.عزمت اليوم أن أكتب للطفل، وهذه تجربة جديدة على قلمي رغم أن الفكرة تراودني في الفترة الأخيرة كثيرا، أن تكتب للطفل شيء وأن تكتب عنه شيء آخر، فقبل أن تهم بالكتابة له يجب أن تسأل نفسك بعض الأسئلة، هل لديك الشجاعة الكافية كي تستعيد ذاكرتك الطفولية وتسترجع ما كان يشغل فكرك ويستميل قلبك حينها؟! والسؤال الأهم هل تستطيع أن تعود مرة أخرى بعد أن مكثت مع روحك القديمة ولو دقائق معدودة؟ هل ستتشبث بالماضي أم أنك ستتمنى الخلاص والعودة سريعا لنفسك التي أصبحت عليها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة يلزمها مساحة للتأمل.
تذكرت المرات التي حاولت فيها أن أظهر بمظهر الكاتبة الناضجة بترويض روحي الطفولية وطمس معالم البراءة في الحديث أمام قامات لا يليق أن يروا مني إلا الصورة الوقورة التي تتحدث أحاديث الكبار، أُحبط اندفاعي في كل مرة كي لا تنكشف وداعتي وتخونني جوارحي بممارسات طفولية غير مسئولة، قد تخدعهم النبرة الحادة والوجوم المصطنع، أو دعنا نقول تلك الآلية العميقة التي يمكنها التحكم كي لا يتفاجيء من حولك بممارسات عفوية تبدو للآخر أنها غير لائقة، لكن كيف أطمس شعوري الذي لم يفارقني مذ أن كنت في الثالثة عشر من عمري، شعوري أن هذا العالم أكبر من أن أواجهه ولو في ساعات الصفاء -التي ندر وجودها في حياتي-، وأيضا رغبتي في تشييء الأشخاص وإطلاق مسميات جديدة عليها، وتحويل المجسمات لدمى ثم ألهو معها في مخيلتي، أهمس لهم بسري الذي أخفيته عن العالم ليقيني أنهم لن يفشوا به لأحد، سأخبرهم أنني أرى كل من أمامي عملاق وأنني وديعة جدا، رقيقة جدا، ضئيلة جدا كعقلة الإصبع وسيقْبَلونني، صحيح أنها عقلة إصبع إلا أنها بطلة في قصتها التي رافقتي في صفوفي الأولى، أما أنا فهل كنت بطلة يوما ما؟! الحقيقة أنني لم أشعر في يوم من الأيام أنني بطلة حياتي، وهذا شيء يعد غريبا وعجيبا أعرف ذلك، أسير بعاطفتي بين قلوب الخلائق، أشفق على هذا وأصفق لتلك وأدعو لهؤلاء، أنى لي بوقت لتعزيز دوري؟! أعلم أن الجميع في قصته بطلا ولو لم ير أنه أنجز شيئا، أي شخص في عين نفسه يحب أن يضخم ما يفعله ويزين دوافعه ويفخر بمساعيه، وتجد منهم من يتفانى في استدرار عاطفتك وتوريطك فيما ناله؛ لكنني وبكل جسارة أخفي هزائمي وبنفس الوقت أغض الطرف عن انتصارتي الخاصة ولا أعرف لمَ؟ لمَ أدعي اللامبالاة بعد كل إنجاز بل وأحبطه أحيانا كأني ما زلت هناك عند نقطة البداية؟! مع إرهاصاتي الأولى اغتبط بها! لا أجد تفسيرا لهذا السلوك سوى أنني أمتلك نفسا لا تريد الاكتفاء وتخشى أن تصاب بداء العُجب، ترى أنها ما زالت تقف في ثبات بطابور المدرسة بهيئتها الطفولية، بعلو صوتها تحي العلم مع أقرانها ثم تنصت لذاك الصدى الذي سيأتيها بعد أن تصمت، وكأن الزمن وقف عند تلك اللحظة من الشعور..
فكيف أخشى العودة وما زالت روحي عالقة هناك؟!








































