أعلم أن البعد لا يمكنه أن يفترسَ روحي فإذا كانت بيننا هذه المسافة قريبة أوبعيدة أنا لا أعرف ولكن هي لا تعني شيئا بالنسبة لي؛ فمنذ أن رحلتَ عن بلدتنا وأخذت مع حقيبتك والبيانو قصتنا وأنا لا اكترث كم يفصلنا من وقت حتى نصل لبعضنا بل يهمني أنني مازلت أضع قُبلتي على جبينك سرا في الحلم وأنت نائم تُشبه الملائكة.
أصبحت حياتي تُشبه مفاتيح ذاك البيانو يوم أبيض عندما تأتي بمنامي ويوم أسود كلما تذكرت الرحيل المباغت، لطالما عزفت على البيانو ألحاناً رائعة كنت أستمع لها من شرفة بيتنا الكبير الكائن أمام منزلك وأحيانا أتسلل عبر حديقتنا لأنصت جيدا للعزف وأحفظ تلك النغمات في ذهني وقلبي.
ومنذ ذلك الحين كنت والبيانو سري الكبير، حتى جاء اليوم الذي رأيتني فيه وأنا أختلس السمع مغمضة العينين أستنشق نسمات الصباح ولحنك يحيط بي من كل جهة وكأنه فراشات ذات ألوانٍ رائعة إنه أمر مبهج للغاية أن تحبي عازف بيانو من بعيد، فتحت عيني عندما وجدتك توقفت عن العزف فرأيتك تنظر ليّ وعلى وجهك ابتسامة رقيقة ، شعرت بأن الزمن توقف في تلك اللحظات وأنا واقفة في الشرفة لا أجد شيئا أفعله سوى أنني ابتسم أيضا، ثم رفعت يدك اليمنى للتحية ففعلت مثلك حتى قطع ذاك المشهد صوت الخادمة وهي تقول
هل أُحضر سيدتي الفطور هنا بالغرفة؟
خرجت مرتبكة من الشرفة سريعا حتى لا يُكتشف أمري فأنا كنت حريصة أن لا يعرف أحد سري حتى أنت ولكنك عرفت.
لا أريد الفطور ،أحضري لي فنجان قهوة .
أخذت رشفة من القهوة بعدما وضعتها على الطاولة وذهبت وأنا أتصفح الجريدة أمامي ولكن الحقيقة لا أقرأ شيئا ، أحاول أن أتذكرَ ملامحك وأنت تنظر إلي باستغرابٍ شديد ثم أهديتني ابتسامة منحتني سعادة كبيرة في يومي..
لم أحاول يومها واليوم التالي أن أقترب من الشرفة فأنا أخشى أن أراك مرة أخرى ولكنني سألت الخادمة عندما أحضرت الغداء
أسمع صوت بيانو منذ فترة ليست بقليلة هل تعرفين من أين مصدر الصوت؟!
نعم ياسيدتي إنه ذاك الشاب يسكن في المنزل الذي أمامنا..
ومن هو هل جاء من جديد إلى البلدة؟
جاء منذ شهرين واستأجرالمنزل
صمت وحدثت ذاتي أن أكف عن الحديث حتى لا يُفتضح أمري حتى قالت قاطعة الصمت
يقولون في البلدة أن زوجته ماتت وظل هو يعزف ألحانها التي تحبها ولكننا لم نشعر بضيق أو انْزِعاج منها ثم اقتربت مني أكثر هامسة
ولكن سيدي عندما سمعه بالصباح قال من أين يأتي هذا الصوت إنه شخص لا يشعر بالجيران وبدا عليه عدم الارتياح، وعادت كما كانت ثم سمحت لها بالانصراف.
والدي لا يعرف العاطفة منذ رحلت أمي عن عالمنا وتركتني وهو يحبسني بالغرفة لمدة أيام كعقاب على أي شيء حتى وإن كان عاديا
أبي هو من يتحكم في كل شيء بحياتي لأن شقيقي بالسابق تمرد عليه وهاجر إلى بلد أخرى فهو لا يريده أن يمسك زمام أموره بدلا عنه لذلك يخشى من تمردي أنا الأخرى فيكثرُ من حدته معي حتى قال لي ذات مرة أنني لا أملك أختيار من سأتزوج هو وحده من سيفعل هذا، لم أرد على حديثه وقتها واحتفظت بكلماته داخلي.
ثم تذكرت حديث الخادمة هي بالفعل قالت زوجته توفت
كيف كان حالك حينها أعتقد أنك تعبت كثيرا بعدها كما حدث لي عندما ذهبت أمي .
على ما يبدو أنها كانت سيدة تتسم بالذوق الرفيع لأن جميع الألحان التي عزفتها رقيقة للغاية تشعر معها كأنك طائر بأجنحة تُحلق بالسماء دون قيد أو حدود.
لماذا تُحركني نغماتك أنا لا أفقه الحب
حب؟!
هل من الممكن يحب المرء شخصا لا يعرفه؟!
لكنني بالفعل شعرت بالحب تجاهك لا يمكنني نفي الأمر.
أخشى أن يتدخل أبي ويحاول أن يبعدك عن البلدة بعلاقاته لأن الموسيقى تزعجه .
ليتني ما سألت الخادمة الآن هي تشك في أمري ومن المحتمل أنها ستتحدث لأبي عن سؤالي.
أخذت الأفكار تطوقني حتى شعرت بالنعاس ونمت على وسادتي وأنا أتمنى أن أرى أمي بمنامي ترشدني ماذا أفعل.
غرفة يبدو أن أحدا لم يدخلها منذ زمن الأتربة في كل مكان ونافذة مفتوحة يعبث الهواء الشديد بها وتطير الستارة إلى الخارج من حدته وفي الزاوية بيانو عتيق من طراز قديم جلست على الكرسي وأمامي البيانو أضغط عليه بأصابعي بشكل عشوائي حتى رأيتك تتقدم نحوي وتعلمني كيف يكون العزف.
كان الحلم رائعا حقا، عندما استيقظت وجدت نور الشمس يُغرق غرفتي ويغمر قلبي لقد عاد الحلم للمرة الثانية ولم أقو على عدم رؤيتك حتى أنني لاحظت أنك لم تعزف طيلة الأمس ، ذهبت حتى أراك ولكنني لم أجدك فعبس وجهي ثم نظرت للورد في الحديقة بالأسفل ووجدتها بديعة فكرت أن الورد لا يريد شيئا سوى الرعاية حتى لا يذبل وبين كل هذه الأفكار عدت ببصري لألمحك وأنت تُزيل الغبار عن البيانو ثم نظرت نحوي ودخلت شرفتك أحسست أنك تريد التحدث ولكن لا تعرف من أين تبدأ وكيف سنسمع بعضنا فأشرت إليّ بإشارة تعني أن نتقابل بالخارج من فرط سعادتي هززت رأسي بالموافقة ثم ركضت مسرعة وأنا أرتعد من الخوف عليك وعلي إن علم والدي من الممكن أن يتسبب في مغادرتك من هنا أنا أعلم ذلك جيدا.
لكنني أريد حقا أن أقابلك أزحت الستارة الضخمة التي تغطي شرفتي فوجدتك واقفا تنتظر ..
فضحكت ضحكة حفيفة وذهبت في محاولة أن أنادي الخادمة
حتى جاءت
هل تريدين شيئا سيدتي؟
أنا أعلم أن أبي ليس هنا وأنه سافر لصفقة عمل
انصتي لي جيدا أنا أريد أن أنزل للخارج دون علمه
ولكن ؟!
أنا على يقين بأنكِ لم تتحدثي بشيء هل يعجبك هذه المعاملة وكأنني متهمة وبداخل قفص؟
لا بالطبع
إذن أسمحي لي وأنا على وعد أن أرجع سريعا
بالكاد عرفت أن أقنعها وخرجت كعصفور أخذ حريته للتو بعدما زينت نفسي وارتديت فستاني الوردي الأنيق.
وتقابلنا بالنهاية، هناك بالحياة أشياء جميلة كالحب هي من تجعلنا نعيشها دون التفكير في الأشياء المحزنة.
حدث أكثر من مرة على فترات متباعدة أن تقابلنا وكانت الخادمة تعرف بذهابي ولكنها لا تعرف أين أكون.
كنا نجلس وأمامنا البحر يستمع لحديثنا وكأن الأمواج تتراقص فرحة بالحب الجديد نتبادل النظرات التي تكشف عن الحب بقلبينا.
حكيت لك عن أبي وحكيت عن زوجتك وحبك لها وأنها من وقفت بجانبك حتى ماتت فجأة وهي في سن صغيرة.
عرضت علي الزواج و رغم علمك بشخصية والدي أخبرتني أنك ستحاول كسب رضاه وافقت على حديثك والأمل يشرق من باطني
ثم عدت للمنزل ووجدت أبي يستقبلني وملامح وجهه محتقنة تقدم نحوي بغضب و جذبني قبل أن أتكلم ولطم وجهي وبعدها حبسني لمدة لا أعرف كيف مضت حتى أنه استبدل الخادمة بأخرى وأعطى لها تعليمات أشد من السابقة.
عرفت أنك جئت لخطبتي ولكن رفض أبي وأقسم أنه سيبعدك عن هنا بشتى الطرق وفي كل مرة كنت تحاول يزداد أبي تعنتا.
حتى غادرت بالفعل ولا أعلم كيف ومتى ولكن الموسيقى توقفت وأطبق الصمت على المكان فكتبت بدفتري كل يوم خاطرة تبوح بما داخلي لأحتفظ بها سنواتي القادمة:
أنا هنا يارفيق يفصلني عنك الماضي
وأنت هناك يفصلك عني ذاك البحر العميق
ولكننا نلتقي بالحلم وبيننا خطوة.
********************
أفتقد بريق تلك النجمة يارفيق لقد حدثتها كثيرا عنك حتى تخيلت أنها حفظت قصتي معك من الضياع والنسيان لتصبح عالقة بالسماء البعيدة نقطة صغيرة في الكون الفسيح.
*************
على المقعد وشاح لونه قاتم
لسيدة.
على ذات المقعد رائحة حب
البيانو العتيق لفظ نغمة أخيرة
يمر سرب من الطيور لا مقصد له بالسماء
أيها القادم من زمن بعيد
ضع حقيبتك
وفتش عن ملامحك الضائعة
ربما تجدها
كانت هنا حكاية ما
تنفض عنها غبار السنين.









































