أكتشف ما يبحثون عنه سأصبح في موقع القوة، وسأستطيع مقايضة كل ذلك بيوم هانئ قبل موتي، وربما أعادوا لي زهرة، اطمأننت للفكرة وعدت للنوم وأنا أدعو أن تتركني الكوابيس لأهنئ ولو بدقائق من النوم الهادئ.

الفصل السادس

《ماذا لو استيقظت ذات يوم ووجدت سنوات عمرك قد سرقت منك، ماذا لو صحوت فجأة لتجد نفسك في أرذل العمر، ماذا لو ضاع كل ما عشته في غمضة عين، ولم يتبق لك سوى حفنة من التجاعيد وصفحات الذاكرة البيضاء؟!》

 فتحت عينيّ لأجد الصباح قد أقبل، إنه الصباح ال... حسنا لا أذكر أي صباح أنا، ولكنها دقة الساعة الثامنة التي توقظني كما كل يوم من الأيام التي تكررت لعدد لا يحصى من المرات، وحقا لا أعرف عدد الصباحات التي سرقت مني، ولكنني في كل يوم أصحو في ذات الوقت، ذات الألم الذي يجتاح جسدي ويدكُّ عظامي، وذات الصداع الذي يشج رأسي ولا أدري له سببا، كل يوم أصحو بتفاصيل أكثر عن عالم لا أذكر أنني كنت فيه، ولكن كل الأدلة تشير أنني مررت من ذاك الطريق قبلا لمرات ومرات؛ كلام تلك المرأة التي تدَّعي أنها زوجتي، ذلك العجوز الذي لا يفتأ يطرق باب أحلامي ويحولها إلى كوابيس مرعبة، تلك الندوب التي تغطي روحي قبل جسدي، وألم فقداني لها الذي لا يغادر قلبي، ويزرع غصَّة بمرارة الحنظل في حلقي، ما يقتلني أكثر هو عدم معرفتي لمصيرها، هل ماتت، هل أنقذوها، هل كانت معي حقا في السيارة لحظة الحادث أم أنها محض تهيؤات؟!.

الكثير من الأسئلة تدور في عقلي كالرحى، تطحن روحي، وتتركها رازحة أسفل حجرها الثقيل، تقتلني ببطء وتمنعني من التنفس، لا أنا بقادر على الرحيل وترك المكان ولا أنا بقادر على البقاء، كل ما أملكه هو التمثيل أنني بخير، وادّعاء عدم معرفتي بحقيقة أي شيء، وإلا... حسنا لا أعرف ماذا سيفعلون إن اكتشفوا أنني عرفت حقيقتهم، ولكن ما أعرفه أن حياتي مهمة جدا بالنسبة لهم، ولكنني لا أعرف السبب لذلك، لماذا يتحملون كل هذا العناء لإبقاء رجل خرف لا يعرف ماضيه من حاضره حيا؟ ولماذا يبذلون كل هذا الجهد لجعلي أقتنع بأن هذه هي حياتي؟ يا ترى أين تختبئ الحقيقة؟ أداخل تلافيف عقلي أم في مكان أجهله، يا إله السماء ساعدني لقد تعبت!

نهضت من فراشي راسما ابتسامة بلهاء على وجهي، محاولا أن أبدو طبيعيا قدر الإمكان فأنا لا أعرف ما الذي تدبره اليوم لي، لقد بت أخشى تناول أي شيء تحضره لي خوفا من أن تدس لي شيئا ما به، أصر على تناول الطعام معها من ذات الطبق، أطعمها بيدي ليس حبا فيها ولكن لكي يطمئن قلبي، وهي لا ترفض تظن أنني غارق في عشقها حتى الثمالة، هذه الزهرة التي بت واثقا أنها سرقت اسم زوجتي ومكانها في بيتي، ولكنها لن تستطيع يوما سرقة مكانها في قلبي، من دونها كل شيء يبدو باهتا، فبغير حبها لا أحيا.

آه يا زهرة! ماذا فعل بنا الطمع، آه يا زهرة ما الذي جنيته من ركضي خلف أموال زائلة سوى فقدك! آه يا مهجة الروح لقد جارت عليَّ الدنيا في غيابك، عودي لقلبي ورممي روحي بحنانك.

وقفت داخل دورة المياه بساقين مرتعشتين، أقبض على الحوض بيدي لكي لا أسقط أرضا، أغمض عينيّ بشدة محاولا منع دموعي من الانهمار لكي لا يفتضح أمري، آه لو بإمكاني الصراخ، لسمع العالم كله صوتي وأنا أناجيكِ، لكم أحتاجك يا زهرة، لكم أحتاج لغفرانك يا حبيبتي، كل ما أريده هو الاطمئنان عليك وبعدها فلأمت لا يهم.

طرقات على الباب أخرجتني من وهدة الحزن التي غرقت في غياهبها، وصوت تلك المرأة الذي بات كأسنان منشار ثلم يحز مسامعي يصدح خلفها متسائلا؛ موسى.. موسى هل أنت بخير؟

- أجبتها محاولا ألا يظهر جزعي على نبرة صوتي: أنا بخير لا تقلقي.

- لقد استغرقت وقتا طويلا جدا في الحمام فخفت عليك.

- لا عليك، أعاني بعض المشاكل الهضمية فقط، يبدو أنني نمت دون غطاء الليلة الماضية.

- حسنا، أسرع قليلا لو سمحت، القهوة ستبرد.

كنت أود أن أصرخ بها، وما ضيري بقهوة باردة إن كان قلبي جليدا! ولكنني آثرت الصمت، وهي رحلت دون انتظار إجابتي، وأراحتني من الإجابة.

هبطت الدرج كعجوز ستيني بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، تئن ركبتاه كلما هبط درجة، بأنفاس متقطعة، ويدين مرتعشتين تتمسكان بالدرابزين بالكاد، لا أعرف لمن هذا الجسد الخرب الذي تسكنه روحي المعذبة، أهذا عقابي لأنني عذبتها؟ هل أصبت بمرض الهرم المبكر يا ترى؟! أهناك مرض بهذا الاسم على أي حال، أم أن هذا تأثير الدواء الذي كانت تعطيني إياه تلك الأفعى الخبيثة؟

وصلتها لاهثا كمن كان في سباق ماراثون، تهالك جسدي المنهك على أقرب مقعد، وأغمضت عينيّ محاولا التقاط أنفاسي، ويدي تدلك صدري عل الألم يزول، فتحت عينيّ لأراها تنظر نحوي بنظرة لا تنم عن أي مفاجأة، وكأنها اعتادت مني هذا الضعف، اعتدلت في جلستي، ومددت نحوها يدا مرتجفة لالتقاط فنجان القهوة من يدها، وهمست شكرا حبيبتي، وبداخلي ألف سؤال أود أن أفجرهم في وجهها، ولكنني ملزم بالصمت الآن، وعليَّ البحث عن إجاباتي دون لفت نظرها لشيء.

......

صحوت هذه المرة في غرفة فخمة جدا، تكاد تكون قاعة احتفالات في أحد القصور، الطاولات منتشرة في أرجاءها، تكسوها أغطية مخملية مطرزة بخيوط مُذهبة، وحولها يجلس العديد من الرجال الذي يبدو من ثيابهم أنهم يتمتعون بغنى فاحش، كل واحد منهم يمسك بين أصابعه السمينة سيجارا مستوردا، وجو الغرفة مختنق برائحة تبغهم، وعلى الطاولات رزم من النقود وأوراق اللعب تتلاعب بعقولهم قبل جيوبهم، وبجانب كل واحد منهم تجلس امرأة متبرجة، ترتدي ملابس فاضحة تظهر أكثر مما تستر، وأنا شاب فتيّ أرتدي حلة نادل مكوية ومرتبة، أحمل زجاجة من الخمر أدور على أكوابهم التي لا تكاد تفرغ حتى يصرخون طلبا للمزيد، ضحكاتهم الماجنة تصدح في الأجواء، وأنا كصقر أراقب كل حركة وكل لفتة لهم وكأنني آلة تسجيل بشرية، هذا ما أمرني به ذلك السبعينيّ الخبيث، لم يكن يدعوهم للسهرات عنده وينفق ببذخ إلا ليتصيد أخطاءهم، وليحقق مصالحه من خلال تهديدهم.

أثناء سقطاتهم في غياهب سكرهم كانوا يعترفون بالكثير من آثامهم، لم أكن أنسى منها شيئا، بل كنت أستغل لحظات غفلتهم للحصول على معلومات أكثر أذلهم بها، لم أوفر أحدا منهم، ولا حتى هو، في لحظات سكره القليلة كنت أسجل له الكثير من فضائحه وكنت أحتفظ بنسخ من كل شيء أصوره، بعد أن أعطيه نسخة، كان يظنني فتى أبله، وخادم مطيع، ولكنه كان مخطئا، لقد كنت الأفعى التي يربيها داخل قميصه ويوما ما ستكون سبب موته.

في أنحاء ذلك القصر الكبير، تحديدا داخل غرفه الكثيرة كنت أتربص بهم، وأصور الفواحش التي يرتكبونها، كنت أحتفظ بكل صورة وكل همسة أسمعها، فكل معلومة مهما كانت صغيرة ستفيدني ذات يوم، هكذا كان حدسي ينبئني ولم يكن مخطئا، كان عليَّ احتمال الكثير من قذاراتهم، بل ورؤية فحشهم الذي لا يحتمل، في سبيل وصولي لهدفي، واكتشفت أن خلف تلك الصورة البهية الساطعة لكل غنيّ، هناك وجه قبيح جدا، كلما ازداد غناهم كلما ازداد فحشهم وجبروتهم، وجرّأتهم على مخالفة الشرع والقانون، وكأنهم يعتبرون أنفسهم آلهة ليس هناك من يستطيع ردعهم عما يفعلون، كانوا يتسابقون ويتفاخرون بمن الذي فاق الآخر قذارة ورجسا.

كان عليَّ احتمال ذلك لسنوات وسنوات، سرقت منهم مبالغ طائلة، وهم فاقدين لوعيهم، ومن ذاك الذي يهتم ببضعة آلاف نقصت من مال القمار، المال لم يكن شيئا ذا قيمة لديهم، ولكنه كان مهما جدا عندي، درست دون علمه، وانتسبت لكلية المحاماة لا ليس لتعلم كيفية الدفاع عن المظلومين، بل لأتعلم كيف أوقع به وبمن معه، وكيف أتلاعب بالقانون كما تلاعبوا هم به، تخرجت من جامعتي بتفوق وحان أخيرا موعد انتقامي، لقد جمعت كل الأدلة التي تلزمني للحصول على مبتغاي، ولكن عليَّ التخطيط جيدا.

رمشة عين أخرى وكنت في مكان آخر، ذلك العجوز السبعينيّ أمامي راكعا يتذلل، يتوسل لي لكي لا أنشر فضائحه التي أثبتها عليه خوفا على سمعة شركاته، ولأنني كنت لا آمن جانبه؛ فقد أخبرته أنني قد أرسلت نسخا من كل ما أملك من صور ومستندات لأصدقاء موثوقين لي، وإن أصابني أي مكروه، فلن تمر ساعات وإلا سيكون هو الخبر العاجل لكل المحطات الفضائية والمحلية، نظرات حنق وغلّ تطل من عينيّه التي تكادان تشتعلان غضبا، ولكنه لا يجرؤ على المساس بي رغم حقده الشديد، لأن سمعته أهم من أي شيء آخر.

هو ومعارفه جميعا كانوا يعرفون أنني محتال كبير، ولكن لا أحد منهم كان يجرؤ على الحديث، بل جميعا كانوا يتذللون لي لأبقي خطاياهم طيّ الكتمان، لقد كنت صغيرا ولكنني كنت ذكيا، لم أكن أترك أي معلومة تفوتني، في كل سهرات عربدتهم كنت حاضرا، أجمع كل ما استطعت لكي أمسك بخناق كل شخص منهم، ولم أكتف بذلك، بل كنت أسرق نسخا عن مستنداتهم، فما أخذ بالسيف لا يسترد إلا بالسيف، وهم احتالوا على القانون وسلبوني حقوقي، وها أنا أرد الصاع صاعين.

الفصل السابع

《عندما تهديك الحياة لحظة سعادة، لا تتركها تمر سريعا، دعها تتمدد وتطول، استمتع بها بكل ما فيك، فأنت لا تعرف متى ستغفل الحياة عنك ثانية وتترك فراشات الأمل لتحلق حولك من جديد》

على إيقاع حبات المطر التي تطرق نافذتي كعصفور يطالب بالحب صحوت، رائحة عطرها الأخاذة تداعب حواسي ودفئ جسدها الملامس لصدري يمنحني شعورا بالأمان، أخيرا وجدت سكينتي بين ذراعيها، غصت أكثر في دفئها وضممتها إليّ وأنا أتمنى لو بإمكاني البقاء على هذه الحالة للأبد، لا أريد شيئا، ضمّة صغيرة لها تكفيني لأحيا، لا أريد مالا ولا جاها، كل ما أريده هي وفقط.

عبير أنفاسها الهادئة التي كنت أتنفسها، كان يمنحني الحياة، آه كم أحبك يا زهرة روحي الأبدية، مددت يدي أتلمس بطنها الذي لم يظهر بعد، ولكنني أعرف أن بداخله قطعة مني، تحتمي فيها وتنتمي إليها، لم أحاول فتح عينيّ، بل حاولت قدر المستطاع الاستمتاع بهذه اللحظة من السعادة المسروقة من الزمن، أطلقت لعقلي العنان ليفكر بتفاصيل الأمس الذي كان أسعد يوم في حياتي، لقد عدت إلى منزلي متلهفا لرؤية حبيبتي، فتحت الباب لأجد المنزل مزينا بأبهى الزهور، ومعطرا بأجمل العطور، وزهرة كانت كماسة تشع بالنور، ترتدي فستانا أبيضا تزينه الفراشات، وكأنها وجدت أخيرا ضالتها، وجاءت لتحتمي بها، ما أن رأتني حتى ركضت إلى حضني، أمسكت بذراعي وبدأت بالدوران وهي ترقص وتضحك.

علت ضحكاتنا ونحن ما زلنا متلاحمين نرقص على إيقاع قلوبنا الشغفة بالعشق، تحتضني تارة وتقبلني أخرى، وأنا لا أدري سبب كل هذه السعادة، ولكن ما ضيري بذلك يكفيني أن أراها سعيدة لكي تحلق روحي إلى الفردوس.

أخيرا شعرَت بالدوار، تمسكت بذراعي بأنفاس لاهثة رغم الابتسامة التي لم تفارق شفتيها للحظة، سقط قلبي خوفا عليها، حملتها بين يديّ وأنا أهمس لها؛ أحبك، أجلستها على الأريكة وجثوت أمامها راكعا، أمسكت بكف يدها وطبعت فيه قبلة حانية، نظرت نحو عينيّها وسألتها مسرعا قبل أن أتوه عن نفسي بسبب جمالهما: ما سر سعادتك اليوم؟! أكل هذا فرحا باستقبالي؟

لم تحر جوابا، بل نهضت من مكانها، واتجهت إلى منضدة قريبة وضعت عليها صندوقا مغلفا بورق الهدايا الملون، قدمته لي وابتسامة مشاكسة ترتسم على شفتيها، فتحته متعجبا ووجدت بداخله حذاء صغيرا جدا أبيض اللون، نظرت نحوها مستفهما: لم أفهم؟!

- أجابت بجذل: لقد كانت مجرد كذبة، لقد كذب والدي ليفرقنا.

- ماذا تقصدين حبيبتي؟!

- اقرأ الورقة المرفقة وستفهم، قالتها وهي تغمز بعينها بمرح.

- مددت أصابعي والتقطت الورقة الموضوعة بجانب الحذاء وفتحتها، ولم تكد عينيّ تقع على المكتوب فيها حتى صرخت بكل ما في: يا إلهي، لا أصدق، أهذا حقيقي أم تتلاعبين بي؟!

- ما بك اليوم؟! وأنا كنت أظن أنني تزوجت محاميا ذكيا.

حملتها بين ذراعي وبدأت الدوران بها، وأنا أضحك وأبكي، وضحكاتها تثملني وتجعل قلبي يتراقص على نغماتها، تمسكت بعنقي وهي تضحك ملأ شفتيها، ثم همست بصوتها المحبب إلى قلبي: توقف يا مجنون، لقد بدأت أشعر بالدوار.

توقفت أخيرا وأجلستها على الأريكة وأنا لا أزال محتضنا لها، لكم أعشقك يا زهرتي، همست بها في أذنها، لتتكأ على صدري براحة وهي تهمس: وأنا أعشقك أكثر يا موسى.

لا أعرف كيف غفونا ليلا، لقد أمضينا السهرة كلها ونحن نتحاور في اختيار أسماء الأولاد والبنات، وفي كل مرة هي تهزمني، في النهاية قررنا أنها ستسميهم كما يحلو لها، فقط.. عليها أن تكون بخير لأجلي، فلا حياة لي من دونها.

تنهدت وأنا أتذكر تفاصيل مساءنا وضممت ذراعي حولها أكثر ليصدمني الفراغ القاتل، فتحت عينيّ مذعورا أتلفت حولي باحثا عنها، وعلى الضوء الباهت للقمر المتواري خلف غلالة السحب الماطرة، وجدتني في تلك الغرفة الباردة، وعلى ذلك السرير الفارغ إلا من جسدي المتهالك، زفرت بحسرة وأنا أتساءل يا ترى ماذا حل بطفلي؟!

من كذب على ابنته وأخبرها أنها فقدت رحمها ليفرقنا، لن يكون من الصعب عليه أن يفعل أي شيء لتحقيق مآربه، ولا بد أن طفلي في خطر، عليَّ التذكر سريعا، عليَّ معرفة ماذا حدث لزهرة ولفلذة كبدي، ساعدني يا الله، تمتمت بها بحرقة بالغة، ولم أكد أفعل حتى سمعت همسها وهي تتحدث إلى أحدهم، كانت تخبره أن الأقراص التي تمنحني إياها كادت تنتهي، وإن لم يتدبر أمر أقراص جديدة بسرعة سينتهي أمرهم هذه المرة، لأنها تشك بأنني بدأت أتذكر، فصراخي ليلا ومناداتي على زهرة يزداد يوما بعد يوم.

لن أتناول أي قرص مهما كان منذ اليوم وسأرى ماذا سيحدث، تبا لهم ولأحقادهم.

......

إلى متى سأعاقب على ذنوب لا أذكر أنني اقترفتها، لماذا تحولت من ضحية إلى جلاد؟! وها أنا أعود ثانية ضحية لهم، يا ترى أهم من اختاروا أن يجعلونني على هذا الشكل أم أنا، "بداخل كل منا أمية وبلال ونحن من نختار أيهم نكون" لقد قرأت هذه الجملة ذات مرة ولا أعرف كيف أتذكرها الآن، على الرغم من أنني نسيت حياتي بأسرها، ولكن أحقا نحن من نختار أم واقعنا هو من يختار؟ أبإمكاننا تغيير قدرا خُط قبل أن يولد أبانا آدم، أم أنه قدر كتب علينا المسير فيه لا أكثر؟ أسيأتي يوم وأحيا حياة طبيعية أم أنني سأفنى داخل متاهة الضحية والجلاد؟! يا ترى ما مقدار الإيمان الذي حمله بلال بن رباح في قلبه ليحتمل كل هذا العذاب؟! وما مقدار الحقد الذي حمله أمية بن خلف ليعذب شخصا من بني جنسه بهذه الطريقة؟! وكم أحتاج أنا من القوة لتحمل ما أمر به؟!

فتحت عينيّ ليلا وأنا أئن ألما، غارقا في عرق بارد، أنفاسي لاهثة متقطعة، ودقات قلبي تصل مسامعي، بل تطرقها طرقا، وجسدي يرتجف كما ورقة في مهب الريح، وذعر شديد يسيطر على حواسي، حاولت تهدئة نفسي ولكنني لم أستطع، وجدتني أنهض من سريري وأتجه إلى الحمام، أجلس في حوض الاغتسال، وأفتح صنبور الماء على آخره، لم يهمني إن كان الماء باردا أم ساخنا، فقط كنت أريد الاغتسال من تلك الذنوب التي تقيد روحي وتسلبني راحتي.

بعد مدة من الزمن لا أعلمها فتحت عينيّ، ورحت أطالع جسدي المترهل، جسد لا يشبهني أبدا، جسد تحول إلى لوحة كرهها رسامها؛ فأمعن فيها تمزيقا وتقطيعا ثم ندم وأعاد خياطة أجزائها من جديد، بدأت تحسس تلك الندوب التي تغطيني، وما أن لمست يدي ذلك الندب الغائر أسفل قفصي الصدري، في النصف الأيمن من جسدي، حتى صرخت ألما، لقد كانت السكين تنغرز في لحمي، وتلك الأيادي تمسكني بقوة لتثبتني، وهو يصرخ بي: أين أخفيتها، أخبرني وإلا جعلتهم يقتلوك، وأنا أجيبه والألم يعتصرني: لا أتذكر شيئا صدقني.

كنت محتجزا في غرفة تغطي الرطوبة جدرانها، ويرسم العفن عليها لوحات مقززة، رائحتها عطنة، وأرضيتها مغطاة بسوائل جافة لم أستطع تمييز لونها، كنت واقفا في المنتصف، ورجلين غلاظ شداد يمسكون بي، وثالث يقف أمامي يسدد ضرباته بكل حرفية إلى جسدي، بحيث تمنحني موجات من الألم القاتل، وهو يجلس في الزاوية مراقبا، وابتسامة ترتسم على شفتيه، وبين فينة وأخرى يصرخ بي مستفسرا، وأنا لا أعرف بماذا أجيب، وهم لا يفهمون.

جرح يليه آخر، دمائي تسيل حارة، والألم يصرخ من وجعي، وعقلي صفحة بيضاء لا شيّة فيها، لا أعرف من هؤلاء الرجال، ولا أعرف من ذلك الذي يصرخ بي، ولا أعرف عم يتحدث، فقط الألم والخوف هما سيدا الموقف، وأنا أتهاوى ولا أفقد وعيي، أظل عالقا في المنتصف، لا أنا حي ولا بميت، وهم يصرون على الحصول على ما يريدونه، ليتني أتذكر فأخلص نفسي من العذاب.

بعد ساعات طوال من الضرب والحرق والتعذيب، بعد أن أّنهكت قواهم استسلموا أخيرا، وتركوا جسدي مسجى على الأرض الباردة، غارقا بالدم والعرق والبول، صرخ فيهم ذلك العجوز الجالس على كرسي قبالتي ينظر لي بتشف، بأن يحضروا الطبيب فورا.

جاء الطبيب خاط جراحي دون تخدير، ولكنني لم أصرخ، لقد ابتلع الألم صوتي، ولم يعد لأحبالي الصوتية القدرة على التحرك ثانية، رحت أبكي بصمت وإبرته تخترق جسدي مرة تلو أخرى، قبل أن أغرق في ظلام دامس بلا ألم بلا ذكريات بلا عذاب، وآخر ما أذكره هو صوت الطبيب وهو يحذره بأن موتي بات وشيكا، وإن أصر على تعذيبي أكثر فلن يحصل على مراده، ولن يكون بإمكان الطبيب إنقاذي من براثن الموت.

رفعت يدي عن ذلك الندب، لأعود من جديد إلى حوض الاغتسال، مرتديا كامل ثيابي، متكورا على نفسي أسفل شلال الماء المثلج المنهمر فوق رأسي، باكي العينيّن، مذعورا كفأر علق في المصيدة ينتظر أن يُجهز عليه، لففت ذراعي حول جسدي المرتجف وأنا أنتحب، إلى متى يا الله سأظل حبيس هذه العتمة التي تغلف روحي؟!

- موسى.. يا موسى... أين أنت يا موسى؟

- تنبهت من غفلتي على صوت تلك المرأة، نهضت متثاقلا من مرقدي، خلعت ثيابي ولففت المنشفة على جسدي المتجمد ذعرا وبردا، وأجبتها بصوت بالكاد يسمع، أنا في الحمام يا زهرة، قليلا وسأخرج.

- لا تتأخر، لقد جهزت لك قهوتك وصحيفة الصباح.

- تساءلت بيني وبين نفسي، أحل الصباح بهذه السرعة؟! أذكر أنني دلفت الحمام ليلا متى حل الصباح؟ ثم أجبتها متلعثما: حسنا لن أتأخر.

خرجت من الحمام وارتديت ثيابي على عجل، هبطت السلم وأنا لا أستطيع إخفاء ارتجافي، جلست معها لا أجرؤ على حمل فنجان قهوتي لكي لا تفضحني ارتعاشاتي، وأمام المدفأة المشتعلة، غفوت على الأريكة التي كنت أجلس عليها.

الفصل الثامن

《نحن نظن المعرفة نعمة نتمناها ونسعى إليها، ولكنها في بعض الأحيان تكون نقمة لا سبيل للخلاص منها، عندما تُعاقب على ما لا تعرف سيطبق على روحك شعورٌ بالظلم، ولكن حينما تتذكر سبب عقابك، ستود لو أنك ظللت تائها في ظلمة النسيان》

ألهذه الدرجة كنت عاصيا ليعاقبني الله بهذا الشكل؟ ألا يكفي أنني لم أعد أعرف أحقيقة أم خيال ما أعيشه، لا أدري إن كنت ضائعا في متاهة الكوابيس التي لا تنتهي، أم أنني أحيا واقعا مرّا لا أعرف صدقه من كذبه، أليست من أولى قواعد العقاب الناجع؛ أن توضح للمعاقب لماذا تعاقبه، فما بالي أنا أعاقب على أشياء لا أذكرها حتى؟! لقد تعبت يا الله من هذه الدوامة التي سقطت فيها، ليتك تمنحني خيطا يدلني على بداية الطريق! ليتك يا الله تخبرني بماذا أذنبت لأعاقب بهذا الشكل.

وقفت هناك أراقب رجلا في الأربعين من عمره، يجلس خلف مكتب فخم للغاية، ويمسك بين سبابته ووسطاه سيجاراً، يرتدي بزة باذخة، منفوخ الصدر، يجلس بكبرياء وغرور لا يضاهى، يقف أمامه الموظفون وهم يرتجفون خوفاً، وهو يصرخ بأوامره ولا ينتظر إجابة ولا اعتراضاً، كل ما يقوله لا بد أن ينفذ فورا، أجلت بصري في المكان، لأدرك أنني كنت واقفا في مكتب مدير إحدى الشركات رفيعة المستوى، فكل شيء، بداية من الديكور حتى دهان الجدران يدل على ذلك، صراخه بأوامره وتوبيخه للموظفين أعادني نحو وجهه، لأجده أنا بكل تفاصيلي، بذات الجرح الغائر في جبيني ولكنه أكبر مني، أأصبحت أرى المستقبل الآن أم ماذا؟!

سمعته يقول للموظفين، فلتخرجوا جميعا لا أريد رؤية أحد منكم بعد الآن، خرج الجميع ونفث هو دخان سيجاره في هواء الغرفة العابق به، مد يده نحو الهاتف، طلب رقما ثم قال آمرا: فلتأتِ فورا إلى مكتبي، وأغلق الخط دون أن ينتظر جوابا، لم تكد تمضي بضع دقائق، حتى كان الباب يطرق، مرّ من أمامي دون أن يراني، رجل في عقده الخامس يبدو عليه الدهاء، جلسا سويا يتحدثان بصوت خفيض، اقتربت منهما أكثر لأسمع ما يقولان، سمعته يهمس له: أقمت بفعل ما أمرتك به؟

- أجاب الآخر: بالتأكيد يا سيدي، وقد أرسلت لك رسالة عبر البريد الالكتروني السري، فيها كل التفاصيل، أنت تعرف أننا لا يجب أن نتحدث هنا عن الموضوع، وإلا اكتشفوا أمرنا.

- أعرف ذلك، حسنا سأفتح البريد عندما أعود للمنزل وأرى.

- عليك اتباع التعليمات المرفقة في الرسالة لتكمل الأمر، أنت تعرف أن لهم قواعد صارمة بهذا الشأن، ولن يسمحوا سوى لصاحب الأمر بإتمامه.

- نعم.. نعم أعرف، سأنهي الأمر حالما أصل المنزل، وإن تم على خير، سأكافئك مكافأة عظيمة.

- لله درّك سيدي، أنا في خدمتك، لا أريد مقابلا، قالها ونظراته تقول العكس، والطمع يلتمع فيهما.

- نظر المدير نحوه نظرة الخبير بلغة الجسد، ولغة المال أيضا، ثم ابتسم ابتسامة سخرية وهو يقول: أعرف.. أعرف ولكن لا بد من مكافأتك، فأنا لا أحب أن أكون مدينا لأحد بأي شيء.

- كما تريد، قالها وابتسامة صفراء ترتسم على شفتيه.

نهض المدير من مكانه واتجه نحو باب المكتب، غادر الشركة دون تعجل، لكي لا يلفت النظر لنفسه، رغم أن جميع الموظفين كانوا يراقبون كل سكناته وحركاته، ركب سيارته وانطلق نحو مطعم في طرف المدينة، جلس مقابلا للبحر وأخرج من جيبه هاتفا وفتح البريد الالكتروني وأنا أراقبه، فتح الرسالة المقصودة، وقد كانت معنونة بلغة إنجليزية (bank of Switzerland) اتبع التعليمات كما أرسلت إليه، وبضغطة زر نقل مبلغا لم أستطع قراءته من كثرة الأصفار التي أمامه، من حساب الشركة إلى ذلك الحساب، ثم أقفله ومسح كل العمليات التي أجراها على الهاتف، بعد أن قرأ الرقم وكلمة السر عدة مرات ليحفظهما، ثم ألقى الهاتف بكل ما يملك من قوة لتبتلعه أمواج البحر المتلاطمة.

جلس يكمل فنجان قهوته ونظرة انتصار ترتسم على عينيّه الحادتين، ولم يكد يفعل حتى رن هاتف آخر في جيبه، ضغط زر الرد وأجاب بصوت يملأه التهكم: أجل أنا من فعلتها ماذا تريد؟

صمت لثوان ثم عاد ليكمل: ألم تكن أموالي التي ورثتها عن والدي هي الأصل في كل هذه الأموال؟ لقد استعدتها الآن ولن تستطيع استعادتها مهما فعلت، أكمل كلماته بقهقهة انتصار وتشف، يبدو أن محدثه كان يهدده، وكانت ضحكاته تعلو وتعلو، وهو يقول له: لا أحد يعلم أين ذهبت بالمال سواي ولن يعلم أحد، إن استطعت أن تفتح عقلي لتخرجها فلك ذلك، ثم أقفل الهاتف وأعاده إلى جيبه والراحة ترتسم على وجهه.

يد تهزني بلطف أجبرتني على الاستيقاظ من ذلك الحلم الغريب، لقد كنت أشاهد كل شيء وكأنني شبح دون أن يراني أحد، ولكنني كنت أدرك أنني أنا وهو شخص واحد، ورغم ذلك لا أذكر أي حساب بنكي، ولا أية أموال أمتلكها، فتحت عينيّ ببطء لأجدها تراقبني بعينيّن متسائلتين، ثم همست: ما بك موسى؟ لقد أصبحت تمضي الكثير من الوقت في النوم على غير عادتك، وتصرخ في كثير من الأحيان وأنت نائم، أخبرني يا عزيزي بماذا تحلم، ربما أستطيع مساعدتك، لقد أثرت قلقي.

- أجبتها محاولا تجنب النظر في عينيّها لكي لا تكشف كذبي: فقط أشعر بإرهاق شديد، ربما أنا على وشك السقوط ضحية الانفلونزا، أنت تعرفين أنها كل مرة تنال مني، ترهقني للغاية.

- آه، سلامتك، سأصنع لك كوبا من شاي الأعشاب علّه يهدئك ويخفف عنك.

- أشكرك حبيبتي.

تركتني وذهبت وجلست أمعن التفكير، يا ترى كيف سأصل لذلك المال الذي أخفيته، بالتأكيد هو هدفهم، وعليَّ الوصول إلى هذا المال الملعون لأعطيه لهم، وأتخلص منهم للأبد، ربما حينها قد يعيدون لي زهرة وطفلي، إن ما زالوا على قيد الحياة.

.......

لقد اعتدت السقوط في أمواج الذكريات وخيالاتها، لدرجة أنها لم تعد ترهبني كما السابق، بل بت أنتظرها لكي أنجو، بل ربما لا أريد النجاة؛ كل ما أريده هو الاطمئنان على فلذة كبدي وحبيبتي زهرة، لم أعد أهتم إن استمرت تلك المرأة بالتمثيل أم لا، كل ما يهمني هو الوصول إلى ما أبتغيه، وسأصل حتما، لن أدعهم يسلبوني أعز ما أملك، ألا يكفيهم أنهم سلبوني ذكرياتي وسنين حياتي؟! ولكن لماذا كانوا ينوون قتلي سابقا في ذلك الحادث، وبعدها استماتوا للحفاظ على حياتي، بل ها هم يفنون أنفسهم لجعلي أتذكر ما نسيته؟! أم أن هدفهم لم يكن قتلي من الأساس؟!

لماذا اختاروا ذلك اليوم بالذات لكي ينفذوا خطتهم؟! أكانوا يعرفون أن نقطة ضعفي الوحيدة هي زهرة؟ ولكن أين هي الآن ماذا فعلوا بها يا ترى، هل كانوا ينوون استغلالها للضغط عليَّ؟ إن كان الأمر كذلك لماذا يخفونها حتى الآن، أم أنها ماتت في ذلك الحادث، لا.. لا يمكن أن يحدث هذا، طردت تلك الفكرة من عقلي والألم يعتصر قلبي.

آه منك يا ذاكرتي، لماذا أنت مصرة على جعلي أحيا الألم مرارا؟ لماذا لا تدليني على ما يريدون لأنتهي من هذا العذاب؟ لماذا في كل مرة أسقط في غياهب الألم تعيدنني صارخا؟ لماذا تمنحيني معلومات منقوصة لا تسمن ولا تغني من جوع، فقط تمنحني عذابا أكبر؟ لم أعد أعرف طريقة للخروج من هذه الدوامة، ألا يلقي لي أحد بخيط أريادني أم أنني حكم عليَّ بالموت على يد مينوتور النسيان؟!

أشعر وكأن صخرة تجثم على صدري، تعتصر قلبي أسفلها وتدكه دكا، شعوري بفقد فلذة كبدي، فاق شعوري بفقد زهرتي بمراحل، صحوت من نومي على صوت طفلة صغيرة يناديني، وضحكاتها تملأ المنزل، شعرت بخطواتها الصغيرة تقترب من سريري، ويدها الناعمة الطرية تتلمس وجهي، وبكل براءتها كانت تدعوني للعب معها، حملت وسادتي ووضعتها فوق رأسي طلبا لدقائق إضافية من النوم اللذيذ، ولكنها أبت تركي، شدَّت وسادتي وألقتها أرضا، بغضب طفولي مثير للضحك، وقبلت وجنتي وجبهتي وشدت يدي لأنهض، ولكنني سحبت الغطاء فوق رأسي للتهرب منها، بعد عدة ثوان اختفى الصوت، وكأنه تبخر، رفعت رأسي بسرعة لتفقد المكان، ولكنني لم أجد سوى برودة قارصة، تحتل كل شيء في هذا البيت الصامت كقبر، ولكن صدى ضحكاتها ما زال يرن في أذني.

نظرت حولي المكان فارغ من كل شيء إلا مني، أثاثه بارد وكأن لم يمسسه بشر، أثاث لا يحمل دفء الذكريات، ولا عبير الضحكات، جوانبه غريبة عني، تبث بداخلي شعورا بالفراغ والحيرة، أيعقل أنني عشت هنا سابقا، أم أنه بيت أوهموني أنه بيتي لا أكثر؟!

 أيعقل أن يدا طفلتي قد لمست شيئا هنا، وأن ضحكتها صدحت في جوانب هذا المنزل؟! وإن فعلت أيعقل أن ترحل دون ترك أي أثر لها؟! لماذا لا أذكر وجه طفلتي، ولا أذكر أول خطوة لها، ولا أول مرة قالت بها بابا، وأول ضحكة، وأول سن ينبت بين شفتيها، كيف لي أن أنسى كل هذا؟!

آه يا طفلتي العزيزة، أين ذهبت؟! هل قتلوك أم اتخذوك رهينة ليبتزوني بها، ولكن ما الذي يريدونه مني يا ترى؟ سأدفع عمري فداء لك، المهم أن تكوني بخير.

......

الفصل التاسع

《ما بين الحلم واليقظة، ما بين شيطان أنفسنا والإنسان الذي نحن عليه، ما بين واقعنا وما نطمح أن نصل إليه، أيها يستحق المحاربة لأجله، واقع يحمل بداخله كل آلامنا ولكنه رغم ذلك يمثلنا، أم حلم نتمنى تحقيقه ولا نعلم هل سنسعد به حقا أم لا؟》

حاولت النهوض من مكاني، ولكنني لم أستطع، شعرت بأن عظامي لا تستطيع حملي، صرخت باسم زهرة لكي تأتي وتساعدني، ونسيت أن زهرة ذهبت بلا عودة، تذكرت ذلك في اللحظة التي ردد المنزل صدى صوتي، ليعود إليّ كما ذهب، ولكن بصوت ساخر وكأن المنزل يتشمت بي، كم من الألم بعد سأتحمل؟!

تحاملت على نفسي ونهضت، سرت متكئا على قطع الأثاث المتناثرة، حتى وصلت قرب باب الصالة، وهناك رأيتها، تجلس على الأريكة وأمامها علب متناثرة تبدل بينها، تنقل حبات الدواء من واحدة إلى أخرى، ثم جمعت العلب الفارغة ووضعتها داخل كيس أسود، وتخلصت منه في سلة المهملات، ولم تتوقف عند هذا الحد، بل أخذت سلة المهملات وتخلصت منها في الحاوية خارجا، انتظرت حتى عادت ولم أدعها تراني، تسللت نحو الحاوية وأخرجت العلب الفارغة، لأجد مجموعة من الأدوية التي لم أسمع باسمها سابقا؛ فينوباربيتال، ثيامين، بروزاك، غالانتامين، لم أتمالك نفسي، وأنا أراها، ألهذه الدرجة بلغ بها الحقد؟! أتعطيني الأدوية وهي تخبرني أنها مسكنات للألم وتتلاعب بي.

حاولت القراءة أكثر على العبوات، واكتشفت أنها أدوية تستخدم لعلاج الاكتئاب وتثبيط الذكريات، والبعض الآخر لتحفيز أجزاء معينة من الدماغ، وبعضها أدوية لعلاج مرض الخرف المبكر.

عدت للداخل مرة أخرى، أجر ذيول خيبتي وبداخلي ألف سؤال، ولكن من يجيبني، وأنا الغريب عن هذا العالم الذي لم يعد يعرفني كما لم أعد أعرفه، أليس غريبا ألا يسأل أحد عني وألا يأتي أحد لزيارتي كل هذه المدة، أم أنني سقطت من دفتر الزمان ومن ذاكرة الناس أيضا، كما سقطوا جميعا من ذاكرتي؟!

أثناء دخولي للمنزل وجدتها هناك، تقف في منتصف الردهة تنظر نحوي نظرات كلها اتهام، لم تحاول هذه المرة إخفاء إحساسها، ولا التلاعب بمشاعري والكذب عليَّ، ربما عرفت أنني كشفت لعبتهم القذرة، كل ما فعلته أنها حملت جهازا بحجم كف يدها أو أكبر قليلا، لمست سطحه، وإذ بتيار كهربائي يسري في جسدي، شعرت بذبذباته تخترق دماغي، رجفة أصابت جسدي، وبدأت عضلاتي بالتشنج، سقطت أرضا وأنا أتلوى ألما، حاولت الصراخ ولكن دون جدوى، ابتلع الوجع صوتي، وإن صرخت، من سيسمعني؟!

رأيتها وهي تقترب مني وابتسامة تشف ترتسم على شفتيها، قبل أن أتوه في ظلام دامس، رأيتني فيه هناك، ممسكا بيد طفل صغير، أشده بعيدا عن أمه وهي تصرخ متوسلة لي بألا أفعل، ولكنني لم أتوقف، سحبته بعيدا عنها، وصرخت في وجهها: حالما تتدبرين دينك سأرده لك، وأخذته معي لأسلمه لأحد عمال شركتي، وأنا أطلب منه تعليمه كيف يعمل معه ويساعده، لم أعرف من تلك المرأة ولا من ذلك الصبي، ولكنها كانت تشبه إلى حد بعيد، هذه المرأة التي تعيش معي.

يا ترى ما الدين الذي كنت أتحدث عنه، ومهما بلغ هذا الدين أيستحق أن أسلب أما فلذة كبدها؟! ها هو القدر يرد لي الصاع صاعين، لقد سلبني زهرة، وسلبني طفلتي الجميلة، ما الذي جنيته من جبروتي؟! ألم أتعلم الدرس ممن ظلموني، كيف لي أن آمن دوائر الزمن؟! ها قد دارت عقارب ساعته وحان وقت قصاصي.

.......

 في تلك المنطقة الرمادية التي تعذبني أقبع أنا، لا أعرف إن كنت ظالما أم مظلوما، كل ما أعرفه أنني سئمت هذا المكان، إن كنت ظالما فمرحبا بالعقاب، وإن كنت مظلوما أليس هناك من ينصرني؟! كنت ما بين صحو ونوم أراهم يحقنون جسدي بعقاقير لا أعلم حقيقتها، أطباء بلكنات غريبة، ووجوه أغرب، وهي تقف هناك تراقب كل شيء بصمت.

ظننت أنني سأموت ذات نوبة، ولكنهم يقفون حائلا بيني وبين مصيري المحتوم، وكأنهم يظنون بأنهم آلهة يتحكمون بموت وحياة البشر، رأيت ذلك الطبيب الأشيب، ذا الوجه الأحمر والنظارات الطبية السميكة، بلباسه الناصع البياض، وصوته الأجش، الذي يبث بداخلي إحساسا بأنني آمن رغم كل ما أعانيه، سمعته وهو يقول لذلك العجوز بأن هذه المرة الأخيرة التي سيحاول بها، ولن يستطيع بعد ذلك فعل شيء، فعقلي لن يحتمل أكثر، وحتما سأصاب بالجنون.

بعد مدة لا أعلم كم طالت، استيقظت لأجدني على ذات السرير البارد، بأطراف متيبسة من طول النوم، حاولت النهوض ولكنني لم أستطع، حاولت الصراخ، ولكن حنجرتي المتحطبة لم تسعفني لفعل ذلك، مددت يدي بأصابع مرتعشة محاولا الوصول إلى كوب الماء الموضوع على المنضدة جواري، ليسقط أرضا متهشما بدوي صارخ، على إثره جاءت تلك المرأة، وما أن رأتني مستيقظا حتى هبت نحوي.

- وأخيرا استيقظت يا عزيزي، قالتها بصوت يتصنع القلق.

نظرت نحوها بوجوم محاولا فهم تحولاتها ولكنني لم أستطع، لاحظت هي نظرة الاستغراب التي تعلو وجهي، فقالت موضحة: لقد أصبت بنوبة تشنجية منذ أسبوعين، ودخلت في غيبوبة، لقد أثرت قلقي عليك، ظننت أنني سأفقدك، وعلى أعتاب هدبيها هبطت دمعة كاذبة.

حاولت الجلوس معتدلا فلم أستطع، فمدت يدها ورفعت ظهري ليستقيم، وأسندته بعدة وسائد، نظرت نحو كوب الماء ففهمت أنني أشعر بالعطش، فأحضرت كوبا آخر، وقربته نحو شفتي، بضع قطرات كانت كافية لتستعيد أحبالي الصوتية مرونتها من جديد.

- همست بصوت يسمع بالكاد: لقد رأيتك وأنت تبدلين عبوات الدواء.

- أي عبوات دواء تقصد؟

- تلك التي أخفيتها في سلة المهملات بالخارج.

- لا بد أن ما قاله الطبيب قد حدث بالفعل، لم تكن تتناول دواءك أليس كذلك موسى؟! هذا خطر عليك لقد أخبرنا الطبيب أنك بعد الحادث الذي تعرضت له، من المحتمل أن خللا قد يصيب دماغك، وقد تصاب بجنون الارتياب، لا لم أبدل أي أدوية، فقط كنت أعيد ملأها لا أكثر.

نظرت نحوها غير مصدق لحرف مما تقول، ولكنني آثرت الصمت وعدم الرد، وطلبت منها تركي لأرتاح قليلا، وتحضير بعض الحساء لأجلي، فأنا أشعر بالجوع.

تركتني لوحدي وذهبت، وعدت أنا لظلام الذكريات من جديد، في حديقة غناء، تزدان بالأشجار المزهرة، وتحفّها الطيور المزقزقة، وتزينها الفراشات الملونة، جلست أنا وزهرة، وطفلتي تلهو حولنا، وصوت ضحكاتها يعلو تارة ويخفت أخرى، جلسنا على مقعدين متقابلين، أنا بكآبتي المعتادة، وهي بزهور وجنتيها المشرقتين، وعينيّها اللتين تمنحانني الدفء والأمل، كنت أحمل بين يدي صحيفة اقتصادية، أقرأ فيها آخر تطورات البورصة، تجهمت للحظات وأنا أرى أسعار بعض الأسهم تهوي، مما سيتسبب لي بخسارة فادحة.

لم أكن معنيا بكل الجمال الذي يحيط بي، ولا حتى بدفء اللحظة التي أحياها، كل ما كان يهمني هو الأموال، كسبها وعدم خسارتها، ولم أهتم إن خسرت زهرة، أو نسيت وجودها في حياتي، في تلك اللحظة التي كنت أغرق فيها في غياهب الحسابات التي ستنبئني بكم الأموال التي سأخسرها، رأيت زهرة بجمالها الأخاذ تنهض لتجري خلف طفلتنا الضاحكة وتداعبها محاولة الإمساك بها، وفي كل مرة تهرب هي وتختبئ في حضني، وأنا أبعدها عني بعدم اهتمام بدل أن أقبل وجنتيها ضاحكا.

فجأة ركضت طفلتي وخلفها زهرة، نهضت محاولا الإمساك بهن، ركضت خلفهن بكل قوتي ولكنهن اختفين من أمامي، وتركنني غارقا في ظلام دامس، وألم مريع يشق صدري، تلفت حولي والرعب يسيطر على حواسي، بحثت عنهن في كل مكان، ولكنني لم أجد شيئا، فقط صدى صوت ضحكاتهن الذي يتردد في الأرجاء، كان يطرق مسامعي بين فينة وأخرى مسببا لي الجنون.

رحت أركض في الأرجاء كالمجنون، حتى سقطت في هوة مظلمة، لا قرار لها، الظلام كان يحفني من كل جانب، وصراخي لا يكاد يخرج من حيز شفتي حتى يبتلعه الفراغ الذي لا ينتهي، بعد مضي وقت لا أعلمه وجدت يداً تهزني برفق، لتعيدني إلى واقع بمرارة الحنظل، لا أعرف إن كنت واعيا فيه أم مغيباً، ولكنني وجدت دموعي تغرق وجنتي.

رحت أفكر كم من اللحظات الثمينة التي لم أوليها بالا حينها وتركتها تمر من بين غربال ذكرياتي وكأنها بلا أية أهمية؛ أحلم الآن بعودتها، بل أنا مستعد لدفع سنين عمري الباقية ثمنا للحظة واحدة منها، لضحكة من شفتي طفلتي، أو لنظرة من عينيّ حبيبتي، آه كم نحن أغبياء، دوما نفوت ما هو مهم، في سبيل ما نظنه مهما، ولكنه لن يعني أي شيء في مقياس الحياة فيما بعد، ليت الزمن يعود للوراء قليلا، ليته يمنحني لحظات كتلك مرة واحدة ولأمت بعدها.

......

الفصل العاشر

《الكثير منا يتمنى لو يفقد ذاكرته عندما تئن روحه تحت وطئة رحى الحياة، ولكن إن حدث وفقدها؛ هل سيرضى بقدره؟! أم أنه سيظل يدور كثور أعمى ربط في ساقية، بحثا عن أي خيط يسوقه نحو حقيقته؟》

تربيتة يدها على كتفي أعادتني إلى واقع أرفضه، لتذكرني بماضٍ هرب مني، أحاول اللحاق به ولا أقدر على الإمساك به، لقد أصبح ماضي كحفنة رمال كلما شددت اصابعي عليها أكثر كلما تساقطت من بينها حبة تلو أخرى، وكلما ظننت أنني أقبض على خيوطه وفتحت يدي للتيقن صدمني الفراغ الهائل الذي يملأعقلي، ذكرياتي كلها باتت عبارة عن بضع لقطات، يصورها لي عقلي المريض كلما أراد التلاعب بي، أما روحي التي أشعر أنني فقدتها منذ زمن، فهي تصارع لكي لا تندثر، ولكن هيهات.

حملقت في وجهها طويلا وأنا أتأمله، حتى ظننت أنها شكت بي، وأنا أحاول التذكر، لماذا سلبتها طفلها، وهل كان المبلغ يستحق، وما الذي كان سيؤذيني لو تركته لها أنا صاحب الملايين؟! بادلتني نظرات الاستغراب ففطنت إلى نفسي فتنحنحت وبصوت أجش من طول الصمت، طلبت منها مساعدتي على النهوض، ففعلت، ذهبت إلى الحمام واغتسلت وارتديت ثيابا أخرى، وما إن خرجت حتى وجدتها تطالعني بنظرة يملأها العجب، سألتني مستفسرة: هل أنت ذاهب إلى مكان ما؟

- أجبتها بنبرة كلها تعب: أجل أتمنى لو ترافقينني للتمشي قليلا، لقد تعبت من الاستلقاء الطويل.

- حسنا انتظرني بضع دقائق لأجهز نفسي، قالتها وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيها، فقد ضمنت عدم خروجي لوحدي.

سرنا يدا بيد، فحالتي لم تكن تسمح لي بالسير وحدي، واكتشفت أنها أول مرة لي خارج أسوار ذلك المنزل-عدا تلك المرة التي تبعتها فيها وقد كنت أكثر تعجلا من الانتباه للتفاصيل- الذي تأكدت أنه لم يكن بيتي عندما رأيته من الخارج، رحت أطالع الشوارع بنظرة مغيبة، فلا شيء يشبه ما كنت أعتقده عالمي، لا الجيران هم الجيران، ولا الشوارع هي الشوارع، وكأنني في مدينة غريبة لا أعرفها، شكل الشوارع أصبح مختلفا تماما، لوحات إعلانية مضيئة، تشبه التلفاز ولكنها تفوقه حجما بأضعاف، تترأس أعمدة طويلة مثبتة في كل زاوية، أشجار مصفوفة بشكل مهندم على الأرصفة، شوارع لا تشبه مدننا العربية في شيء، ولا حتى بنظافتها المبهرة، فأنت لا تكاد تلمح ذرة غبار على الأسفلت، الذي يبدو أنه رصَّ في الأمس، وحتى الناس لا يشبهون أنفسهم، فكل شخص يحمل بين يديه جهازا صغيرا، بحجم الكف أو أكبر قليلا لا يكاد يرفع رأسه عنه، لا أحد يراك أو يكلف نفسه ليلقي السلام عليك، فجأة من العدم ظهر هو، رجل محني القامة، وقور الهيئة، خمسيني العمر، غزا الشيب فوديه، وكست التجاعيد وجهه، يسير الهوينا متكأ على عكازه، أوقفني صائحا بصوت مرتعش: موسى أين أنت يا رجل؟

- وقفت متعجبا أتلفت حولي، ثم أشرت بإصبعي نحو صدري، وسألته: هل تحدثني؟

- أجل، أنا أحدثك، ألست موسى المنشاوي، المحامي ورجل الأعمال الشهير؟

- بلى أنا موسى ولكن لا أعرف إن كنت رجل أعمال وشهير، وأيضا أنا لا أذكرك، أعتذر.

- أنا أسعد الحناوي، زميل دراستك، ألا تذكر كم سهرنا سويا؟ لقد كنت أظنك ميتا، فمنذ سنوات طوال لم أسمع عنك خبرا، ولكنني كنت موقنا أن موت شخص مثلك، لن يمر دون أن تتحدث عنه الصحف، فأخذت من قاعدة أن لا خبر، هي خبر جيد.

نظرت نحوه مطولا، محاولا تذكر أي شيء، ولكنني لم أتذكر، ليكمل قوله: منذ مدة وصلني خبر، أو فلنقل رجاء من صديقنا هيثم، لقد عمم على جميع معارفنا، أن يخبره أي شخص بأي خبر يسمعه عنك، وأن نخبرك حال وصولنا إليك، أيا كان من يلتقيك، بأنه ما زال محتفظا بهديتك، أتذكرها؟ وأتبع قوله بغمزة بعينه اليسرى، مما زاد حيرتي، عن أي هدية يتحدث؟! وأي هيثم هذا الذي ما زال يبحث عني بهذه الاستماتة، ولم يفقد الأمل بالعثور عليَّ حتى الآن.

لم أكمل تفكيري، فقد وجدت تلك المرأة تسحبني من يدي، وتخبره أنه أخطأ، فالأمر لا يتعدى تشابه الأسماء، أو ربما هو شبه عليَّ لا أكثر، برّرَت له بصوت متوتر، ثم مشت دون أن تنتظر مني أي ردة فعل، ولكنني حاولت التوقف والتحدث معه أكثر، فلم يكن منها إلا أن سحبتني من يدي وسارت بي، ولم أجد بي قوة للمقاومة، فأذعنت لها وأكملنا سيرنا، وأنا أتبعها كالذي يسير أثناء نومه، وكلي يفكر؛ كيف لرجل خمسيني أن يكون زميل دراستي، وأنا لم أتعد الخامسة والثلاثين من عمري؟! هل فاتتني كل هذه السنوات ولا أذكر منها شيئا، يا ترى كم من اللحظات سرقت مني، وكم عام مضى وأنا على هذه الحالة من الضياع، متى سيتوقف قطار العمر الذي ينهب روحي، دون أن يتوقف قليلا ليمنحني بعض الراحة، أم أن جميع المحطات تلاشت من طريقه، ولم يعد لدي سوى طريق واحد، أسيره وأنا أجهل كل ما سبقه، وأجهل أين ستنتهي بي رحلته؟! ولماذا لم تتركه يتحدث معي، وأصرت على إكمال المسير؟!

.........

كلما تذكرت أكثر، تمنيت لو أنني لم أتذكر، فكل ذكرى تعود لي، تريني كم كنت أنانياً وقاسياً، بل مجرما أيضاً في حق كل من عرفني، ليتني لم أخضع لقسوتهم، ليتني لم أتبع قانون الغاب الذي تربيت عليه، كنت أظن أن الإنسان المعذب، هو أكثر من يشعر بغيره عندما يتحسن وضعه ويمن الله عليه بكرمه، ولكنني اكتشفت أنه يتحول لطاغية أقسى من الطغاة الذين كانوا سببا في ظلمه من الأساس، وكأنه ينتقم لكل ألم شعر به، ولكن ممن؟ من الضعفاء الذين لا يملكون الدفاع عن أنفسهم؟! لماذا لا نكتفي بالانتقام ممن ظلمونا، لماذا علينا أن نثبت أن بإمكاننا أن نصبح أكثر ظلماً؟ نحن البشر أشد المخلوقات توحشاً.

عدنا إلى البيت وأنا ما زلت مستنداً على ذراعها، نظرت نحو وجهها، لألاحظ كم هي جميلة، رغم مسحة الحزن التي تغطي عينيّها، وفي اللحظة التي تمعنت بملامحها فيها، هاجمتني تلك الومضة المؤلمة على حين غرة، رفعت يدي لأمسك رأسي، فاختلّ توازني وكدت أسقط أرضاً، ولكنها لم تتوانَ عن الإمساك بي، تلاقت نظراتنا لأعود سنوات وسنوات إلى الخلف، عندما كانت شروق تعمل محاسبة لدي، رأيتها وهي تتوسلنِ بعيون منتفخة من شدة البكاء، وهي تطلب مني مسامحتها، ورأيتني وأنا أصرخ في وجهها: من آمنه على أموالي، ويتجرأ على اختلاسها، لا سماح له عندي.

- أجابتني بلوعة وصوتها يقطع نياط القلوب: لم أفعلها لأجلي، بل فعلتها لأن ولدي كاد يموت، وراتبي لم يكفِ لعلاجه، طلبت سلفة من المدير ولم يمنحنِ، أكان عليَّ تركه يموت؟!

- وما همي أنا إن مات أو عاش، لقد خنتِ الأمانة، وعليك احتمال العقاب.

- ألست أباً؟! ألا تعرف غلاوة الأبناء، أتوسل إليك سامحني.

- ألم تسرقيني لأجله؟ إذا سأحرمك منه حتى تعيدي أموالي التي أخذتها دون إذن، أتبعت كلماتي التي قلتها بكل قسوة، وأنا أشد طفلها الذي بالكاد يبلغ العاشرة من بين يديها، وأسلمه لمساعدي، وآمره بضمه لبقية الأطفال أمثاله، الذين يعملون في أحد المصانع التابعة لشركتي.

- صرخت: أرجوك طفلي مصابٌ بالربو، لن يحتمل، أرجوك.

كانت تحتضن ساقي وهي تتوسلنِ باكية نفضت ساقي لتسقط هي أرضاً خلفي، وارتديت نظارتي السوداء، وخرجت من المكان، وابتسامة انتصار ترتسم على شفتي، لا أدري أين النصر في كسر الضعيف، الذي لا سند له!

بعد عدة أيام، تلقيت اتصالاً من مساعدي، يخبرني فيه أن الطفل أصيب بنوبة ربو، نتيجة لأبخرة المواد التي يعمل بها المصنع، ولم يكن بحوزته أي دواء، وقد قضى نحبه، ويسألني؛ ماذا عليه أن يفعل بجثته، أيعيدها إلى أمه، أم ماذا.

بكل قسوة وجبروت، أمرته بالتخلص من الجثة دون أن يخبر أحداً، لكي لا نلفت الأنظار لعمالة الأطفال التي تدر علينا الملايين.

أفقت من شرودي، على يدها التي تمسك بي لكي لا أقع، وبعينيّن دامعتين، وبصوت متوسل، قلت لها: أنا آسف، أرجوكِ سامحيني.

- حدجتنِ بنظرة متسائلة، ثم قالت: على ماذا؟!

- لم أتجرأ على النطق، وإخبارها بأنني كنت السبب في موت ولدها وإخفاء جثته، وأنها لن تراه بعد اليوم، فقلت لها: لأنني أتعبك يا شروق.

- ما كدت ألفظ اسمها حتى تهالكت بجانبي، وهي تصيح أتذكرت أخيراً؟ أرجوك أخبرني أنك تذكرت، أين هو علاء، أين هو فلذة كبدي؟

- تداركت نفسي وأنا أسألها: من علاء يا زهرة؟

- زهرة! ألم تقل شروق منذ قليل؟

- من شروق هذه؟

- تمالكت نفسها وهي تمسح عينيّها، وتنهض لتعتدل، وأجابتني بنبرة متألمة: لا أحد، لا تشغل بالك.

كان قلبي يتقطع عليها، ولكنني لا أعرف أين زهرة وطفلتي، ولن أزيد النار حطباً باعترافي، فربما تؤذيهن إن عرفت أن طفلها ميت منذ سنين.

أي مجرم كنته يا موسى، ألن تكتفي بهذا القدر؟ أما زال هناك المزيد من الجرائم؟ فلتدفع الثمن الآن، ولتستغفر كثيراً، ربما يسامحك الله على ما أخطأت به في حقه، ولكن هل سيسامحك الناس الذين ظلمتهم؟! وإن سامحوك، هل ستسامح نفسك؟!

.........

الفصل الحادي عشر

》في بعض الأحيان، نحن نفضل الكذب على أنفسنا وإيهامها أن الغد أفضل، رغم أننا نثق تمام الثقة، أنه لن يكون كذلك، ولكن هذه طبيعة البشر؛ يحيون على فتاتٍ مما يسمى أملاً》

ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، ليتني ظللت فاقداً للذاكرة، ليتني لم أتذكر، اليوم كنت على موعد مع أكبر طعنة لقلبي، أو ربما هذا هو العقاب الذي قدر لي دفعه ثمناً لجرائمي، لقد شاهدته بأم عينيّ وهو يقود سيارتي باطمئنان، ذلك الشقي الذي كان سبب الحادث.

اليوم طلبت من زهرة المزيفة، حسناً أقصد شروق أن نخرج قليلاً لأرفه عن نفسي، ولكنها رفضت الخروج سيراً، متعللة بأن ساقها تؤلمها، ولكنني أعرف أنها تخشى أن نقابل شخصاً يعرفني مرة أخرى، لم يكن لدي فرق، المهم أن أخرج من هذا القبر الذي صُمم على قياس خيباتي، ويدعونه جزافا "بيتاً".

سمعت صوتها وهي تنادي على السائق ليخرج السيارة، وأنا أجهز نفسي للخروج ثم جاءت لاصطحابي، ما أن اتخذت مجلسي في السيارة حتى وقع بصري عليه، وجدت نفسي أصرخ بكل ما فيّ، ورأسي يكاد ينفجر ألماً، لأصحو مرة أخرى في سيارتي الفخمة ويدي تمسك يد زهرة، والخوف والهلع اللذان كادا يخلعا قلبي، عندما شاهدت السيارات التي تطاردنا، ورأيت وجهه بكل وضوح، وهو يشد قميص الرجل الذي يمسك بالمسدس محاولاً إطلاق النار، ليمنعه من فعل ذلك، وأشار لسائق السيارة الأخرى، بأن يقطع عليَّ الطريق، انطلقت تلك السيارة وهي تزأر وعجلاتها تصرخ على الأسفلت، وقبل أن يتجاوز سيارتي بقليل، انحرفت مؤخرة سيارته لتصدم مقدمة سيارتي، انحرفت سيارتي وخرجت عن الطريق، وأخذت تسقط عن حافة الهاوية.

كنا نتهاوى، ويدي تمسك يدها وهي تصرخ خوفاً، وليس بيدي شيء أفعله، ظللت أنظر نحوها لكي لا تفوت لحظة دون رؤية وجهها، حتى وإن كان مصيري الموت، أريد لوجهها أن يكون آخر ما أراه، حطت السيارة وتحطمت وحطمت كل أمل لدي، وكل ما يربطني بهذه الحياة، سقطت على شجرة باسقة أسفل الوادي، وغصنها الذي تحول فجأة إلى رمح قاتل، انغرز في صدر زهرتي، ليته انغرز في قلبي وتركها حية، صرخت بكل القوة التي تبقت لدي، ورأيت أيديهم وهي تسحبني خارج السيارة، قبل أن تنفجر السيارة وتتحول زهرتي إلى رماد.

عدت إلى رشدي وأنا ما زلت أصرخ، مددت يدي على قدر استطاعتي لأمسك بعنقه ولكنه تفلت مني، نظر نحوي نظرة تحمل الكثير من الأسف بداخلها، ولم ينبس ببنت شفة، بدأت الأسئلة تنهمر عليه كوابل من الرصاص، لماذا قتلت زهرة، لماذا سلبتني أعز ما أملك، لماذا في ذلك اليوم تحديدا؟ لماذا حولت أكثر لحظاتي سعادة إلى أكثر أيامي ألما؟

- أدار جسده بكامله نحوي وهو يقول: ماذا تقصد، أنا لست سوى مجرد سائق.

- صرخت في وجهه: لا تكذب، لقد رأيتك في تلك السيارة التي كانت تطاردني.

- عن أي سيارة تتحدث، لقد توظفت منذ عام فقط لخدمتكم، حتى اسأل السيدة زهرة، هي من وظفتني، ونظر نحو شروق يطلب منها التصديق على كلامه.

- فنظرت نحوي وهي تتصنع الدهشة مما يحصل، ثم قالت: ما بك يا موسى؟ حسين هو السائق الخاص بنا منذ عام فقط، ألا تذكر ذلك؟

لم يكن بيدي شيئاً آخر لفعله، لقد افتضح أمر ذاكرتي التي تعود لي تدريجياً الآن، وتجعلني أتصرف بشكل لا إرادي، وفي كل مرة يكذبونني ويعيدونني صفر اليدين، ولكنني متأكد مما أقوله، لن أسمح لهم بالإفلات هذه المرة.

.......

مددت يدي أكثر وأمسكت بخناقه، وبدأت الضغط على عنقه وأنا أصرخ في وجهه: لا تكذب عليَّ، أنا أعرف الحقيقة، هيا أخبرني.

أمسك بيدي محاولاً إبعادهما عنه، وما أن فعل، حتى صمتُ تماماً وأنا أتذكر وجهه، لقد كان هو؛ لقد كان شريك عمي في شركاته قبل استيلائي عليها، كان منافسي الأول ومن حاول كسري في بداياتي، لأنه يمتلك واحداً وخمسين في المئة من أسهم الشركة، ولكن على من؟! فأنا موسى، وقد أعددت لكل منهم فخاً لا يمكنه الإفلات منه.

لقد كان أحد الأشخاص الذين يزورون عمي باستمرار في لياليه الماجنة، وقد صورته في كثير من الأوضاع المشينة، لا بل لم أكتف بذلك، بل سرقت الكثير من المستندات التي تدينه، وفي اللحظة التي بات تهديدا لي فيها، هددته بما أملك من تسجيلات، فتنازل لي عن نصف أسهمه لكي يضمن سكوتي، ولكنني لم أكتفِ، فطمعي كان أكبر من كل شيء، كنت أريد امتلاك كل شيء، كنت أريد أن أصبح الأقوى بلا منازع.

بعد أن اطمأن لي، سربّت تلك التسجيلات إلى أحد صحافيي الإشاعات، الذين ما إن يشمون خبراً؛ حتى يحولونه إلى قصة كاملة، يضعون لمساتهم الخاصة، ويصنعون من حياة الناس خبطة العمر، ويرتقون على حساب حياتهم المدمرة، ولم يأل ذلك الصحفي جهداً حتى يصعد، قام ببيع التسجيلات لعدد من الصحف، وتصدرت الأخبار صفحات الجرائد الأولى "قذارات رجل أعمال شهير" وصورته تتوسط الخبر.

تحطمت سمعته، ولم تعد لديه القدرة على مواجهة المجتمع، ولكنني لم أكتف أيضاً، كان عليَّ إزالته من طريقي بأي ثمن، فأرسلت المستندات التي تثبت أنه يتاجر في المخدرات إلى الشرطة، في مغلف مغلق، وعلى واجهته كتبت فاعل خير، تم إلقاء القبض عليه، والحكم عليه بعشر سنوات.

رأيته خلف القضبان، يرتدي زي السجناء، ونظرة الذل ترتدي وجهه، كنت هناك؛ أقف بكامل أناقتي، أضع نظارة سوداء على وجهي، ويدي داخل جيبي، وبيدي الأخرى أحمل ملفاً أسود اللون، وابتسامة شماتة ترتسم على شفتي، وهو خجل من النظر نحوي، هتفت باسمه بنبرة ساخرة: السيد حسين باشا، وأخيراً أصبحت في مكانك المثالي، وأتبعت قولي بضحكة سخرية.

تحولت نظرة الذل إلى غضب عارم، ضرب القضبان بيديه ومد يديه عبرها محاولاً الإمساك بي، ولكنني ابتعدت للخلف وأنا أقهقه، رفعت نظارتي بتحد، وقلت له: أتود الخروج من هنا؟

- أجاب متوسلا: أرجوك، ساعدني ولن أنسى لك هذا الجميل ما حييت.

- ولكن لكل شيء ثمن! قلت بجدية، ونظرة ذات معنى ترتدي عينيّ.

- فطن أخيرا إلى ما أبتغيه، فصرخ بحدة: لقد كنت أنت من فعلها إذا، يا لك من خسيس!

- لا يهم من فعلها، المهم أتريد الخروج أم لا؟

- بالطبع أريد الخروج، مستعد لفعل أي شيء، فقط أخرجنِ من هنا.

- مددت نحوه الملف الذي كنت أحمله بيدي، وبإصبعي أشرت نحو مكان التوقيع، وقلت آمراً: وقع هنا إذاً.

- نظر نحو الملف، ليرى وثيقة تنازل عن كل أسهمه في الشركة، رد بصره نحوي متعجباً، ومتوسلاً: حاول أن يتناقش معي، ولكن نظرتي أوحت له أن لا مجال للنقاش، همس مستفسرا: ما الذي يضمن لي أنك لن تتراجع بعد أن أوقع؟

- وهل لديك خياراً آخر؟ قلت متسائلاً.

- قال بإذعان: أين القلم؟

- مددت نحوه قلماً أخرجته من جيب قميصي، وابتسامة انتصار تزين وجهي، وقلت له مهنئاً: أحسنت فعلاً باتخاذك لهذا القرار، سحبت الملفات بعيداً عنه، واستدرت لأخرج.

- صرخ من خلفي، وأنا متى سأخرج من هنا؟

- التفت نحوه باستهزاء، ثم أطلقت لضحكاتي العنان، قبل أن ألقي بقنبلتي في وجهه: ستخرج حتما، عندما تنتهي مدة محكوميتك.

ارتديت نظارتي من جديد وأنا أغادر المكان، وهو يجلس أرضاً باكي العينيّن بعد أن خسر كل شيء، سمعته، وعائلته، والآن أمواله، وجدران السجن تعيد صدى ضحكتي الساخرة، بطريقة مرعبة.

ها هي ضحية أخرى من ضحايا طمعي تقف في مواجهتي، يبدو أن جميع ضحاياي قد اتحدوا لكي ينتقموا مني، ففي النهاية عدو عدوك سيكون صديقك بالتأكيد، يا ترى من هناك أيضاً؟! ألن تنتهي جرائمي؟! متى سأرتاح.

ارتخت يدي عن عنقه ببطء وعيناي مثبتتان في عينيّه، كدت أعتذر منه، ولكن أي غفران سأطلبه بعد كل ما فعلته؟ وهل هناك شخص قد يغفر لي كل هذه الجرائم التي ارتكبتها بحقه؟ حتى وإن كان سيئاً، فأنا لست بمنزلة تخولني الاقتصاص منه، أم أنني كنت أنتقم لطفولتي البائسة، وأموالي المسروقة، من كل من كان غنيّاً حتى لو لم يؤذني؟! ربما لأنه كان شاهداً على كل ما كان يحصل لي، ولم يعترض يوماً، بل لم يحاول التخفيف عني، وكان يراني مجرد خادم في قصر عمي، وربما لأن الشهود الذين لا يحركون ساكناً، هم الأكثر إجراماً.

يا ترى هل قضى محكوميته، أم خرج من السجن بطريقة أخرى، وإن قضاها؛ أيعقل أن كل هذه السنوات سرقت مني؟! متى سأعرف يا الله.

.......

الفصل الثاني عشر

》 البعض يرى الموت مأساة، والبعض الآخر يراه راحة، والكثيرون يرون أنه طريقة لإحراز مزيد من المكاسب، كل منا له رؤيته الخاصة للموت، كما للحياة، كل منا يتمنى موت أو حياة أحدهم، وهو يظن أنه بذلك سيصبح أسعد، ولا أحد يرى أن الموت ليس سوى مجرد بداية؛ بداية لهم في حياة ما بعد الموت، وبداية لحياتنا دونهم، ولا أحد يعترف، بأن لا شيء، ولا أحد سيظل على حاله، بعد أن يضع شبح الموت بَصْمَتَهُ على حياته》

صحوت من نومي، وأنا أشعر وكأن يداً تضغط على عنقي، أردت استنشاق بعض الهواء النظيف، بدل الأنفاس العطنة، لشياطين الانتقام التي تحوم داخل زنزانتي الضيقة، التي يدعونها خطأً؛ غرفة نوم، فتحت الستارة، ومددت رأسي مغمض العينيّن، أعب الهواء عباً، تناهى إلى سمعي ضجيج سيارات، وصراخ وعويل ونواح، فتحت عينيّ مستطلعاً الأمر، فرأيت صفا طويلا من السيارات، يترجل منه أناس يتخذون من الأسود زيا لهم، نساء باكيات، ورجال يكتمون ألمهم.

شعرت أنها ليست المرة الأولى التي أرى فيها هذا المشهد، لقد كنت هناك، ولكنني كنت أكاد أطير فرحاً حينها، ولم يكن حالي كحال هؤلاء الرجال، وكأن موت ذلك الشخص كان انتصاراً لي، رأيتني وأنا أضم زهرة إلى صدري مواسياً، وهي تنشُج بين يدي، أربّت على رأسها، وأحاول جهدي لأخفي ابتسامتي.

- كانت تهمس: لماذا تركتني يا أبي، ليس لي غيرك أنت تعرف ذلك، كيف هان عليك تركي وحيدة في هذا العالم القاسي؟!

- رفعت وجهها نحوي وقلت لها معاتباً: وأنا؟! ماذا عني؟ أتظنين أنني سأتخلى عنكِ؟

- تنهدت وهي تنظر نحوي، ثم قالت: عدني ألا تفعلها، لم يعد لي في هذه الدنيا سواك، أنت كل حياتي الآن.

- بالطبع يا حبيبتي، أعدك، لن أتخلى عنك ما حييت، قلتها وأنا أضمها إلى صدري أكثر.

سمعت بعض الأشخاص يتحدثون عن سبب موته؛ قالوا أنه تلقى اتصالاً من رقم مجهول، بعدها خر صريعاً وهو يمسك صدره وينشج بألم، حاولوا إسعافه، ولكن سيف القدر كان أسبق، وخطف ملاك الموت روحه الطاهرة، تبسمت بسخرية عندما سمعت وصفهم له، وفكرت: أهذا يمتلك روحاً طاهرة، أم أن حبكم لنقوده هو من يتحدث؟!

في الأرجاء تناثرت تجمعات من الأشخاص، البعض جاء معزياً، ليثبت وجوده في هذا الوقت كداعم، وكأنه يتمنن على أهل الميت بزيارتهم، والبعض الآخر جاء لأنه يرى العزاء واجب محتم، والبعض الآخر جاء طمعاً في مكسب ما، ففي النهاية نحن الورثة الوحيدون، وأي علاقات ستتم إقامتها معنا بالتأكيد ستعود عليهم بالنفع، والبعض الآخر جاء شامتاً، لقد رأيت نظرات الراحة ترتسم على بعض الوجوه، وكأنهم ارتاحوا بموته أخيراً، وجاءوا ليتأكدوا أن الخبر ليس كذبة.

لقد كنت متأكداً أن اتصالي سيكون مدمراً، ولكنني لم أحسب أنه سيموت بهذه السهولة، فمن مثله يظلون أحياءً، ليعذبوا البشر، مات إذاً وها قد أصبحت كل ثرواته تحت سيطرتي، وليس حسابه البنكي فقط، في ليلة وضحاها، تحولت من موسى المحامي الفقير، إلى موسى رجل الأعمال، حوت السوق، الذي يمتلك أضخم الشركات وأهم العقارات.

وأخيراً عاد لي حقي، الآن سيبدأ انتقامي، سأقتص من كل شخص كان له دور في بؤسي، وسأحيا سعيداً مدى العمر، فزهرة وأموالها معي، أقصد أموالي، دار كل ذلك في عقلي، ليمنحني نشوة لا مثيل لها، وكأنني قد تجرعت كؤوساً من أفخر أنواع الخمر.

ثملت دون أن يمس المشروب شفتي، ارتحت أخيراً، وهدأت نيران قلبي، أو هذا ما ظننته حينها، ولكن على ما يبدو أن الرماد الذي كان يغطي جمر قلبي أخف مما يجب، تطاير وتركه ليشتعل من جديد، ويبدأ رحلة جديدة من الانتقام، وأصبحت كالنيران، مهما جمعت من الأموال لا أشبع، مهما حطمت من الشركات لا أكتفي، ومهما ذَلَلْتُ من أصحاب الأموال وأخضعتهم لسيطرتي لا أَمل، لقد عشقت إحساس السلطة، وقوة المال، وأردت الحصول على كل شيء، لم أعد أهتم لفقير ولا لكسير، كل ما كان يهمني هو جمع المزيد والمزيد، لا يهم كم من الأرواح تداس في سبيل ذلك، المهم أن أظل أنا واقفاً على قمة العالم الاقتصادي.

عدت إلى واقعي وصوت شروق يتردد في أذني، كانت تخبرني، أنها ستذهب للقيام بواجب العزاء في المنزل المجاور، أومأت برأسي دون أن أنظر نحوها، وغرقت في دوامة جديدة، إن كان عمي قد مات، فمن هذا السبعينيّ الذي يلاحقني ويود الانتقام مني، إن لم يكن هدفهم المال في الحساب السويسري، ما الذي يبحثون عنه إذا، بالتأكيد المال لا يخص سواي وزهرة وعمي سابقاً، ولن يهتم أحد بأي منا حصل عليه، ولكن بالتأكيد هناك ما هو أخطر، ويستحق منهم كل هذه المجازفة للوصول إليه، كيف سأعرف؟ يا الله ألهمني طريق الصواب، يا الله دلني على راحة قلبي.

........

سمعت صوت الباب وهو يفتح، ووجدتني دون تفكير أناديها، زهرة.. زهرة، فجاءت مسرعة تسألني ما بي، فقلت: هل يمكنني مرافقتك لبيت العزاء؟

- أجابتني متعجبة: ولكنك لا تعرفهم، لماذا تود زيارتهم؟ ولم يسبق لك أيضاً أن أقمت أي علاقات مع الجيران.

- لقد مللت من الجلوس بين هذه الجدران، أود التوقف عن التفكير قليلاً، ربما إن خرجت سأشعر ببعض التحسن.

- آها، حسنا لما لا، قالتها وهي ترفع كتفيها وتلوي شفتيها بلا مبالاة، رغم العجب المرسوم على وجهها.

ارتديت بزة رسمية، سوداء اللون، ونزلت متأبطاً ذراعها، وسرنا سوياً حتى وصلنا ذلك البيت، دلفت إلى المكان متلفتاً حولي، كنت أظن أن تواجدي في قلب الحدث قد يعيد لي بعض ذكرياتي الضائعة، لم أجرؤ على إلقاء التحية على أحد، فكما قالت شروق؛ فأنا لا أعرف أحداً، ولا وجه حق لي بزيارتهم، ولكن على ما أذكر، ففي الماضي، كانت مشاركة الناس أحزانهم لا تحتاج إلى إذن ولا حتى سابق معرفة، ولكن على ما يبدو، فكل شيء الآن يخضع لقوانين مختلفة، حتى الأحزان، باتت أكثر بذخاً، فهم يتصنعون البكاء بأرستقراطية، يرتدون ثياباً فخمة جداً، والنساء تتبارى لإظهار مفاتنها ومدى غناها، أما الرجال، فقد كانوا يتجمعون للحديث عن آخر صفقاتهم، كل منهم يحمل بين أصابعه سيجاراً فاخراً، ينفث دخانه في أجواء المكان، ولا أحد مهتم فعلاً بمن بات تحت التراب، سوى أقرب الأقربون إليه وهم قلة.

جلست في زاوية بعيدة، أراقب المكان، وأراقب شروق وهي تغدو وتجيء بينهم، يبدو أن علاقة صداقة تجمعها بأهل المتوفى، من بين الجموع، تملص رجل أشيب وجاء للجلوس معي، كان يبدو على وجهه الامتعاض، قال وكأنه يحدث نفسه: متى بات الموت مكاناً للتجارة؟ أصحاب الأموال هؤلاء سيسببون لي الجنون، لا أعرف أهي هيئته أم صوته، أم تذمره مما يجري هو ما دفعني إلى الغوص في بحر الذكريات من جديد.

كنت هناك شاباً فتياً، رغم ما يحمله من الهموم على ظهره، وفي قلبه وروحه، إلا أنني كنت أبتسم بحبور، فبرفقة هيثم لا أمتلك زمام نفسي، كان يحترف السعادة ويتخذ منها منهاجاً، ولا يكتفي، حتى ينشرها في أرواح من حوله، كان يلقي النكات ونحن نضحك حتى تؤلمنا خواصرنا، ونرتمي أرضاً من شدة الضحك، ولكن عندما نحتاج من يسندنا لا نجد غيره، بحكمته وذكاءه كان يعرف كل ما يحتاجه كل منا، ويمنحه إياه في الوقت الذي يحتاجه.

رأيت نفسي أطرق بابه في يوم زمهريري الطقس، سماءه ملبدة بغيوم حبلى بالمطر، ما فتأت أن انفجرت عيونها وأغرقت الكون بدموعها، أرتدي معطفاً سميكاً، ألفه بحذر على جسدي وأنا أخفي بداخله شيئاً ما، فتح لي الباب ومد يده ليسحبني نحو الداخل وهو يصيح: مجنون أنت، كيف تخرج في هذا الطقس؟

- عذراً صديقي، ولكنها مسألة حياة أو موت، أجبته بجدية بالغة.

- لقد أقلقتني، ماذا هناك يا موسى؟ انطق يا رجل، قالها والعجب والقلق يرتسمان على محياه الوسيم.

- أخرجت مغلفاً متوسط الحجم، بني اللون من داخل معطفي، ومددته نحوه، وقلت له: ألك أن تحتفظ بهذه الأمانة لديك، وإن حدث وسمعت بموتي، أن ترسلها إلى أكبر صحيفة في هذه البلد؟

- ماذا يوجد بداخلها؟

- أرجوك لا تسأل، إن عرفت ستكون في خطر، ليس لي سواك ائتمنه عليها، إنها وثيقة التأمين على حياتي، بدونها سيصبح موتي مسألة وقت لا أكثر.

- ماذا هناك يا موسى، من الذي يريد قتلك؟ أجبني، قالها وهو يمسك بي من كتفي ويهزني بقلق.

- لا تقلق، طالما هذه الأمانة لديك، وهم لا يعرفون مكانها سأكون بخير، فقط لا تخبر أحداً بأمرها.

- حسناً، كما تريد، فقط كن بخير لأجلي يا صديق، قالها وهو يضمني إلى صدره.

هذه هي الهدية إذن! قلتها بصوت عال دون أن أشعر بنفسي، ليخاطبني الرجل الجالس جانبي؛ ما بك يا رجل، أي هدية هذه؟

- آه، أنا آسف، لقد شردت قليلاً في أفكاري، قلتها وأنا أنهض من جانبه متوجهاً نحو باب الخروج.

لقد عرفت إذاً ما يبحثون عنه، ولكن ما الذي كان بداخل ذلك المغلف، حتماً شيئا قيماً للغاية حتى أصفه بمسألة الحياة والموت، ربما هذه هي المستندات التي هددت عمي بها؟! ولكن هل كانت تخصه فقط، أم كانت تخص أشخاصاً غيره أيضاً؟! وما الذي سيحدث إن ظهرت على الملأ؟ السبيل الوحيد لظهورها هو شيوع خبر موتي، لهذا السبب إذن هم يحافظون على حياتي أكثر مما يفعلون بخاصتهم!

كيف سأصل إلى هيثم؟ وأنا لا أعرف سوى اسمه الأول، وبقايا ذكريات من أيام مراهقتنا؟! ربما ستكون هناك طريقة أخرى، حتماً سأجد طريقة لأدله هو عليَّ، ربما لن يكون هناك من داع لنلتقي، ربما خبر صغير في صحيفة منسية قد يؤدي الغرض وأكثر، ربما..

الفصل الثالث عشر

《 نحن البشر بطبيعتنا نكره الجهل، نظل نلهث خلف الحقيقة حتى نجدها، وعندما نفعل؛ نجبن ونخشى مواجهة عواقبها، فنمسي ممزقين بين ما عرفناه، وما نخشى وقوعه إن أفصحنا عما علمناه》

لقد ركضت خلف ما أجهله كالعطش في الصحراء، الذي يظل يلهث حتى تكل منه الساق، ويجف منه القلب، وتكاد تفر منه الروح، حتى وإن كان ما يلهث خلفه، ليس سوى سراب، وعندما وصلت ووجدت أنه لم يكن سراباً، بل بحيرة من الذنوب الآسنة التي صنعتها أنا، خفت الخوض فيها، لم أكن أعرف أنني بهذه الوضاعة، وخشيت مما قد يصيب أحبتي أكثر مما أصابهم، عقاباً لي على ما اقترفته يداي، هل عليَّ المضي قدماً وملاحقة الحقيقة أكثر، أم أنني سأصل إلى نقطة اللاعودة، وسأتمنى لو أنني رضيت بنسياني، وظللت جاهلاً؟!

ظللت ساهراً طوال الليل، لم يغمض لي جفن وأنا ممزق بين أفكاري، تارة أقول لنفسي؛ فلتكتف بكل ما عرفته حتى الآن، وطوراً أقول لها أن عليها الانتهاء مما بدأته، أحاورها، وأقنعها، وأستجديها لتتوقف، فيعود قلبي للخفقان وهو يتوسلنِ: ألا يهمك معرفة ما حصل لطفلتك، أم أنك لم تعد تشعر أنك بشر؟ فأعود لنقطة البدء من جديد، ما الذي أريده حقاً، حقيقة تمزقني أم نسيان يريحني من كل ما أقاسيه؟

عندما مدت الشمس أناملها لتنزع غطاء السهد عن أجفاني، كنت قد اتخذت قراري، عليَّ المضي قدماً مهما كانت العواقب، فابنتي أهم من كل شيء، وأهم من وجعي وصدمتي بنفسي، مددت يدي لتحسس موضع نوم شروق، فوجدته بارداً كعادته، فهي تنتظر نومي كل ليلة لتتسحب من السرير، فبعد كل شيء لست سوى عدوها، لقد كنت غارقاً في أفكاري، لدرجة أنني لم أنتبه متى نهضَت وخرجَت، نفضت تعب الليل عن جسدي المتداعِ من فرط الألم، ونزلت نحو شروق، وفي رأسي خطة للإمساك بأول الخيط.

وجدتها تحضر طعام الإفطار بهدوء واستسلام، وكأنها آلة تنفذ ما طلب منها لا أكثر، لقد تحولت من فرط ألمها إلى إنسانة بلا روح، كل ما تريده هو إطفاء لهيب شوقها لطفلها، وتهدئة نيران قلبها المشتعل قلقاً، وقفت أنظر نحوها وعلى لساني ألف ألف اعتذار، لا أستطيع نطق واحد منها، عليَّ تنفيذ خطتي لأجل ابنتي، أما أنا فلا أستحق من الله سوى العقاب، ألقيت تحية الصباح عليها، التفتت وفي عينيّها بركان غضب يكاد يفور، وعلى شفتيها ابتسامة باردة، ردت تحيتي وجلست قبالتي، تمضغ طعامها بلا شهية، كما لو أنها تمضغ قطعة من جلد ميت، تشمئز لها نفسها.

- ابتدرتها بالسؤال: زهرة؛ ألم نتفق على دعوة والدك لزيارتنا؟

- توترت حتى ارتعشت يدها، ثم همست دون النظر نحوي مباشرة: بلى، فعلنا، ولكنني نسيت.

- لا يهمك حبيبتي، أرجوك أن تفعلي، في النهاية هو والدك، لا نريد تركه وحيداً في آخر أيامه.

- نظرت نحوي نظرة مطولة، وكأنها تتساءل، ما هذه الحنية المفرطة التي هبطت على رجل بلا قلب، اختطف طفلاً من أحضان والدته، ثم أجابت وابتسامة صفراء ترتدي ملامحها الجميلة المضمّخة بالحزن: حسناً، كما تريد.

- نهضت من مكانها وتناولت سمّاعة الهاتف، ثم نقرت رقما، انتظرت قليلاً قبل أن تبدأ كلامها: صباح الخير يا أبي، كيف حالك.

- ...

- لحظات صمت، قبل أن تكمل: لقد طلب مني موسى دعوتك لزيارتنا، هل لديك الوقت لفعل ذلك؟

- ...

- أجل، هو بجانبي، قالتها بتوتر واضح، يبدو أنه كان يستفسر منها، عن أشياء لا يجدر بها قولها أمامي.

- مدت السمّاعة نحوي، لأسمع لأول مرة صوته يخاطبني مباشرة، قال: صباح الخير يا ابن أخي، وأخيراً تذكرت أن لك عماً وعليك رؤيته!

- أعتذر منك عمي، أنت أعلم بحالتي الصحية منذ الحادثة، ولكنني أتشرف بزيارتك لي.

- همس ثانية بصوته الذي يشع خبثاً: لا تقلق، سأزوركم حتماً في القريب العاجل، المهم كيف أنت الآن وكيف أعمالك،......

لم أسمع بقية أسئلته، التي تناثرت من بين شفتيه بتلقائية، وكأنه يكمل دردشة بدأناها منذ زمن بعيد، وكأنه ليس عدوي الذي كان سبب ما أنا فيه الآن، وسرحت في نبرة صوته التي ترن في أذني، وأنا أحاول تذكر أين سمعتها قبلاً، غير أحلامي وهفوات ذكرياتي، لقد كان عقلي يخبرني أنني سمعت هذا الصوت كثيراً، ولكن أين؟

في تلك اللحظة التي نطق فيها اسمي منادياً، غرقت ثانية في وحل ذكرياتي، لقد كان هو، منافسي الأكبر في السوق، فبعد رحيل عمي وإقصائي لشريكه، لم يعد في السوق سوانا، كنا نتقاتل على زعامة السوق وكأننا في ساحة حرب، وكنت أنا الأقوى بما أمتلكه من أدلة ضد جميع منافسيَّ الأقل شئناً، ضمنت ولاءهم بخوفهم مني، فالناس لا تكون وفية إلا إن خافت السقوط، كان عليهم أن يضمنوا رضاي لتتم صفقاتهم، ولكي تعود إليهم أموالهم، ومن يتجرأ ويخالفني، كنت أعيده إلى أسفل سافلين، بعد أن أحطم سمعته وتجارته، ما عدا هو، لقد ظل واقفاً كالطود أمامي، فمعارفه أكبر شأن مني، ورغم ذلك كنت نقطة ضعفه، والذي جعله يرتعب من موتي، معرفته أن كل شيء سيصبح بلا قيمة بعد موتي، لأن الجميع سيتساوون في الفضيحة وهو أولهم، جميعاً سيزجّون في زنازين بحجم علب الكبريت، والجميع سينقضّ عليه ما أن تسنح لهم الفرصة.

هذا هو ما يريده إذاً، ذلك الملف الذي خبأته لدى هيثم، ولكنني لا أعرف حتى طريقة للوصول إلى هيثم، فكيف سأدله عليه، كيف سأعرف ما حل بابنتي بين يديه؟ عليَّ التفكير بخطة أخرى لكي أجبره على الحديث، ربما يقع في الفخ الذي أنصبه له، يبدو أنني رغم كل شيء، لم أفقد بعد قدرتي على نصب الفخاخ!

- ابتسمت بسخرية وأنا أجيبه: أعتذر عمي، لقد شردت قليلاً، يبدو أن تركيزي لم يعد كما كان في السابق، ماذا كنت تقول؟ متى ستزورنا؟

- قريباً، ربما غداً، أو بعد غد.

- سأكون بانتظارك، كن بخير، مع السلامة.

أعدت سمّاعة الهاتف مكانها، وعقلي سارح في مكان آخر، عليَّ حَبْكُ خطتي جيدا، وإلا ظللت لعبة سهلة بين أيديهم، يديرونها كيفما يشاؤون، يجعلونها تنسى أو تتذكر، تكتشف خداعهم كما يريدون، في الوقت الذي يرغبون، فقط ليحصلوا على مبتغاهم، هذه المرة سأكون أنا سيد اللعبة، وليس هو.

.......

لفترة طويلة عانيت بسبب كل ما فعلته يدي، ولم أكن أنا فقط من عانى، لقد عانى الكثيرون بسببي أيضاً، بسبب انتقامي الذي لم يكونوا يوماً هم الجناة فيه، لقد كنت كما كلب مسعور، لا يهم من يهاجمه، المهم أن يهاجم كل ما يقع أمامه، لا أحد بإمكانه إيقافه، حتى عائلتي، لم تسلم من نيران حقدي، هذه المرة الأخيرة التي عليَّ بها أن أكون العقل المدبر، لآخر مرة سأستخدم ذكاءيَّ الملعون، فقط أعد لي ابنتي سالمة يا الله.

دعوت الله كثيراً في الأيام التالية لمكالمتنا، كنت أنتظره كالمتقلب على الجمر، وأخيراً جاء بخيلائه، وهو يظن أنني ما زلت موهوماً، بما زرعه في عقلي الخرب، ولكنني لم أعطه فرصة ليخمن ما هو قادم نحوه، ما أن انتهينا من تناول الغداء، الذي كان مرصوصاً على طاولة يحيط بها الأعداء جميعاً، وألسنتهم تقول عكس ما في عقولهم، طعام كان كالسم للجميع، طعام ملوث بسم الأفاعي المتملقة إن كنا نرقى لمستواها.

جلست مقابلاً له، أنظر نحوه وأنا أحاول استشفاف ما يدور داخل عقله، ولكن هيهات لعقلي الذي بات كقطعة عجين طيعة بين أيديهم أن يعرف، لم يكن أمامي سوى طريق واحد، حتى وإن كان بلا عودة، عليَّ المجازفة للوصول لمرادي، عدلت جلستي واستندت على ركبتيَّ بمرفقيّ، وأنا أركز نظراتي نحوه، قبل أن أبتسم ابتسامة يحفظها هو جيداً، ثم رفعت حاجبي الأيسر وأنا أقول بسخرية: كيف حالك سيد خالد؟

- لم يبدُ متفاجئاً، أظن أنني فعلتها مراتٍ سابقاً، ولكنهم لم يصلوا إلى ما يريدون على ما أظن، ضحك ملأ فاههُ قبل أن يصفق بيديه، وهو يقول: ها نحن ذا يا موسى، لقد عدت أخيراً!

- ربما، من يدري من الذي عاد هذه المرة، موسى الذي تريدونه، أم موسى آخر صنعته عقاقيركم.

- آها، لقد اكتشفت خدعتنا ثانيةً إذن، أوتعرف، كم من المرات على مر السنين الفائتة، عدت لنفسك لتصدمني أكثر، وتجعلني أتعجب من قدرتك على الاحتمال، وأيضاً لتجعلنِ أفكر يا ترى من أين له كل هذه القوة؟!

- وهل عرفت يوماً؟ قلتها بابتسامة ساخرة.

- يا لك من شقي يا موسى، أتمنى لو أعرف مصدر قوتك هذه.

- ربما لن تعرف يوماً، ولكن لنجعل جميع أوراقنا مكشوفة لهذه المرة، فلتقل لي مبتغاك، ولأقل لك ما أريده في المقابل، ولنغلق هذه الصفحة للأبد.

- هكذا إذاً؟! حسناً أنا موافق.

- فلتبدأ بإخباري، كيف فعلتها، كيف جعلتني أفقد ذاكرتي مراراً، كيف جردتني من كل شيء يمت للإنسان بصلة وحولتني إلى هذا المسخ، وقبل ذلك، فلتقل لي لماذا؟!

- إنها سطوة المال والسلطة يا صديق.

- صديق! قهقهت ضاحكاً وأنا أقولها، أي صديق يفعل هذا بصديقه؟!

- ذلك الصديق الذي بسبب غرور صديقه وجشعه وإغراء وقوة المال، صنع من أعز أصدقائه ألد عدو له.

- أكنا أصدقاءً يوماً؟ حقاً؟! سألته باستغراب.

- ابتسم ابتسامة حسرة وهو يقول: كنت أظنك لن تنسى مهما حصل، ولكنك نسيت، ورغم تذكرك عدداً لا يحصى من المرات، تذكرت كل شيء، عدائي لك وتناحرنا، ذنوبك وكل ضحاياك، ولكنك نسيتني، ونسيت صداقتنا، يا للحسرة!

- ما أدراك أن هذه المرة لن تكون مختلفة؟

- أهي كذلك حقاً؟ هل تتذكر كل ما عشناه سوياً من صعوبات؟

- بالطبع أذكره، وأعتقد انك إكراماً لصداقتنا ستخبرني ماذا حل بطفلتي.

- عدل جلسته متلهفاً وهو يقترب من طرف مقعده، ويقول بصدق واضح: لأجل صداقتنا فقط، لقد ربيتها كابنتي، بل وأكثر، لقد أحببتها جداً فهي تشبهك تماماً بذكائها، بل لقد فعلت ما هو أكثر من ذلك، لقد عقدت قرانها على ابني الوحيد.

- فغرت فاهي وأنا أحملق بعينيّ، أفاتتني كل هذه السنوات! سألته مستفسراً: كم عام مر على تلك الحادثة المشؤومة؟

- خمسة عشرة عاماً من العذاب، والمحاولة مرة تلو أخرى لأعيد لك ذاكرتك، ولكنك كل مرة كنت تفقدها مجدداً قبل أن تخبرني الحقيقة، ولم أعرف سبب ذلك.

خمسة عشرة عاماً سرقوها مني، وسرقوها من طفلتي العزيزة وتركوها تحيا بلا أب ولا أم، خمسة عشرة عاماً! يا لهم من مجرمين!

لوهلة، شعرت أنني أعيش هذا الموقف، وكأنني عشته عشرات المرات قبلاً، وبعد تأمل قصير بتبدل ملامح وجهه، من الخبث الواضح، إلى ملامح الصديق الذي يخشى على صديقه، دون تبدل نظرة عينيّه؛ أيقنت أنني مررت به فعلاً عشرات المرات، رأيته وهو يؤدي دوره بإتقان شديد، وأردت التلاعب به أكثر، تمالكت نفسي، وهممت بالحديث، ولكنه ابتدرني بقوله: هلا أخبرتني بذكرى واحدة على الأقل مما تتذكره عنا، فقلت له: أحب أن تقص عليَّ حكايتنا، لطالما أحببت طريقة سردك لتفاصيلها، وركزت نظري عليه أكثر، وأنا أتكئ بكامل جسدي على ظهر الأريكة، فارداً ذراعي بأريحية على يديها، مستعداً لوصلة مبهرة من التمثيل المتقن.

- يبدو أنه فطن إلى خدعتي، فعادت ملامحه للخبث من جديد، وقال: أنت تتذكر كل شيء إذن، صفق بيديه وهو يكمل: رائع، لقد كدت تخدعني.

- لم أحاول حتى، أنت فقط من يريد تصديق ما يتمنى حدوثه، لا ما يراه حقيقةً.

- يا لك من وغد يا موسى، ما زلت ثعلباً ماكراً كما كنت، رغم كل ما حدث لك.

- وأنت يا خالد، ما زلت ذلك الضبع الذي ينتظر الأسد لينتهي من وجبته، لينقض على الجيف.

- حسناً، أنا موافق، فلنضع كل أوراقنا على الطاولة، فلنكشف كل أحاجينا، وستخبرني ما أريده في النهاية، أليس كذلك؟

- ربما سأفعل، وربما سأنسى مجدداً، ولكنك لا تملك سوى المحاولة.

نظر نحوي مطولاً وهو يزن الأمور بروية، لقد كنا كأسدين في قفص واحد، لا أحد يدري ما قد يفعله الآخر، ولكننا لا نملك سوى المجازفة، ولا ندري أينا سيدفع الثمن.

......

الفصل الرابع عشر

》 في لعبة الشطرنج، يتحتم عليك أحياناً التضحية ببيدقك لحماية الملك، والفوز بالحرب، ولكن ماذا إن كنت أنت البيدق، كيف تدرأ عنك موتاً محتماً، ربما كل ما عليك هو التحول لملك، لكن حينها من سيحميك، إن أصبحت مكشوفاً لعدوك؟!》

جلست مقابلاً له، دقات قلبي تكاد تفجر قفصي الصدري، أسيطر على تسارع أنفاسي بالكاد، لكي لا أبدو خائفاً أمامه، عليَّ المضي حتى النهاية، حتى لو كان الثمن حياتي، لا بد أن أعرف كيف فعلها، رفعت حاجبي وانا أنتظره ليبدأ حديثه، وهو كان ينظر نحوي بثبات، كمن كان يحاول استشفاف ما بداخلي، ليعرف كيف سيبدأ النزال، ولكنني كنت أسيطر على ملامح وجهي بكل طاقتي، زفر بصوت مسموع وهو يتكئ للخلف، وقال مستسلماً، حسناً سأخبرك، فكل ما عليَّ فعله إن لم تفِ بوعدك هو ضغط زر صغير، وسنعود جميعاً إلى نقطة البداية.

لقد كانت شروق تجلس مكانها كالصنم، تتابع ما يحدث أمامها، وهي تدعو أن أخبرها أخيراً ماذا حل بطفلها، لقد كان الخوف مسيطراً على كل حواسها حتى أن جسدها كان ينتفض، ودموعها تتدفق دون توقف، قررت أن تكون هي بيدقي، فإن علمت الحقيقة، لن يعود له سيطرة عليها، أجل ربما ستقتلني، ولكنني واثق أنه لن يسمح لها.

وجهت نظري إليها، ثم نهضت من مكاني، ركعت على ركبتي عند قدميها، وضممت يديَّ أمام وجهي، ثم قلت: شروق؛ أرجوك سامحيني، لقد كنت سبب حرمانك من طفلك.

- ضمّت يديَّ بيديها وهي تستعطفنِ بقولها: أرجوك أخبرني أين هو؟

- فجرت قنبلتي في وجهها ووجهه أيضاً باعترافي: لقد مات بعد أيام قليلة من سلبك إياه، لم يحتمل العمل.

- بكت بكل خلية في جسدها، وهي تضربني بقبضتها بلا توقف، ومن بين شهقاتها سألتني: أين ذهبت بجسده، على الأقل فليكن لي مكان أزوره فيه.

- نكست رأسي نحو الأرض وأنا أعتذر منها، ودموعي تترقرق في مقلتي: سامحيني أرجوك، أنا لا أعرف، لقد تخلصوا من جثته، ولا أعرف كيف.

وكأنني حررتها من ضميرها المعذب؛ لأن سرقتها للمال كانت سبب غياب طفلها، وحملت أنا وزر موته، لقد فقدت طفلها للأبد، وفقدت أيضاً ما تتعلق به في الحياة، نهضت من مكانها، وخرجت من الباب دون قول شيء، بعد أن تجمدت دموعها، وأعتقد أنها فقدت عقلها أيضاً.

نهضت من مكاني، مسحت دموع الذنب التي كانت تلتمع في عينيّ، واستعدت رباطة جأشي، قبل أن أعود نحو مقعدي المواجه له، نظرت له بتحدٍ، وهو يكاد يجن من شدة الصدمة، فبادرته بنبرة متحدية: لقد جردتك من أهم بيدق لديك، كش ملك...

- أيها ال...

- ماذا ستفعل الآن؟ سألته مستهزئاً.

- أتظن أنك هزمتني بهذا؟ بدل شروق هناك ألف شروق.

- أستجد من لديها الدافع للاحتمال، أم أنك ستشتري ولاءها بنقودك؟

- يا لك من وغد!

- قهقهت ضاحكاً، ثم قلت: الآن لم يتبق سوانا، هيا ضع سلاحك أرضاً، وارفع رايتك البيضاء وأخبرني، كيف فعلتها؟

هز رأسه باستسلام، وهو يفكر، ربما كان يقول لنفسه: بأنه لا يملك سوى هذه الورقة، فلما لا تكون الرابحة، عليه أن يضعها أرضاً ليعرف، وإلا سيظل حائراً حتى موتي أو ربما موته.

نظر بعيداً وهو يقص الحكاية منذ البداية، وكأنه يستعيد رحلة عمر طويلة، كفاحه ليصل إلى ما قد وصله، وصولي إلى أعلى سلم المجد بخداعي للجميع، استغلالي كل ما يقع تحت يدي لأظل المسيطر، وتحوله لألد أعدائي بعد أن كان صديقي، لقد صنعني عندما علمني كل حيل المحاماة للتهرب من القوانين، فقد تدرّبت في مكتبه أولاً، ثم خيانتي له بعد أن سرقت مستندات تدينه، وتودي به إلى التهلكة، لقد كنت عقرباً لا يؤتمن.

حاول كثيراً استمالتي، وطلب مني مراراً أن نصنع نجاحاً مشتركاً، ولكن الجشع كان يسيطر على عقلي، سيطرت على السوق بما أملك وألّبتهم ضده، حاول اختطافي وزهرة ليستخدمها ضدي، ولكنها ماتت، فلم يظل سواي لديه، لم يترك وسيلة إلا واستخدمها، لاستخلاص المعلومات مني، ولكنني كنت قد فقدت ذاكرتي بلا رجعة.

عذبني بكل ما أتيح لديه من وسائل، صعقني بالكهرباء، استخدم كل العقاقير التي قيل له أنها قد تعيد ذاكرتي، لكن لم يفلح أي شيء، حتى سمع بذلك الطبيب النفسي الشهير، الذي اخترع طريقة لتحفيز خلايا الدماغ المتضررة، عبر زرع رقاقة خاصة في أغشية الدماغ، لم يتوانَ عن استقدامه، طلب منه فعل أي شيء ليعيد ذاكرتي، وسيدفع له كل ما يطلبه، وذلك الطبيب، كان يحلم بأن يؤدي تجاربه على بشري، فقد يكون هذا اكتشاف العمر بالنسبة له.

في البدء، استخدم التنويم المغناطيسي، ليوهمني بأن زهرة ما تزال على قيد الحياة، وأن شروق هي زهرة، وشروق كانت أكثر من مرحبة بالمشاركة حينما عرض عليها ذلك كان كل ما ترجوه في هذه الحياة هو معرفة أي خبر عن فلذة كبدها، فقد توفيت والدتها بعد سلبي لطفلها، فعلى ما يبدو كانت روح الجدة معلقة بحفيدها وظلت هي وحيدة بلا أحد، فما الذي ستخسره إذا لو شاركت في هذه الجريمة؟!، بعد ذلك زرع ما يحلو له من ذكريات في لوحة عقلي الفارغة تماماً، كان عليه فقط استخدام الأساسيات من حياتي وشخصيتي القديمة، ليبني عليها تجربته، ونجح في ذلك، ولكنني في كل مرة، عند حد معين؛ كنت أعود لفقد ذاكرتي، ربما بسبب الأدوية التي كان يمدني بها.

كنت أستمع له بكل حواسي، وأستعيد لحظات الألم، رأيتني وجسدي يتحطم لآلاف المرات ويعاد ترميمه، رأيت دمائي النازفة، وعظامي المتهشمة، كنت أشعر بالاختناق مع كل كلمة تخرج من فمه، أما هو فقد كان يحكي ولمعة غريبة تشع من عينيّه، وكأنه كان يتلذذ بألمي، لقد رأيت أمامي شخصاً لا يمت للبشرية بصلة، فرحت أفكر، كم أن الإنسان كائن متوحش، أيفعل ببني جنسه كل هذا للحصول على كرسي وسلطة فقط؟

- والآن حان دورك يا موسى لكشف أوراقك، أنهى كلامه بهذه الجملة، قبل أن يكمل: أخبرني كيف اكتشفت خطتنا؟

- ببساطة، عندما سمعت شروق تتحدث إليك لأول مرة شككت بأمرها، وشككت بأمرها أكثر عندما لاحظت نومي فور شرب ما تمدني به من مشروبات، لقد أخفيت حبوب الدواء وكنت أدّعي تناولها، وكلما قدمت لي مشروباً سكبته دون أن تراني، ولكن عليك أن تجيبني على سؤال أخير، ولمرة واحدة كن صريحاً معي، ربما أجد لك عذراً، لماذا فعلت كل ذلك، ألأجل السلطة فقط؟

- أجاب بخضوع: بل لأجل السمعة والشرف أيضاً، والأهم لحماية تاريخ عائلتي من التلوث بما اقترفته يداي.

- إن كنت تخشى على تاريخ عائلتك، لما اقترفت ما اقترفته إذن؟

- طمع الإنسان لا حدود له ولا رادع، وكلما حقق هدفاً؛ زين له الشيطان أهدافاً أخرى، وإن خضع له مرة، فسيخضع للأبد، وأنا خضعت لشيطان نفسي مرات لا تحصى، فلم يعد لدي سبيل للرجوع، فإن كان لأحد أن يكون ملكاً، فلما لا أكون أنا، وأعتقد أنك أكثر الناس معرفة بهذا النوع من الإدمان.

- اصدقني القول، هل فعلت ما قلته حقاً بما يخص ابنتي؟

- لقد كنت في البدء أحفظ عشرة السنين التي لم تحفظها، ولكنني مع الوقت أحببت تلك الطفلة حقاً، لقد خطفت قلبي، لقد كانت طفلتي التي لم أنجبها، ومع الوقت تبدّت لي حقيقة شبهها بك، فلم يكن لصالحي إعادة التاريخ مرة أخرى، بصنع وحشٍ جديدٍ يشبهك، حتى وإن كانت وحشاً؛ فمن الأفضل أن يكون ولاءها لي.

- ألا تخشى اكتشافها لحقيقة فعلتك؟

- لا أخشاها، بل أرتجف رعباً لمجرد الفكرة، ولكنني أعوِّل على حبها الكبير لولدي، وربما لن تكتشف الحقيقة قبل موتي، وستعرف أن لا ذنب لعلي بما اقترفته أنا، ربما سيعيشان سعيدين لما تبقى لهما، وربما لن تعرف أبداً، وهذا ما أتمناه.

- ما الذي ستفعله إن منحتك ما تريد؟

- سأتربع على عرش السلطة للأبد، سأخضعهم جميعاً تحت قدمي، سأكون المتحكم في أقدارهم.

- من تظن نفسك، لست إلاهاً يا خالد، ولن تكون يوماً، ويوماً ما ستموت، وستلقى عقابك.

- أتظن أنك خيرٌ مني؟ لقد كنت الأسوأ دوماً، حتى لو لم تعد تذكر.

- ربما كنت كذلك، ولكن باب التوبة مفتوح، ربما سيغفر الله لي.

- وكيف ستتوب عما لا تتذكره؟

- إنه قدري، سأفعل ما بوسعي وربما يوماً ما سيغفر الله لي.

.......

كل ما عليك فعله لصنع وحش، هو أن تأخذ إنساناً ما، فتضعه في ظروف لا إنسانية البتة، وسيتجرد من إنسانيته للأبد، وستحصل أنت على أعتى الوحوش ضراوة، ولكن حتماً ستكون أنت أول من سيُنهش لحمه، هذا ما فكرت فيه وأنا أستمع له، لقد كنت هذا الإنسان يوماً، ولكنني أصبحت وحشاً، وها أنا الآن أجني ما زرعته يداي.

نظر نحوي باستكانة، كمن أزاح حملاً ثقيلاً عن صدره باعترافه، ولكن جبروته ما زال مسيطراً رغم كل حديثي، ورغم نظرة الذنب التي رأيتها في عينيّه، ورغم رعشة الخوف التي لمحتها لوهلة، إلا أنه كان مصراً على المضي حتى النهاية، كان متطرفاً في كل شيء كما عرفته دوماً، لا يقبل بالوقوف في المنتصف، إما جنة وإما جحيم، وطالما اختار الجحيم فهو سيذهب نحو نهاية الطريق ليستحقه بجدارة.

أغمض عينيّه هنيهة، وهو يستعيد رباطة جأشه، ثم قال لي: حان دورك الآن، القرار بيدك، أستخبرني ما أريد، أم سنعود للبداية من جديد؟ لقد مللت حقاً، وتعبت من الدوران في حلقة مفرغة طوال هذه السنين، أحتاج للراحة الآن.

- وأنا؟ من سيعوضني عن سني عمري المسروقة مني، من سيعيد لي طفولة ابنتي التي فاتتني، من سيعيد لي زهرة؟!

- أما زلت مصراً على إكمال الطريق؟ أرجوك لا تضطرني لفعل ما لا أريده، أرجوك ارحمني وارحم نفسك، واستسلم لمرة واحدة في حياتك.

- لم يخلق من هم مثلي للاستسلام، إما أن أكون ملكاً على كل شيء، وإما فليتحول الكون كله إلى لا شيء.

- يا لك من متعجرف يا موسى!

- لا، لست متعجرفاً، ولكن أمثالك من صنعوني، لقد حرموني طفولتي، وشبابي، حولوني إلى مسخ، فلتحتمل ما جنته أيديكم، لقد كنت شاهداً على كل قذاراتكم، فلماذا تلومني الآن لأنني أصبحت أقذركم، ألم تحسبوا حساب العاقبة الأخلاقية؟ ألم تخشوْا أن تدور عليكم الدوائر، ويأتي من يذيقكم ما أذقتموه لغيركم.

- يا له من أداء ساحر يا موسى، في كل مرة تعود فيها ذاكرتك، تبهرني بمحاضرتك التي تلقيها على مسامعي، ولكنك لا تدرك أنك أنت أيضاً لم تحسب حساب تلك الدوائر، لقد دارت عجلات الزمن يا موسى وطحنتك أسفلها، واقتصت لكل من كان ضحية لك أياماً وسنيناً من عمرك الشقي.

نهضت من مكاني أود ضربه، ولكن جسدي لم يسعفني، وتهالك ثانية على أريكتي، فأدركت أخيراً أنني لم أعد ذلك الشاب، لقد بت عجوزاً خرفاً، كل ما يملكه هو بضع ذكريات، قد تمحوها ضغطة زر.

كنا هناك، نجلس متقابلين، عجوزين يدافعان باستماتة عما تبقى لهما في هذه الحياة، ولكنني لم أكن أدري عمَّ أدافع، زوجتي ماتت، ثروتي نهبت، وابنتي باتت زوجةً لرجل لا أعرف عنه سوى اسمه، وأنه ابن لطاغية ربما يحمل جيناته، وابنة لأب غيري، فلماذا المقاومة، لماذا لا يمكنني الاستسلام؟

أعتقد أننا كلانا كنا نفكر بما أفكر به، ولكنه لم يكن يدرك ما أدركه، ببساطة أنا لم أكن أملك شيئاً يمكنني المساومة عليه، ما يريده ليس بحوزتي، ولا أعرف كيفية الوصول إليه، ربما كانت هذه هي هدية الله الأخيرة لي، وربما هو انتقامه من كل طاغية مرّ في حياتي، وفي حياة الآخرين ممن عرفوه، ربما كنت يد الله في الأرض، ربما كنت ملاكه وربما كنت شيطانه من يدري، الأهم أنني حققت ما أراده الله لي.

- هممت بالنهوض من مكاني، وأنا أقول له: هذه المرة يا خالد لن يكون هناك رابحين، سنخسر كلانا، وليس بيدك شيء لفعله.

- أتعتقد ذلك حقاً، أتظن أنني سأتركك ترحل بهذه السهولة؟ قالها وهو يخرج من جيبه لوحاً إلكترونياً، ثم أردف: أتعرف ما هذا؟

- التفت نحوه وأنا أنظر لما يحمله دون فهم، ولكنني تذكرت تلك المرة التي رأيت فيها شروق وهي تبدل الدواء، وتذكرت رؤية آلة تشبهها في يدها قبل أن أخِرُّ صريعاً، تصنعت عدم الفهم لإلهائه عما أود فعله، وقلت مستفسراً: ما هذا؟ لم أفهم!

- بضغطة من إصبعي، وستعود ثانية كصفحة بيضاء، وسنظل نعيد الكرة حتى تموت أنت، أو أموت أنا.

كان منشغلاً بالحديث بخيلاء، وهو يستعرض قوته، ولم ينتبه لي وأنا أنقض عليه بكل ما بقي لدي من قوة وأختطف ذلك الجهاز الصغير من يده، نهضت سريعاً بقدر ما سمح لي جسدي المسن، وجريت بكل ما أملك من طاقة، خرجت من الباب نحو حريتي الأبدية، وهو ظل جالساً مكانه، عاجزاً عن الحراك، لقد فقد آخر بيادقه، ولم يعد لديه ما يقامر به، وأثناء ركضي نحو باب حريتي سمعت ضحكاته المتحسرة تعلو وتعلو وتردد الجدران صداها.

الخاتمة

》 ما هي الذاكرة التي نسيتها، هي تماماً كالذاكرة التي لم تحظَ بها أبداً، ولم تكن لديك من قبل قط، فلماذا تعذب نفسك بها؟ ذاكرة تعذبك، أم نسيان يمنحك السلام، عليك الاختيار وتحمل عواقب خيارك》

خرجت من باب المنزل مسرعاً، متلهفاً للحرية، لم أفكر ولو للحظة ماذا سأفعل إن أمسك بي رجاله، ولكن لحسن حظي؛ فقد فعل ما كنت سأفعله لو كنت مكانه، لم يكن ليفشي سره لأكثر من شخصين يكنان لي الضغينة، وإلا قد يستغله أحدهم ويبتزه، أما هو فلم يستطع اللحاق بي لكبر سنه وصدمته مما حدث، ركضت حتى كلت ساقيّ، كنت ألهث دون وجهة محددة، فقط أريد الابتعاد عنه وعن سجنه لأقصى درجة، أويت أسفل جسرٍ متهالك مثلي، أصبحت متشرداً بعد أن كنت ملكاً متوجاً على عرشٍ شُيِّد على أكتاف ضحاياي، عرش آن أوان هدمه وانتفضت قواعده وألقت بي إلى سِجّين، ها أنا الآن أتسول لقمتي من أيدي المارة، وأغفو متدثراً بأكياس القمامة، درئا للبرد القارس.

بحثت كثيراً عن هيثم، ولكنني لم أكن أعرف سوى اسمه الأول، لا أعرف عنه أي شيء آخر، كلما قابلت شخصاً سألته أتعرف هيثم، لقد كانوا يظنون أنني جننت، فيهربون مني كأنني مصاب بداء خطير قد أنقله لهم إن لمستهم، طالت لحيتي، وتشعث شعري، ومزقت ملابسي الثمينة وباتت خرقاً بالية، غفوت على مقاعد المتنزهات، ونمت كثيراً بمعدة تكاد تأكل نفسها جوعاً.

كنت أجلس شارداً معظم الوقت، وفي الوقت الذي تهاجمني الذكريات، أجلس وأدونها كالمحموم، لكي لا تهرب مني، وأعيد قراءتها مراراً وتكراراً لكي لا أنسى، أعاقب نفسي بذنوب ربما غفرها الله لي، ولكنني لن أغفرها، لقد كنت طاغية أكثر من كل من عرفتهم.

لقد شارفت على الانتهاء أخيراً، سأترك أوراقي في مكان ما، ربما لن أتذكره، ربما سيجده شخص ما فيعتبره كنزاً ثميناً، ربما يقرأه ويعتبره قصة خيالية حاكها خيال إنسان خرف، ربما سيصنع منها فيلماً يبني منه مجده، ربما سيأخذ منها العبرة، ويتوب لربه إن كان مذنباً، وربما كما في أحلامي سيكلف نفسه عناء البحث عن ابنتي ومنحها إياه، لتعرف حقيقة ما حدث لذويها.

لقد اتخذت قراري أخيراً، أيا كان دوري في هذه الأرض فقد انتهى، ربما كان الله يمنحني الخيار الأخير، عندما مكنني من خطف ذلك الجهاز من يد خالد، كما منحني الخيار دوماً ولكنني أسأت الاختيار، ولكنني هذه المرة لن أفعل، سأكفر عن كل ذنوبي وسأصلح ما أفسدته، وسأقتص للفقراء من طُغاتِهم، سأضغط ذلك الزر، وسأمحو ذكرياتي، سأحصل على سلامي أخيراً، فما الفائدة من ذكريات تكويني بنارها في كل ثانية؟!

ولكنني قبل ذلك سأحرص على نشر خبر موتي، لقد جمعت أخيراً مبلغاً مناسباً لرشوة أحد صحافيي الإشاعات، ووافق على نشر خبر وفاتي، وبالنسبة له ستكون خبطة العمر الذي سيدفع ثمنها لاحقاً، فلكل منا طريق عليه أن يسلكه، وكل منا سيسير حتماً في طريق رسمته يده وحده، وعليه أن يتحمل نتائجه، ربما وصل خبر موتي لهيثم، وربما حققت العدالة أخيراً على يد من كان يحميها.

لم أحاول ولا لمرة واحدة الوصول إلى ابنتي، رغم معرفتي بكيفية الوصول لها، لقد وجدت في ذلك عقاباً لي على ما اقترفته بحق شروق وطفلها، وأيضاً، بأي حق سأواجهها، وكيف سأنظر في عينيّها وأخبرها أنني والدها، وأنني كنت حياً كل هذه السنين ولكنني لم أكن أتذكرها، حتى لو زرتها لا أظن أنها ستصدقني، بالتأكيد هو أقنعها بأنه عائلتها الوحيدة، عليَّ السماح لها بعيش حياتها كما قدرها الله لها، وكل ما بإمكاني فعله هو الدعاء بأن تكون سعيدة حيثما كانت، لقد أصبحت جباناً كما لم أعهد يوماً، ربما العمر، وربما الألم، وربما عاري من ذنوبي هو السبب، لا فرق الآن حقاً، المهم أن أنهي ما بدأته.

أودعت دفتري في خزانة أحد القطارات دون النظر إلى رقمها، لكي لا أعود لاسترداده إن جبنت، ورحلت بلا عودة، لم أنظر خلفي ولا حتى لمرة، فما الفائدة الآن؟!

......

في ظل شجرة لوز مزهرة جلست، رحت أتأمل بديع صنع الله وأنا أتذكر وجه زهرة للمرة الأخيرة، رأيتها في تلك اللحظة التي كانت تبتسم فيها رغم ألمها، أيقظتني من نومي، وهي تضحك بهستيرية، لقد كانت تصرخ حيناً، وتبكي فرحاً حيناً آخر، قالت: لقد كادت تصل يا موسى، وأخيراً سنصبح أباً وأماً، كانت تمسك بطنها بيدها وهي تجزّ على أسنانها من شدة الألم، ورغم ذلك لم تفارق البسمة شفتيها، أسندتها بسرعة ونقلتها للمشفى، لم أترك يدها لحظة، كنت أبكي من فرط شجاعتها، أتمنى لو بيدي تخليصها من كل ألم، كانت تشدّ على يدي، وتنظر في عينيّ وكأنها تستمد قوتها مني، كاد القلق عليها يقتلني جزعاً، ولكنها كانت أقوى مني، ولحظة سمعت صراخ طفلتي الأول، لم تسعنِ الدنيا من شدة سعادتي، حملتها بين يدي كأنني أحمل جوهرة ثمينة، وكانت هي جوهرتي بحق.

ابتسامة زهرة ووجهها المغطى بقطرات العرق، ودموع فرحتها وهي تحتضن طفلتنا لأول مرة، لقد عادت لي كل ذكرياتي السعيدة دفعة واحدة، أتذكر أول مرة رأيت زهرة فيها، كنت طفلاً لم يتعدَ العاشرة، وكانت هي ملاك هبط من السماء ليمنح قلبي السكينة، كانت ترتدي فستاناً أبيضاً كروحها النقية، تملصت من قبضة والدها المحكمة، وأصرت أن تكون ملاذي، في كل ليلة كانت تأتيني بما استطاعت حمله مما لذّ وطاب، لقد كانت تطبب جراحي، وتهدئ ألم قلبي برقتها، لقد منحتني حباً أكبر من الكون، لقد زرعت عشقها داخل روحي، دون أن تحسب حساب حقدي الذي ارتد عليها، ولكنها بقلبها الكبير عرفت كيف تعيد حبها ليكون هو أساس حياتنا.

رحت أستعيد ضحكتها وهي تجري خلف ابنتنا، أرى يدها ممدودة نحوي تدعوني للعب معهم، أراها بفستانها الذي يتزين بها، أشعر بيديها وهي تحتضنني بلطف، وأراني منشغلاً عنها بأوراقي، لمرة واحدة أغمضت عينيّ وأنا أتخيل؛ ما الذي كان سيحصل لو أنني تركت أوراقي وأمسكت يدها، شددتها نحوي، احتضنت طيفها بكل ما في، طلبت غفرانها الذي لم تبخل به يوماً عليّ، سرنا سوياً خلف ابنتنا، رأيتها أمامي وهي تكبر، شاهدت أول ضحكة، وأول خطوة، سمعت من ثغرها الباسم أول كلمة، ورأيتها وهي تنجح في كل عام في كنف والدتها الحنون، شاهدتها وهي تتخرج من جامعتها، وهي ترتدي فستان زفافها على من تحب.

كنت هناك شخصاً مختلفاً تماماً، أساعد الفقير عندما يمد يده لي، وأمد يداً لمن يخجل من طلب المساعدة، كنت عوناً لمن لا عون لهم، ليتني لم أسر في هذا الطريق الموحل، ليتني منحت حياتي فرصة، ليتني تعلمت من زهرة معنى التسامح، ليتني لم أكن كما كنت، ربما كانت ستحيى زهرة لتصبح عجوزاً بضفائر بيضاء، تتعكز عليَّ وأستند عليها، وأستمد من ضحكتها قوتي، ربما كنت أباً مشرفاً لابنتي، ربما... دمعت عيناي وأنا أتحسر على كل ما فاتني، ثم ضغطت ذلك الزر، وعدت صفحة بيضاء من جديد.

.....

بعد عدة أسابيع...

جثة رجل مشرد، يستلقي على أوراق صحف بالية، يتدثر بإحداها علها تدفء عظامه الهشة، يلتقط صحفي صورة له لينشرها مع خبرٍ لمكافحة الفقر، وعلى صفحة إحدى الصحف كُتب خبرٌ بالخط العريض "وزارة مكافحة الفساد، تبدأ التحقيق مع عدد كبير من أغنياء البلد، على إثر مظروف وصلهم من شخص مجهول، لتتحول إلى أكبر قضية فساد في تاريخ البلاد"

النهاية

تمت

٧/١/٢٠٢١

ملحق

*"بداخل كل منا أمية وبلال ونحن من نختار أيهما يظهر" مقتبس من رواية شيفرة بلال للكاتب أحمد خيري العمري.

**فينوباربيتال: دواء يستخدم للمساعدة على النوم والاسترخاء.

***ثيامين: هو اسم آخر لفيتامين ب ١، الذي يساعد على علاج بعض أنواع الاعتلالات الدماغية.

****بروزاك: دواء يستخدم لعلاج الاكتئاب، وهو أحد مثبطات استرجاع السيروتونين.

*****غالانتامين: دواء يستخدم لعلاج حالات قصور الذاكرة، ويعمل على تثبيط الناقل العصبي الأستيل كولين.

******المينوتور في الميثولوجيا الإغريقية؛ هو مخلوق نصفه رجل ونصفه الآخر ثور، وقد احتجز داخل متاهة كعقاب من بوسيدون، وكان على أهل أثينا تقديم سبع عذارى، وسبع شبان كإتاوة ليأكلهم المينوتور كل تسع سنوات.

*******خيط أريادني: هو خيط منحته الأميرة أريادني للأمير الشاب ثيسيوس قبل دخوله متاهة المينوتور، والذي بدوره ترك بداية الخيط في مدخل المتاهة قبل دخوله، ثم أخذ يرخي الخيط في يده، وعندما ظهر له الوحش ألقى الخيط وأمسك بالسيف الذي منحته إياه أريادني أيضاً وقتله، ثم عاد إلى بوابة المتاهة، عبر تتبعه للخيط، وأنقذ رفاقه وأنقذ بلاده من ظل الموت المتمثل بالمينوتور.

********التحفيز العميق للدماغ: هو علاج يتضمن زرع مسارات كهربائية، داخل مناطق معينة من الدماغ، تنتج هذه المسارات نبضات كهربائية، تنظم النبضات غير الطبيعية، أو يمكن أن تؤثر في خلايا ومواد كيميائية معينة في الدماغ، تجري التجارب لاستخدامها في علاج مرض الخرف، وإصابات الدماغ الرضحية.

**********"ما هي الذاكرة التي نسيتها، هي تماما كالذاكرة التي لم تحظ بها قط" مقتبسة من المسلسل الكوري العفريت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحدث الموثقات تأليفا
مدونة محمد عبد المنعم

الكاتب: محمد عبد المنعم ابراهيم محمد

رقم التوثيق: 30023

عدد المشاهدات: 8

تاريخ التأليف: 29-11-2025


مدونة هند حمدي

الكاتب: هند حمدي عبد الكريم السيد

رقم التوثيق: 30020

عدد المشاهدات: 4

تاريخ التأليف: 29-11-2025


مدونة ايمن موسي

الكاتب: أيمن موسي أحمد موسي

رقم التوثيق: 30022

عدد المشاهدات: 18

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة محمد الشافعي

الكاتب: محمد حماده رزق السيد الشافعي

رقم التوثيق: 30019

عدد المشاهدات: 13

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة علا ابو السعادات

الكاتب: علا محمد ابو السعادات

رقم التوثيق: 30013

عدد المشاهدات: 6

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة كريمان سالم

الكاتب: كريمان محمد عبد السلام عفيفي

رقم التوثيق: 30012

عدد المشاهدات: 11

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة ابتسام محمد

الكاتب: ابتسام محمد فلاح

رقم التوثيق: 30011

عدد المشاهدات: 9

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة اسراء كمال

الكاتب: اسراء كمال عيد حسين

رقم التوثيق: 30018

عدد المشاهدات: 9

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة عطا الله حسب الله

الكاتب: عطا الله حسب الله عبد

رقم التوثيق: 30008

عدد المشاهدات: 11

تاريخ التأليف: 28-11-2025


مدونة محمد خوجة

الكاتب: محمد بن الحسين بن ادريس خوجه

رقم التوثيق: 30006

عدد المشاهدات: 14

تاريخ التأليف: 28-11-2025

أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↓الكاتبمدونة نهلة حمودة
3↑1الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
5↓الكاتبمدونة ايمن موسي
6↑2الكاتبمدونة محمد شحاتة
7↓الكاتبمدونة اشرف الكرم
8↑1الكاتبمدونة هند حمدي
9↓-3الكاتبمدونة آمال صالح
10↓الكاتبمدونة خالد العامري
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑37الكاتبمدونة اسماء خوجة173
2↑36الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 149
3↑35الكاتبمدونة اسراء كمال233
4↑20الكاتبمدونة حسين العلي93
5↑19الكاتبمدونة محمد خوجة67
6↑19الكاتبمدونة سلوى محمود167
7↑18الكاتبمدونة جلال الخطيب131
8↑12الكاتبمدونة منى كمال206
9↑8الكاتبمدونة محمد كافي88
10↑6الكاتبمدونة سحر أبو العلا39
11↑6الكاتبمدونة نجلاء لطفي 52
12↑6الكاتبمدونة جاد كريم197
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1124
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب710
4الكاتبمدونة ياسر سلمي681
5الكاتبمدونة اشرف الكرم618
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني439
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين434
10الكاتبمدونة شادي الربابعة415

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب365824
2الكاتبمدونة نهلة حمودة223524
3الكاتبمدونة ياسر سلمي202882
4الكاتبمدونة زينب حمدي179334
5الكاتبمدونة اشرف الكرم147322
6الكاتبمدونة مني امين120946
7الكاتبمدونة سمير حماد 118971
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين110319
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي109660
10الكاتبمدونة آيه الغمري105416

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
2الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
3الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
4الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
5الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
6الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
7الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
8الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
9الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02
10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 2025-11-02

المتواجدون حالياً

404 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع